المحرر العايدي: نصفي حرّ والآخر أسير !!

الرسالة نت  - محمد بلّور

يمنحه المنزل الهادئ الذي انتقل للسكن فيه قبل أسابيع فرصة للتأمّل.. يتلمّس الأشياء من حوله فيراها كلها طازجة على عينيه ومحببة إلى نفسه.. أعجبه البحر والهواء الطّلق وشدّة إيقاع الحياة بعيدا عن القضبان الباردة.

ويمضي المحرر حازم العايدي (44 سنة) وقته في اكتشاف الحياة من حوله بعد عشرين سنة في الأسر، ومنذ أن نال حريته في صفقة "وفاء الأحرار" وهو يتلقى دفعات كبيرة من المتغيرات الاجتماعية فيحاول ترجمتها بنصف حضور، فنصفه الآخر ما زال في الأسر، كما يقول.

وانطلقت صافرة القطار يوم الثامن عشر من أكتوبر الماضي معلنة الوصول للمحطة الأخيرة من الرحلة.. تلك الرحلة التي كان عنوانها 4 مؤبدات و75 سنة وفق تقويم الاحتلال.

نصف فرحة

وفي خيمة التهنئة المعدة لاستقباله في منزل شقيقه بدير البلح يبدو كل شيء معدا على نسق واهتمام، فلا ينقص المشهد سوى المهنئين الذين يتوافدون في المساء.وتتطابق الصور على الجدران مع ضيف وصل قريبا ألا وهو حازم.. الصور صامتة لكن حازم يتحدث عن سنوات أمضاها في سجون: عسقلان ونفحة ورامون.

يفرد أصابعه للإدلاء بالتصريح عينه الذي ألفتموه على لسان المحررين قائلا: "فرحتي ناقصة!.. تصور أنك عشت مع أصدقاء عشرين سنة في الحلو والمر وفي لحظات الفرح والحزن.. ثم تتركهم!".

ويرى أن السجن يجسد مجتمعا كاملا يتزاور فيه الأسرى في الأفراح والأحزان، وهذا ما يترجم مقولة المحررين كافة بأن فرحتهم الآن ناقصة.

وأضاف: "أتذكرهم الآن وهم بالداخل.. هل هم داخل الحجرات أم في الفورة؟.. كلما أقابل أي محرر أشعر أنني قابلت واحدا من أهلي؛ لذا فالألم بتركهم ليس لأنه فراق بل لأنك عشت معهم معاناة وأنت الآن حرّ وهم في العذاب".

وقال إن الناس يعرفون السجن بأنه لوحة صمود، "لكن خلف تلك اللوحة معاناة على مدار الساعة حيث يتحكم السجّان في تفاصيل الحياة كلها"، وتابع: "بكينا دموعا حارّة على الفراق لكننا واثقون بالفرج، ونعلم أنه لم تكن لتشمل الصفقة الأسرى كافة؛ فالمقاومة لديها جندي واحد".

مخزون 20 سنة

وفي الصباح الأول من الحرية في منزله فزع حازم من طرقة الباب الذي لعبت فيه الريح.. استغرق الأمر قرابة دقيقة حتى استوعب الأمر فقد استيقظ حاسبا نفسه في حجرة رقم 13 بسجن "ريمون" الذي ألف عثرة بابها هناك بما كان يستدعي أن يركله السجان برجله حتى يفتح.

وعن ذلك يقول: "للوهلة الأول حسبت نفسي في السجن لكني تفاجأت بالحجرة وسمعت صوت أخي وهو يتكلم مع شخص على الهاتف وحسبت أنه ذلك السجّان".

ويتقّد مخزون عشرين سنة من السجن إذا رأى حازم أي شيء, فمباشرة تندلع ترجمة فورية تقارن بين الشيء ومثيله في السجن فيعيش في اللحظة نفسها الماضي الأليم والحاضر المعبق بالحزن والسعادة. وأشار أن عشرين سنة تستخدم عادة للحديث عن فترة طويلة، وقد تبسم ضاحكا حين قال: "حتى ذلك المغني يقول: "قلي وش جابك علي وش ذكرك فينا.. عشرين عام انقضت ويش ذكرك بياه!".

وفي السنوات الأول من الأسر التي تزامنت مع انتفاضة الحجارة أحس أنه وزملاءه وسط المعركة، فلم يلتفتوا كثيرا لجراحهم، ولكن الفترة المحبطة لهم كانت ما بين 1994-2000 زمن السلطة الفلسطينية التي أشعرتهم أنهم خرجوا من التاريخ، كما قال.

وعن ذلك يضيف: "شعرنا أننا مضيعون.. خرجنا من القافلة ونحن في عالم النسيان، فعددنا كان بضع مئات وتخيلنا أننا شهداء وأن قيادتنا نسيتنا وبخاصة أن كثيرا من أسرى منظمة التحرير خرجوا ولم يبق سوى أسرى حماس وأسرى المنظمة أصحاب قضايا القتل".

ولعل أكثر تلك الليالي ألما هي إحدى ليالي سنة 1999, "إذ كانت ليلة صعبة على قسم 5 بسجن نفحة، فرغم الإفراج عن 100 أسير مؤبد إلا أن باب قسم 5 لم يفتح ليلتها على أحد".

فشعر الأسرى أن أملهم الوحيد بعد الله هو أن يختطف جندي صهيوني، وقد شعروا أنهم يدفعون ضريبة الانتماء لحركة حماس.

القطار على السّكة

المحطة الثالثة في حياته كانت مع اندلاع انتفاضة الأقصى سنة 2000، وعندها شعر أن القطار عاد لسكته وأن الروح عادت للجسد, ولم يكن أكثر ألما فيها من اغتيال القادة المؤسسين الذين عاش معهم في السجن.. عن ذلك يقول: "كلما اغتالوا أحدهم كنا نشعر بالحرقة والألم والعجز، وكانت الدموع في عيون الشباب، وكان الدعاء الملحّ: اللهم احفظ حركتنا ومشايخنا ومجاهدينا..".

مرت الانتخابات التشريعية وسط متابعة كبيرة داخل السجن، وكان لحازم وزملائه مع دخول حماس للانتخابات طرد لفكرة أن "الإسلاميين يزرعون وغيرهم يحصدون!".وتوالت المفاجآت لكن أسعدها كان اختطاف شاليط، "حيث شعر كل أسير أنها بداية قرار الإفراج، وقد كان أملا مدعوما بالأسباب"، كما قال.

وطوال سنوات خمسة تواصل الأسرى مع قيادة حماس لمتابعة الصفقة، وكان المنحنى يرتفع أحيانا وينخفض أحيانا أخرى، وقد توقع بعضهم أن يكون تاريخ الثامن والعشرين من سبتمبر الماضي آخر موعد لجولات التفاوض.

غزة أجمل !!

"حين شاهدها للمرة الأولى كانت غزة أجمل مما تصور، فصمودها جميل لكنها تحلت بالأمن والطبيعة, ولعل وقفة على شاطئ البحر تنسيك الدنيا وما فيها".. كما قال المنشد واتفق معه حازم.

وعن لحظة الحرية أضاف: "كنت متشوّقا لرؤية والدتي وعمرها 82 سنة، وكنت متشوّقا لمخيم المغازي, فالأسير يعيش على الذاكرة لأنه يعيش قصة حرمان وقصة شوق".

وقد حاول طوال عشرين سنة أن يتصل بالعالم الخارجي عبر متابعة التلفاز والراديو والاتصالات، وكان كثيرا ما يتخيّل الدنيا في الخارج ويتحدث عن ذلك لمن حوله.

ويرى أن الأسرى طوال السنين الماضية عاشوا هموم الأمة الإسلامية في أزمات الشيشان والبوسنة والسودان والصومال.

ليلة الإفراج

مرت ساعاتها ثقيلة وقد قابل كل أسير ضابط مخابرات المسؤول عن منطقته أو مخيمه.وهناك دار حوار أظهر فيه الضباط عبر الحاسوب أنهم يعرفون كل شيء حتى تفاصيل المنازل والحجرات، وطلبوا من الأسرى الابتعاد عن العمل الوطني وإلا استقبال هدية "صاروخ" ينهي الحياة.

وعلق حازم: "الصراع مع الاحتلال ليس صراعا عسكريا بقدر ما هو صراع أمني استخباري يعتمد على المعلومة".

ويعيد المحرر العايدي في هذه الأيام ترتيب الأشياء في رأسه استعدادا للمستقبل القادم الذي يحتاج منه للكثير.

وعن المستقبل يقول: "سأحاول البحث عن وظيفة مناسبة وسأكمل نصف ديني بالزواج، ثم سأكمل مشوار التعليم وأريد أن أكون لبنة في صرح الإسلام العظيم وأساهم في الصحوة الإسلامية وأكون جنديا في الدعوة الإسلامية المباركة".

وتتفتح الدنيا يوما بعد يوما وتتضح معالمها في عيون المحرر حازم العايدي، ولكن لا تكاد تمر ساعة دون أن تهزّه خفقة من قلبه حين يتذكر الأسرى خلف القضبان فيتنبه إلى أن نصفه الآخر حرّ ونصفه الثاني ما زال في الأسر.