أيضاً الخطاب في فنجان

م. كنعان سعيد عبيد

هذا المقال توأم أنابيب لمقالي الأسبق "دولة في فنجان", فلم أكن ممن يحب سماع أغنية قارئة الفنجان لعبد الحليم حافظ "مفقودٌ مفقودٌ مفقود" ولكني كنت شغوفاً بسماع السيد الرئيس يخطب مُستذكراً خطاب الرئيس الراحل أبا عمار داعياً "لا تُسقِطُوا الغصن الأخضر من يدي" حينها خَرجنا من مدارسنا نهتف "لا دراسة ولا تدريس إلا في عهد الرئيس", ومع ذلك فقد درست خطاب الرئيس أكثر من ثلاث مرات قاصداً التفحيص والتمحيص.

كعادة نقاد الشعر تأول الكُتَّاب والسياسيون الحِزبيون الخطاب، وكلٌ يُغني على ليلاه بين معارض مُستدرِك بــ "لكن"، ومؤيدٍ مُبايع، ومُستفسِرٍ غائب الوعي، ومنتظرٍ وخائفٍ على راتبه. كأن العملية السياسية انحصرت في فنجان سوق عكاظ. الخطاب الذي أشهد فيه أن رئيسنا لم يُخطئ في الإعراب كعادة الرؤساء العرب حين يرفعون المفعول ويكسرون الفاعل.

ثمانية عشر عاماً تكسرت فيها مساعي الرئيس السلمية والمبادرات اللذيذة على صخرة عناد الموقف الإسرائيلي في الوقت الذي تكسرت فيه أيضاً آلاف المنازل تدميراً وتجريفاً، وتكسرت فيه جبال الضفة وجبل أبو غنيم لتصبح وطنا قوميا لليهود وتكسرت أساسات المسجد الأقصى وآلاف الرؤوس من شهداء الشعب الفلسطيني وتكسرت أيضا كرات الدم الحمراء للرئيس الراحل أبو عمار تتويجاً لسنوات المساعي الحميدة. وكأن خطاب الرئيس كفارة لتلك السنوات العجاف أو كأن للمؤمن أن يُلدغ من جحر ثمانية عشر عاماً، حمدت الله أنه لم يبقَ من عمر الرئيس مثلهن من السنين حتى لا يَخرج علينا بخطاب قوي "أن (إسرائيل) كسرت ستا وثلاثين عاماً من المفاوضات"، حينها سيكون تصفيق الحضور أقوى مما حظي به خطابنا الحالي.

بكل قوة وثبات وشجاعة  لن يطالب السيد الرئيس بعزل (إسرائيل) أو نزع شرعيتها، براءة أبدية لم يحلم شامير المطلوب للقضاء البريطاني, ولم تسمع بها مطاعم كُتِب على أبوابها ممنوع دخول اليهود والكلاب، وكأنه لم يقرأ قول الله تعالى: "لعن الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داوود وعيسى ابن مريم ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون".

وبكبرياء لم أجد له مثيل يطالب الرئيس بما بعد النكسة غافراً ما بعد النكبة مسامحاً بوطنه صفد, وبنخوة العربي الأصيل، لم يشترط طلبه بشرعية (إسرائيل) مُطمئناً ألا بديل عن الحوار والمقاومة السلمية على مبدأ لعن الله السلاح ومهدداً "لا تسقطوا الغصن الأخضر من يدي" علماً بان الغصن يبس واصفر ليصبح عصا في يد المايسترو يوزع به أدوار جوقة فناني الرقص على نغمة "وقفونا على الحدود قال بدهم هوية".