[21] رحلة الحج دروس وعبر

أ. يوسف علي فرحات

نعيش في هذه الأيام أشهرَ الحج وهي شوال وذو القعدة والعشر الأوائل من ذي الحجة على أرجح الأقوال ، وهي المشار إليها في قوله تعالى : (الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدَالَ فِي الْحَجِّ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ) [البقرة:197] .

 والحج ركن ركين في هذا الدين ، وفريضة عظيمة  أوجبها الله سبحانه وتعالى على كل مسلم مكلف قادر على تكاليف السفر ويملك النفقة مرةً في العمر للحديث الذي أخرجه مسلم في صحيحه عن أبي هريرة رضي الله عنه  قال :( خَطَبَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ فَرَضَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ الْحَجَّ فَحُجُّوا فَقَالَ رَجُلٌ أَكُلَّ عَامٍ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَسَكَتَ حَتَّى قَالَهَا ثَلَاثًا فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَوْ قُلْتُ نَعَمْ لَوَجَبَتْ وَلَمَا اسْتَطَعْتُمْ ثُمَّ قَالَ ذَرُونِي مَا تَرَكْتُكُمْ فَإِنَّمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ بِكَثْرَةِ سُؤَالِهِمْ وَاخْتِلَافِهِمْ عَلَى أَنْبِيَائِهِمْ فَإِذَا أَمَرْتُكُمْ بِشَيْءٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَإِذَا نَهَيْتُكُمْ عَنْ شَيْءٍ فَدَعُوهُ )

ففريضة الحج ثابتة بالكتاب والسنة وبإجماع المسلمين قاطبة إجماعاً قطعياً فمن أنكر فريضة الحج فقد كفر ومن أقر بها وتركها تهاوناً فهو على خطر ، لذا ذهب الجماهير من الفقهاء على أن الحج واجب على الفور وليس على التراخي ، فكيف يتراخى هذا الإنسان الذي يستطيع الحج ويؤخر أداءه وهو لا يدري لعله لا يستطيع الوصول إليه بعد عامه . وقد أخرج الإمام البيهقي في سننه بسند صحيح عن ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( ليمت يهودياً أو نصرانياً – قالها  ثلاثاً – رجل مات ولم يحج وجد لذلك سعة وخُليت سبيله )  .

وهاهو موسم الحج يتكرر كل عام ولا يتقدم المسلمون نحو أي معنى من المعاني التي أرادها الشارع من فريضة الحج  بل استمع إلى حديث أي عائد من الحج وستجد أنه لا يحكي إلا عن الذين داسوا على رجله والذين زاحموه حتى انكفأ على وجهه أو عن هذا الذي سرق نقوده أو انتظارهم الطويل على المعابر أو تأخر الحافلات أو عن الحافلات غير المكيفة وهكذا … تسمع حديثاً طويلاً عن السلبيات ، مع أن الذي يَسبُر غورَ هذه العبادة يجد فيها من المعاني العظيمة والحكم الرائعة الجليلة والأسرار البديعة ما يأخذ الألباب ويُدهش العقول ، ومن خلال التأمل في هذه الرحلة الإيمانية والفريضة الربانية يستطيع المرء أن يقف على مجموعة من الدروس والعبر ، والتي على رأسها :

( أن الحج مظهر من مظاهر التوحيد وكيف لا وقد بُني البيت من أجل هذا الغرض ( وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لا تُشْرِكْ بِي شَيْئاً وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ) [الحج:26]

وإبراهيم  عليه السلام قد عرف في التاريخ بأنه رمز توحيد (مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيّاً وَلا نَصْرَانِيّاً وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفاً مُسْلِماً وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ) [آل عمران:67]

فالحاج منذ اللحظة الأولى لدخوله في هذا النسك وارتداءه لملابس الإحرام يعلن توحيده الخالص في أول كلمة يتلفظ بها : " لبيك اللهم لبيك ، لبيك لا شريك لك لبيك ، إن الحمد والنعمة لك والملك ، لا شريك لك "

   ( إن الناس يتحولون في هذه الساحة إلى عباد الرحمن … إلى مساواة لا تتحقق في واقع الإنسانية إلا في هذا المكان … بل إن معنى المساواة في الحج أتم وأعمق ، فالحجاج يستبدلون زيهم الوطني بزي الحج الموحد ويصبحون جميعاً بمظهر واحد لا يتميز شرقيهم عن غربيهم ولا عربيهم عن عجميهم ، كلهم لبسوا لباساً واحداً وتوجهوا إلى رب واحد بدعاء واحد ، تراهم قد نسوا كل الهتافات الوطنية وخلفوا وراءهم كل الشعارات القومية ونكسوا كل الرايات العصبية ورفعوا راية واحدة هي راية لا إله إلا الله ، يطوفون حول بيت واحد مختلطة أجناسهم و ألوانهم ولغاتهم يؤدون نسكاً واحداً.

( لقد اقتضت حكمة الله سبحانه وتعالى أن تكون فريضة الحج جماعية ، إذ لو كانت فريضة فردية لصح لك أن تحج في محرم وصفر وربيع ورجب وشعبان ورمضان ، ولكن أن يُوقتَ الشارعُ يوماً معيناً وتجمعاً معيناً ومكاناً معيناً لكي يحشد هذا الحجيج الضخم ويقيم هذا الموسم العظيم فلا ينبغي أن يغيب عن نظرنا معنى الجماعية ومعنى الأمة ، لقد أراد الله سبحانه وتعالى لنا أن نكون أمة واحدة متعاونة متناصرة متآلفة متكاتفة كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى ، وليس من المستغرب أن نستدل في هذا المقام على بحديث البخاري عن أُمِّ شَرِيكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَ بِقَتْلِ الْوَزَغِ وَقَالَ كَانَ يَنْفُخُ عَلَى إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَام) فمنذ مئات السنين وكلما رأى المسلمون وزغاً سارعوا إلى قتله ، لماذا ؟ أمن أجل أنه دويبة صغيرة ؟ كلا فإن الدواب الصغار كثيرة ولم نؤمر بقتلها ، أم من أجل أنه يلحق بالحشرات الضارة ؟ كلا فإن الحشرات الضارة لا تحصى ، إذاً من أجل ماذا ؟ من أجل أنه كان ينفخ النار على أبينا إبراهيم عليه السلام ، ولأجل أنه عدو إبراهيم ،  فهو عدو لكل مسلم وسيبقى المسلمون على ذلك إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها ، فلا ود ولا محبة لأعداء الدين ولو كانوا حشرات صغيرة كالأوزاغ.

( إن رحلة الحج تذكر الإنسان برحلة اليوم الآخر بدءاً من التجرد من المخيط وارتداء ثياب الإحرام التي تشبه أكفان الموتى وقبل ذلك سفره عن الأوطان ووداعه لأهله وأبنائه وأقاربه ،والذي يذكره بسفره الأخير إلى دار الآخرة ، وكذلك الإنسان ينبغي أن يتذكر بزحمة الطواف والسعي والرمي ذلك الزحام الرهيب يوم الحشر يوم يقوم الناس لرب العالمين يوم يجمع الله الأولين والآخرين في صعيد واحد ، كذلك يتذكر بحرارة الشمس في مكة يوم تدنوا الشمس من العباد قدر ميل و يتذكر بالتعب والضنك والعرق المتصبب من جسده وأجساد الناس من حوله ذلك اليوم الرهيب والموقف المهول يوم يبلغ الناس في العرق مبلغاً عظيماً ، ولذا نرى أن القرآن الكريم قد ختم الحديث عن مناسك الحج في سورة البقرة بالتذكير بحشد الحشر الأكبر والذي يتجلى في أروع صوره يوم عرفه ، قال تعالى : (وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَى وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ) [البقرة:203]