إِذَا لَمْ تَسْتَحْيِ فَاصْنَعْ مَا شِئْتَ

غزة – الرسالة نت

إن الله سبحانه وتعالى أمر عباده بالستر والحشمة وحسن الخلق ، وجعلها من الأخلاق الحسنة ، وجعل الأنبياء والرسل يأمرون الناس بها ، وجعلها من الدين ، أخرج الإمام البخاري رحمه الله في صحيحه عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ لَمَّا بَلَغَ أَبَا ذَرٍّ مَبْعَثُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لِأَخِيهِ ارْكَبْ إِلَى هَذَا الْوَادِي فَاعْلَمْ لِي عِلْمَ هَذَا الرَّجُلِ الَّذِي يَزْعُمُ أَنَّهُ نَبِيٌّ يَأْتِيهِ الْخَبَرُ مِنْ السَّمَاءِ وَاسْمَعْ مِنْ قَوْلِهِ ثُمَّ ائْتِنِي فَانْطَلَقَ الْأَخُ حَتَّى قَدِمَهُ وَسَمِعَ مِنْ قَوْلِهِ ثُمَّ رَجَعَ إِلَى أَبِي ذَرٍّ فَقَالَ لَهُ رَأَيْتُهُ يَأْمُرُ بِمَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ وَكَلَامًا مَا هُوَ بِالشِّعْرِ ." بل كان حبيبنا المصطفى صلى الله عليه وسلم يبين للناس كافة أنه بعث لإتمام مكارم الأخلاق . أخرج الإمام أحمد رحمه الله في مسنده عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:" إِنَّمَا بُعِثْتُ لِأُتَمِّمَ صَالِحَ الْأَخْلَاقِ."

وأنا أراجع كيف حث ديننا على حسن الخلق ، فوجدت أن هؤلاء الزعماء قد فقدوا الحسن من الأخلاق ، ولم يبق عندهم إلا سيئها ، لما أوصلوا بلادهم من العنت والظلم الذي تقاسيه شعوبهم على أيديهم ، بالإضافة إلى إهدار مقدرات البلاد على نزواتهم ومهاتراتهم . وإني لأنظر إلى حديث المصطفى صلى الله عليه وسلم فيما أخبر أمته ينطبق على ما نحن فيه في أيامنا هذه . فقد روى الإمام أحمد رحمه الله في مسنده عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رضي الله عنه قَالَ: صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَاةَ الْعَصْرِ ذَاتَ يَوْمٍ بِنَهَارٍ ثُمَّ قَامَ يَخْطُبُنَا إِلَى أَنْ غَابَتْ الشَّمْسُ فَلَمْ يَدَعْ شَيْئًا مِمَّا يَكُونُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ إِلَّا حَدَّثَنَاهُ حَفِظَ ذَلِكَ مَنْ حَفِظَ وَنَسِيَ ذَلِكَ مَنْ نَسِيَ وَكَانَ فِيمَا قَالَ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ الدُّنْيَا خَضِرَةٌ حُلْوَةٌ وَإِنَّ اللَّهَ مُسْتَخْلِفُكُمْ فِيهَا فَنَاظِرٌ كَيْفَ تَعْمَلُونَ فَاتَّقُوا الدُّنْيَا وَاتَّقُوا النِّسَاءَ أَلَا إِنَّ لِكُلِّ غَادِرٍ لِوَاءً يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِقَدْرِ غَدْرَتِهِ يُنْصَبُ عِنْدَ اسْتِهِ يُجْزَى بِهِ وَلَا غَادِرَ أَعْظَمُ مِنْ أَمِيرِ عَامَّةٍ ثُمَّ ذَكَرَ الْأَخْلَاقَ فَقَالَ يَكُونُ الرَّجُلُ سَرِيعَ الْغَضَبِ قَرِيبَ الْفَيْئَةِ فَهَذِهِ بِهَذِهِ وَيَكُونُ بَطِيءَ الْغَضَبِ بَطِيءَ الْفَيْئَةِ فَهَذِهِ بِهَذِهِ فَخَيْرُهُمْ بَطِيءُ الْغَضَبِ سَرِيعُ الْفَيْئَةِ وَشَرُّهُمْ سَرِيعُ الْغَضَبِ بَطِيءُ الْفَيْئَةِ قَالَ وَإِنَّ الْغَضَبَ جَمْرَةٌ فِي قَلْبِ ابْنِ آدَمَ تَتَوَقَّدُ أَلَمْ تَرَوْا إِلَى حُمْرَةِ عَيْنَيْهِ وَانْتِفَاخِ أَوْدَاجِهِ فَإِذَا وَجَدَ أَحَدُكُمْ ذَلِكَ فَلْيَجْلِسْ أَوْ قَالَ فَلْيَلْصَقْ بِالْأَرْضِ قَالَ ثُمَّ ذَكَرَ الْمُطَالَبَةَ فَقَالَ يَكُونُ الرَّجُلُ حَسَنَ الطَّلَبِ سَيِّئَ الْقَضَاءِ فَهَذِهِ بِهَذِهِ وَيَكُونُ حَسَنَ الْقَضَاءِ سَيِّئَ الطَّلَبِ فَهَذِهِ بِهَذِهِ فَخَيْرُهُمْ الْحَسَنُ الطَّلَبِ الْحَسَنُ الْقَضَاءِ وَشَرُّهُمْ السَّيِّئُ الطَّلَبِ السَّيِّئُ الْقَضَاءِ ثُمَّ قَالَ إِنَّ النَّاسَ خُلِقُوا عَلَى طَبَقَاتٍ فَيُولَدُ الرَّجُلُ مُؤْمِنًا وَيَعِيشُ مُؤْمِنًا وَيَمُوتُ مُؤْمِنًا وَيُولَدُ الرَّجُلُ كَافِرًا وَيَعِيشُ كَافِرًا وَيَمُوتُ كَافِرًا وَيُولَدُ الرَّجُلُ مُؤْمِنًا وَيَعِيشُ مُؤْمِنًا وَيَمُوتُ كَافِرًا وَيُولَدُ الرَّجُلُ كَافِرًا وَيَعِيشُ كَافِرًا وَيَمُوتُ مُؤْمِنًا ثُمَّ قَالَ فِي حَدِيثِهِ وَمَا شَيْءٌ أَفْضَلَ مِنْ كَلِمَةِ عَدْلٍ تُقَالُ عِنْدَ سُلْطَانٍ جَائِرٍ فَلَا يَمْنَعَنَّ أَحَدَكُمْ اتِّقَاءُ النَّاسِ أَنْ يَتَكَلَّمَ بِالْحَقِّ إِذَا رَآهُ أَوْ شَهِدَهُ ثُمَّ بَكَى أَبُو سَعِيدٍ فَقَالَ قَدْ وَاللَّهِ مَنَعَنَا ذَلِكَ قَالَ وَإِنَّكُمْ تُتِمُّونَ سَبْعِينَ أُمَّةً أَنْتُمْ خَيْرُهَا وَأَكْرَمُهَا عَلَى اللَّهِ ثُمَّ دَنَتْ الشَّمْسُ أَنْ تَغْرُبَ فَقَالَ وَإِنَّ مَا بَقِيَ مِنْ الدُّنْيَا فِيمَا مَضَى مِنْهَا مِثْلُ مَا بَقِيَ مِنْ يَوْمِكُمْ هَذَا فِيمَا مَضَى مِنْهُ ." بل إن حسن الخلق لا ينفع صاحبه فحسب بل يعود بالنفع على ذريته وعلى أهل بلده . إذن هي الأخلاق الحسنة الكريمة التي جعلها الله سبحانه وتعالى ديناً، حتى إن نبينا المصطفى صلى الله عليه وسلم أكرم سفَّانة بنت حاتم الطائي لما وقعت سبيَّة في يدي جيش المسلمين عندما فتحوا بلاد طيء ، فقد أطلق سراحها وأعتقها وأعطاها من يقوم على خدمتها ، ويوصلها إلى مرابع قومها ، نظراً لكون أبيها كان يحب مكارم الأخلاق وإن كان قد مات في الجاهلية ، وقد اشتهر عند العرب بإكرام ضيوفه ولما لم يجد شيئاً يقدمه لضيوفه ، لم يتركهم يبيتون جوعى ، بل ذبح لهم فرسه ، حتى اشتهر بين العرب بالكرم ، وسارت بها الركبان يقولون : أكرم من حاتم الطائي . هكذا كانت أخلاق العرب قبل الإسلام ، وجاء الإسلام فذكاها وجعلها ديناً . ونسأل الله سبحانه وتعالى ألا ندرك زماناً كان حبيبنا المصطفى صلى الله عليه وسلم يسأل الله أن لا يدركه . أخرج الإمام أحمد رحمه الله في مسنده :عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ اللَّهُمَّ لَا يُدْرِكْنِي زَمَانٌ أَوْ لَا تُدْرِكُوا زَمَانًا لَا يُتْبَعُ فِيهِ الْعَلِيمُ وَلَا يُسْتَحَى فِيهِ مِنْ الْحَلِيمِ قُلُوبُهُمْ قُلُوبُ الْأَعَاجِمِ وَأَلْسِنَتُهُمْ أَلْسِنَةُ الْعَرَبِ ." فهؤلاء بهذه الأخلاق التعيسة البئيسة ، التي لا تمت إلى ديننا بصلة ، يترك فيه العلماء الذين يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، ويسعون إلى ما يصلح بلادهم وشعوبهم ، ولا يُسْتحيى فيه من الحليم الذي لا يثار لشيء بسيط ، بل يثار إذا انتهكت حدود الله سبحانه وتعالى، أو لشيء في اعتداء على الله أو ما يخص عقيدته وأخلاقه . بل أصبح هؤلاء لهم قلوب كقلوب الأعاجم ، لا تحترم كبيراً ولا ترحم صغيراً ولا تحنو على امرأة ولا عجوز أو هرم ، إنها أخلاق الفاسقين الظالمين ، بينما ألسنتهم تلحن بالعربية ، وما ذاك إلا لتضليل المغرر بهم ، الذين لا يفرقون بين الحق والباطل ، ويبحثون عن متاع الحياة الدنيا وزخرفها . أخرج الإمام البخاري رحمه الله في صحيحه عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ عقبة بن عمرو بن ثعلبة الأنصاري رضي الله عنه  قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّ مِمَّا أَدْرَكَ النَّاسُ مِنْ كَلَامِ النُّبُوَّةِ إِذَا لَمْ تَسْتَحْيِ فَاصْنَعْ مَا شِئْتَ ." وهذا دليل على أن الإنسان إذا فقد الحياة ، والحياء شعبة من الإيمان ، فلن يتورع عن اقتراف الجرائم مهما عظمت . ولذا هاهم الزعماء بعضهم يحس بنبض الشارع وبداية تحركه ، فيحاول أن يدرك نظامه وأهله ويؤخر انتفاضة شعبه عن طريق ما يبذله اليوم من أموال ، ليسكن من جوعهم ويحسن من أحوال معيشتهم ، وبعضهم أصبحت أحاسيسهم متبلدة ، لا يحسون بإحساس الناس ، ولا يعيشون في زمان انتفاضة الشباب على الأنظمة التي أذاقتهم البأساء والضراء . ولذا أمثال هؤلاء الذين لا يستحيون ، فيكذبون ويقولون : إنهم لا يقتلون شعبهم الذي ثار عليهم ، وليس هناك مسيرات ولا مظاهرات ، بل إن شعبه يحبه حباً جماً ، كما أحب هو المال الكرسي ، ولم يدر أن المنصب لو دام لغيره ما وصلت إليه ، وهو لا يريد أن يرى كرسيه محتلاً من غيره . لقد ذهب الحياء من خلقه ، وأصبحت الصفاقة لصيقة به ، لذا لا نعجب أن يوصل بلده إلى حافة الدمار ، حيث قد أغرى الغرب باستعمال أسلحتهم وطائراتهم وصواريخهم المدمرة المهلكة ، ضد البلد ومقدراتها ، وسوف تدفع ليبيا ثمن هذه الطائرات وطلعاتها ، والصواريخ وقاذفاتها ، والبوارج وحمولاتها ، وهؤلاء لا يأتون إلينا لسواد عيوننا ، ولا لرفع الظلم عنا ، وهم الذين ما زالوا يظلمون ويزودون الظالمين بكل أنواع الأسلحة الفتاكة ، ليجربها بشعبنا كما حدث في انتفاضة الأقصى ، وفي الحرب الأخيرة – حرب الفرقان – على قطاع غزة الصابر المجاهد الحبيب . ومن المعلوم أن مصانعهم ستعمل على مدار الساعة ، كما أنهم يدربون طياريهم عملياً على قصف بلادنا ، وتخريب مدننا ، وبنيتها التحتية والفوقية ، وقد تضطر الحكومة الليبية الجديدة أن تعقد عقداً مع هؤلاء كي يعيدوا بناء ما دمرته آلاتهم العسكرية الهائلة . وإني لأذكر أن رئيس فرنسا عندما جاء إلى أمير الكويت بعد احتلال العراق للكويت ، حيث زاره وهو في الطائف يومذاك ، وأراد أن يجعله يوقع على عقد بإنشاء محطة كهرباء جديدة . فسأل أمير الكويت : إن المحطة ما زالت بخير ولم يصبها عطل . فقال : نحن سنقصفها وسندمرها. هذا ما نخافه على ليبيا العربية ، وعلى مقدراتها التي تتطلع إليها عيون الثعالب الغربية .