رائحة "شبهات فساد" تتسرّب من اتفاقية "غاز غزة"

صورة أرشيفية
صورة أرشيفية

تحقيق/ أحمد الكومي

على هامش زيارة لوزير البترول المصري "طارق الملا" إلى مدينتي رام الله والقدس المحتلة، بتاريخ 21 فبراير 2021م، تمّ توقيع "مذكرة تفاهم" بشأن تطوير حقل غاز غزّة.

التقى "الملا" في حينه مسؤولين فلسطينيين وإسرائيليين، بينهم رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس، ورئيس الحكومة الإسرائيلية السابقة آنذاك بنيامين نتنياهو، ووزير الطاقة الإسرائيلي "يوفال شتاينتس".

وقّعت المذكرة بحضور الأطراف الشريكة في حقل غاز "غزة مارين"، وهي صندوق الاستثمار الفلسطيني وشركة اتحاد المقاولين، مع الشركة المصرية القابضة للغازات الطبيعية "إيغاس" (حكومية)؛ بهدف التعاون بمساعي تطوير حقل غاز غزة والبنية التحتية اللازمة، على نحو "يوفر احتياجات فلسطين من الغاز الطبيعي، مع إمكانية تصدير جزء من الغاز إلى مصر"، وفق ما أُعلن في حينه.

وقع المذكرة عن الجانب المصري، رئيس شركة "إيغاس" مجدي جلال، وعن السلطة مستشار الرئيس للشؤون الاقتصادية ورئيس مجلس إدارة صندوق الاستثمار الفلسطيني محمد مصطفى.

أثارت المذكرة جدلًا واسعًا في الأوساط الفلسطينية، والخلاف بين فتح وبعض الفصائل، وتحديدًا حركة حماس، التي هاجمت السلطة لإخفائها تفاصيل الاتفاقية، وأصبحت مثار اهتمام وتساؤلات مؤسسات حقوقية وقانونية، خاصة أنها جاءت في توقيت حساس بعد تجميد القضية لأكثر من عقدين.

عمليًا، لم يعلن صندوق الاستثمار الفلسطيني تفاصيل الاتفاقية أو بنودها أو المردود المالي والاقتصادي لها، ولا حصّة الشعب الفلسطيني من الغاز؛ بشكل يخالف معايير الشفافية، التي تقوم على التدفّق الحرّ للمعلومات وفي مواقيتها؛ الأمر الذي يفتح المجال أمام "شبهات فساد" في الاتفاقية.

                                                                "غزة مارين"

يملك الفلسطينيون أول حقل اكتشف في منطقة شرق المتوسط، بنهاية تسعينيات القرن الماضي، والمعروف باسم حقل "غزة مارين"، ولم يتم استخراج الغاز منه حتى اليوم؛ بسبب رفض إسرائيلي لطلبات فلسطينية من أجل استغلاله.

88.jpg
 

 

يقع الحقل، على بعد 36 كيلو مترًا غرب قطاع غزة في مياه المتوسط، وتم تطويره عام 2000 من طرف شركة الغاز البريطانية "بريتيش غاز".

يضم الحقل 8 حقول متجاورة تقريبًا، ويتواجد على عمق 600 متر تحت سطح البحر؛ ما يعني قربه نسبيًا وسهولة استخراجه والاستفادة من عوائده وتصديره.

وتُقدر العائدات السنوية للحقل بنحو 4 مليارات دولار سنويًا، ويعدّ الاحتلال الإسرائيلي أبرز العقبات التي تقف أمام تشغيله، رغم مرور ربع قرن على اكتشافه.

وقد وصف الغاز الفلسطيني بأنه قريب ونقي ومتوفر بكميات كبيرة، قدرتها صحيفة الايكومنوست البريطانية في عددها عام 2010م، بأنها تزيد عن 12 تريليون متر مكعب من الغاز الطبيعي، على عمق لا يزيد عن 650 مترًا تحت سطح البحر.

هذه القيود الإسرائيلية كانت سببًا من أسباب الغموض الذي أحاط توقيع المذكّرة الجديدة بين صندوق الاستثمار-الصندوق السيادي لفلسطين- وشركة "إيغاس" المصرية.

 

شركة "إيغاس": توجد اعتبارات سياسية وإقليمية في مذكرة التفاهم مع السلطة

 

 

وقد سبق أن انسحبت شركة "بريتش غاز" البريطانية من اتفاقية سابقة للعمل في الحقل؛ للسبب نفسه؛ رغم أن الاتفاقية نصّت على أن تحصل الشركة على 60% من عائداته.

ووجدت السلطة في الانضمام إلى "منتدى غاز شرق المتوسط"، الذي تأسس في يناير 2019م، وسيلة للضغط على الاحتلال؛ لانتزاع حقّها في تطوير الحقل.

يذكر أن السلطة الفلسطينية و"إسرائيل" جزء من منتدى غاز شرق المتوسط الذي يتخذ من مصر مقرًا له، وهو منظمة تركز على الطاقة، وتضم، إلى جانبهم، اليونان وإيطاليا والأردن وقبرص الرومية.

وكحال اتفاقية "بريتش غاز"، لم تعلن أي تفاصيل حول المذكّرة الجديدة لتطوير الحقل بين السلطة ومصر، كما لم تعرض على المجلس التشريعي، ولم تنشر في الصحف الرسمية؛ ما يعني أنها ليست المرّة الأولى التي يتم فيها توقيع مذكّرة أو اتفاقية من هذا النوع.

مارست السلطة الغموض المتعمّد في التعامل مع المذكّرة، حيث لم يتضح فيها حجم الاستثمار المصري في غاز غزة، ولا حصّة الشركاء أو إسهاماتهم ولا أرباحهم.

غموض

بعد مرور نحو 8 شهور على توقيع المذكّرة، لا تزال إدارة صندوق الاستثمار الفلسطيني ترفض الإعلان عن أي تفاصيل متعلّقة بها، أو التصريح بأي تقدّم في إطار المشاورات أو التنفيذ الفعلي لها.

يكتفي مدير العلاقات العامة والإعلام في صندوق الاستثمار الفلسطيني، عوض ادعيس بالقول لـ "معدّ التحقيق" إنه لا توجد اتفاقية من الأساس، وأن ما جرى هي "مذكرة حُسن نوايا" لبدء المفاوضات الثنائية بشأن الحقل.

وبسؤاله: "إلى أن وصلت المفاوضات؟"، أجاب بأنه لا يملك أي معلومات، وأن "الشركات تفضل ألا تتحدث قبل الوصول إلى نتائج"، كما تمنعها أسباب تجارية، وفق قوله.

 

"صندوق الاستثمار": الشركات تفضل ألا تتحدث قبل الوصول إلى نتائج

 

 

 

طلب ادعيس الإذن بمراجعة إدارة صندوق الاستثمار، وعرض مراسلة بريدية أرسلها "معدّ التحقيق" إليها بخصوص المذكرة، وقال إنهم "سيردّون بحال وجود ردّ"، واتضح، بعد طول انتظار، أنه لا يوجد.

كما امتنع أكثر من مسؤول في سلطة الطاقة الفلسطينية برام الله، هاتفهم "معدّ التحقيق"، عن الحديث في الموضوع، حتى قال أحدهم: "دعنا نقلب الصفحة".

يأتي هذا فيما قالت وزارة البترول المصرية، في بيان لها، إن الوزير طارق الملا ونظيره وزير الطاقة الإسرائيلي "يوفال شتاينتس"، "اتفقا على العمل على اتفاقية حكومية لربط حقل غاز ليفياثان الإسرائيلي بوحدات إسالة الغاز الطبيعي في مصر عن طريق خط أنابيب بحري".

وذكر البيان أن الوزيرين ناقشا فرص استقلال قطاع الطاقة لدى الفلسطينيين من خلال مشروعات عدة، مثل تنمية حقل غاز غزة البحري، وإنشاء محطة للطاقة الكهربائية في مدينة جنين، ومدّ الفلسطينيين بالغاز الطبيعي.

يشار إلى أن رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق بنيامين نتنياهو، استقبل في حينه طارق الملا، وكانت أول زيارة لوزير مصري منذ 5 سنوات.

على الطرف المقابل، لم يتلق "معدّ التحقيق" ردّا على مراسلات بريدية ومحاولات للاتصال بالشركة المصرية القابضة للغازات الطبيعية "إيغاس".

لكن أحد مهندسي الشركة في دائرة "الاتفاقيات والاستكشاف"، الذي طلب عدم التصريح باسمه، قال لـ "معدّ التحقيق" إن حقل غاز غزة يحتاج الكثير من الاستثمارات لكي يصبح مشروعًا حقيقيًا، مستدركًا: "كما لا تنسى أن إسرائيل تقف في الوسط".

ويعتقد مهندس "إيغاس" أنه "توجد اعتبارات سياسية وإقليمية في مذكرة التفاهم مع السلطة الفلسطينية، مقدّمة أكثر على الجدوى العملية للمشروع"، مضيفًا: "الحقل مهم واستراتيجي، والعمل به وتطويره سيحقق تغييرًا هائلًا في الحالة الفلسطينية المادية".

وبسؤاله عن التفاصيل الفنية للمذكّرة، ردّ مهندس "إيغاس": "لماذا لا تحصل عليها من عندكم؟"، مستدركًا: "في كل الأحوال، لا أتوقع أن تكون حصتكم أفضل مما ورد في اتفاقات سابقة".

لكنه عاد وقال إن "المذكرة تتيح لشركتنا دراسة سبل تطوير الحقل ونقل الغاز لمناطق السلطة الفلسطينية".

وهنا، يعتقد الباحث في الشأن الاقتصادي خالد أبو عامر أن "السلطة تدرك أن أقصى ما يمكن أن تحصل عليه هو اتفاق شبيه باتفاق محطة توليد الكهرباء في غزة".

 

باحث اقتصادي: السلطة لن تقوى على تحقيق أي إنجاز في ملف "غاز غزة"

 

 

 

وقال أبو عامر لـ "معدّ التحقيق": "السلطة ستقبل بأدنى العروض، وستختار بين عائد سنوي بنسبة لا تتجاوز 10%، أو منحها سعرًا تفضيليًا لبيع الغاز بدلا من شرائه من إسرائيل"، لافتًا إلى أن رئيس الوزراء محمد اشتية أشار لذلك في إحدى تصريحات بأن "غاز غزة سيغذي محطات الكهرباء بالضفة".

ونبّه أبو عامر إلى السلطة لن تقوى على تحقيق أي إنجاز في ملف "غاز غزة"؛ "كونها تفتقر إلى مفهوم السيادة البحرية لشواطئ فلسطين".

قانون البحار

لم يمرر المجلس التشريعي الفلسطيني خبر الإعلان عن توقيع المذكرة، وعقد جلسة خاصة لمناقشتها بتاريخ 4 مارس 2021م.

حصل "معدّ التحقيق" على نسخة من تقرير اللجنة الاقتصادية بالمجلس حول المذكّرة الموقعة بين السلطة ومصر.

وثّق التقرير نص اتفاقية الأمم المتحدة حول "قانون البحار" عام 1982م، وتنص المادة 82 منه، بأن الحدود البحرية الإقليمية لأي دولة هي 12 ميلاً بحرياً من الشاطئ.

كما تنصّ على أن الحدود الاقتصادية الخالصة، أي تلك التي يحق للدولة استخراج الثروات البترولية والمعدنية منها، تمتد إلى 200 ميل بحري من الشاطئ.

وعلى ضوء ذلك، رأت اللجنة أنه يحق للدولة المطلّة على البحر التنقيب واستغلال الثروات المتاحة في حدود هذه المسافات، لكنها اعتبرت أن "السلطة الفلسطينية لم تتبع أي طرق قانونية أو دبلوماسية؛ لاستعادة الثروات المنهوبة، وهي تدرك خطورة ما تقوم به إسرائيل".

كما اعتبرت اللجنة الاقتصادية أن "أطراف المذكرة الجديدة للتنقيب عن حقل الغاز، ترغب في استغلال الفراغ القانوني الذي يسبق الانتخابات التشريعية الفلسطينية (قبل تعطيلها) وتشكيل مجلس تشريعي جديد من مهمته المصادقة على أي اتفاقيات جديدة".

يشار إلى حقل (غزة مارين) يقع كليًا ضمن المياه الإقليمية الفلسطينية، أما الحقل الثاني فهو حقل حدودي، ويطلق عليه اسم (مارين 2)، ويقع ضمن المنطقة البحرية بين غزة ودولة الاحتلال.

وخلصت اللجنة الاقتصادية بالتشريعي إلى أن "قيادة السلطة منذ تأسيسها وحتى هذه اللحظة، اعتبرت أن ثروات فلسطين ملكًا خالصًا لها، لذا باشرت بعمل احتكارات للاستيلاء على عوائد كثير من السلع، إما لأشخاص أو مؤسسات تابعة للسلطة، ولم يستفد منها الشعب الفلسطيني".

وأوصت اللجنة بضرورة "توفير الشفافية والمشاورة مع جميع الجهات الفلسطينية، وأن تكون الأمور واضحة في قضية توزيع الثروات بشكل عادل على جميع المناطق الفلسطينية".

 

التشريعي: الفراغ القانوني سمح بإبرام اتفاقات غير معلنة

 

 

 

واللافت، أنها أوصت بـ "تحجيم الدور المرتبط بشركة اتحاد المقاولين CCC، التي لها حصة حوالي 30% من عائدات الغاز، دون أن يكون لها خدمات واضحة لتسهيل عملية الإنتاج".

وفي الإطار، يقول رئيس اللجنة الاقتصادية بالتشريعي يحيى موسى، إن السلطة تتحكم منذ عام 2007 بمقدّرات شعبنا الفلسطيني خارج إطار القانون والمؤسسات النظامية.

ويضيف موسى، في حديث مع "معدّ التحقيق": "كل هذه الأمور (الاتفاقات) تتمّ بالسرّ، دون الإدلاء بأي معلومات حقيقية، وبغض النظر عما يُنشر عبر الإعلام"، معتبرًا أن "الواقع الموجود سيء بكل معنى الكلمة".

وذكر أن "الرئيس عباس استحدث المحكمة الدستورية في العام 2016 من أجل إلغاء عمل التشريعي"؛ ما يعني أنه أوجد الفراغ القانوني الذي يسمح له بإبرام تفاهمات واتفاقات غير معلنة.

99.jpg
 

وفي هذا الجانب، يقول المختص والباحث القانوني وسيم الشنطي إن السلطة الفلسطينية لا تملك الصلاحية التي تخوّلها إبرام اتفاقيات بشأن قطاع غزة فيما يتعلق بأرضيها ومواردها الطبيعية، دون الحصول على موافقة المجتمعات المحلية المعنية في قطاع غزة، والتشاور معها.

ووفق الشنطي، في حديثه مع "معدّ التحقيق"، فإن إعلان الأمم المتحدة بشأن حقوق الشعوب الأصلية يشترط التشاور مع الشعوب الأصلية في أي مسائل قد تؤثر فيهم، مع مراعاة أن الغاية المتوخاة من هذه المشاورات ينبغي أن تسعى إلى الحصول على "موافقتهم الحرة والمسبقة والمستنيرة".

 

باحث قانوني: السلطة لا تملك صلاحية إبرام اتفاقيات بشأن قطاع غزة

 

 

 

وينقل الشنطي أن المواد 7، و8، و47 من اتفاقية جنيف الرابعة، التي تُعَدّ ملزِمة بموجب القانون الدولي العرفي، تحظر على الممثلين السياسيين للسكان المحميين الدخول في اتفاقيات خاصة من شأنها تقويض الضمانات التي تكفلها اتفاقية جنيف الرابعة، بما فيها العقاب الجماعي، والمعاملة اللاإنسانية، وحق الانتفاع من قاع البحر لتمديد خطوط الأنابيب لأغراض تحقيق مكاسب اقتصادية، وذلك باعتباره موردًا يملك السكان القابعون تحت الاحتلال حقوق السيادة الدائمة عليه.

بينما يعتبر رئيس هيئة دعم حقوق الشعب الفلسطيني (حشد) الحقوقي صلاح عبد العاطي، أن الاتفاقية الأولى التي وقعتها السلطة سابقًا مع شركة "بريتش غاز" كانت مجحفة، "ومع ذلك لم تنفذ؛ بسبب سيطرة الاحتلال على المياه الإقليمية".

 

مؤسسة حقوقية: أي اتفاقات تنقيب لابد أن تتم وفق قانون السوق

 

 

 

ويقول عبد العاطي، في حديث مع "معدّ التحقيق" أن الاتفاقية الجديدة أيضًا مع الجانب المصري غير معلومة، مضيفًاك "لابد أن تكون هناك حكومة فلسطينية توقّع هذه الاتفاقية، نحن أمام إشكالية حقيقية".

وتابع: "نرحب فيه بأي شركات للتنقيب عن الغاز على أن تضمن استفادة شعبنا من موارده الطبيعية، ووفق قانون السوق، دون احتكارات أو أي استغلال".

ويعتقد عبد العاطي أن الانقسام الفلسطيني حال بين إخراج "غاز غزة"، وإنعاش الحالة الاقتصادية المتردية؛ بسبب تراجع التمويل الدولي. وهو ما يعزز التساؤلات حول الجوانب القانونية والتجارية للاتفاقية الجديدة.

إن إعلان السلطة الفلسطينية، أو صندوق الاستثمار، تفاصيل مذكرة التفاهم، لابد أن يتمخّض عنه أسئلة واحتجاجات أو اقتراحات قد يطرحها الرأي العام، وهذا ما تعنيه معايير الشفافية والنزاهة التي تقتضي إشراك الجمهور في أي عملية سياسية أو اقتصادية أو إدارية، لذا، فإن مواصلة إخفاء تفاصيل المذكرة تثير شبهات حول ما تريده الأطراف المعنية فيها، إخفاءه عن الجمهور.

تضغط كل الأطراف التي تحدث معها "معدّ التحقيق" على ضرورة خروج السلطة الفلسطينية عن صمتها إزاء المذكرة، أو كسر الأطراف المتضررة منها، صمتها عما يدور في الخفاء، إضافة إلى الضغط باتجاه إنهاء الفراغ القانوني الذي سمح بالانفراد بالاتفاقات دون علم السلطات المعنية واختصاصها، وبعيدًا عن الشعب، الذي أصبح آخر من يعلم.

WhatsApp Image 2021-10-20 at 10.28.45 AM.jpeg