الرسالة "تكشف"

فيديو | "خدعة التصاريح".. مخطط تقوده الشئون المدنية ضد عمال غزة

غزة.gif
غزة.gif

تحقيق- فريق الرسالة 

تدافع آلاف العمال الفلسطينيين في قطاع غزة إلى مكاتب الغرف التجارية قبل أيام، بعد الإعلان المفاجئ وغير المسبوق من وزارة الشؤون المدنية التابعة للسلطة في رام الله، عبر الغرفة التجارية في قطاع غزة، بتسجيل أسمائهم بهدف إصدار تصاريح للعمل داخل (إسرائيل).


المثير للريبة كان عدم وجود أي إعلان حكومي فلسطيني رسمي أو حتى من أي جهات دولية وعربية عن نية (إسرائيل) تغيير سياستها في التعامل مع تصاريح العمل التي تصدر لقليل من التجار في قطاع غزة، أو حتى وجود توجه لفتح باب العمل للعمال في (إسرائيل) بعد توقفه منذ اندلاع الانتفاضة الثانية.
ويقتصر الأمر على سماح قوات الاحتلال لدخول سبعة آلاف تاجر فقط من قطاع غزة الى الداخل الفلسطيني المحتل.
حالة من البلبلة والتدافع الكبير أمام مكاتب الغرف التجارية لآلاف العمال، استدعى في بعض الأحيان تدخل الشرطة الفلسطينية في غزة من أجل العمل على ضبط الأمر، فيما لم تعلن "الشؤون المدنية" أن هذا التسجيل يخص التجار وأن عدد من سيصدر لهم التصاريح محدود جدا.
ما سبق دفعنا للبحث والتنقيب خلف الأسباب والدوافع والأهداف وراء إثارة هذه الحالة وخاصة في هذا التوقيت، لاسيما وأنه لم يحدث أي تغيير من سلطات الاحتلال الإسرائيلي في سياستها اتجاه عمال قطاع غزة.
                                                            مخطط أمني
أحد العمال الذي يعمل سائقا هذه الأيام يقول: تفاجأت بعدد الأفراد الذين يتدافعوا أمام مقر الغرفة التجارية شمال غزة، والأمر لفت انتباهي، ودفعني للتساؤل عما يجري.
ويقول السائق: كان الحديث يدور عن فتح التسجيل للعمال بدون دفع أي مبلغ مالي، مما شجع الجميع على تقديم أوراقه.
حديث السائق كان بداية البحث، حيث أبلغت سلطات الاحتلال الإسرائيلي الشؤون المدنية التابعة لسلطة رام الله، موافقتها على إضافة 2600 تصريح الى عدد التصاريح المخصصة لتجار غزة، مما أدى لاستغلال الأمر من قبل الشئون المدنية بطريقة مريبة، أوعزت للغرف التجارية بالإعلان عن استقبال تسجيل العمال لإصدار تصاريح للعمل داخل (إسرائيل)!
وهنا كشف مصدر أمني حصريا لـ"الرسالة" أن ما جرى بشأن خدعة التصاريح هو مخطط أمني مُدبر تقف خلفه جهات أمنية ورسمية من السلطة؛ يهدف لخلق حالة من الفتنة والبلبلة وإثارة الرأي العام من جهة والعمال من جهة أخرى.
وأكد المصدر الأمني أن من يقف وراء هذا المخطط رئيس الشؤون المدنية في السلطة حسين الشيخ ورئيس جهاز المخابرات العامة ماجد فرج، وأداة التنفيذ كانت صالح الزق رئيس الشئون المدنية بغزة الذي هرب من القطاع بعد اكتشاف خطة البلبلة والفلتان التي سعى لتنفيذها، والذي تمت إقالته بعد هذا الحدث عقب مغادرته قطاع غزة وتعيين إياد نصر الناطق باسم حركة فتح بديلا عنه.
وبحسب المصدر، فإن الجهات الأمنية تمكنت من وضع يدها على الشبكة التي يديرها الزق وهو صاحب ملف فساد كبير داخل الشؤون المدنية، وأنشأ ما يسمى بـ"كوتة" التجار وهي عبارة عن 7000 تصريح يديرها بالتنسيق مع جيش الاحتلال.

 

-مصدر أمني: ما جرى مخطط أمني مُدبر تقف خلفه أجهزة رام الله
 


وأضاف "السلطة والشؤون المدنية استغلوا الحالة الاقتصادية والوضع المتردي في قطاع غزة وانتشار الفقر والبطالة، وحاولوا تنفيذ المخطط بهدف استفزاز مشاعر العمال وخلق حالة سخط لديهم".
ورغم أن سلطات الاحتلال الإسرائيلي أبلغت الشؤون المدنية موافقتها على إصدار تصاريح عمل لـ 2600 تاجر وليس عاملا، إلا أن الشؤون المدنية أوعزت للغرف التجارية بالإعلان عن استقبال تسجيل العمال لإصدار تصاريح للعمل داخل (إسرائيل)!
ووفق المصدر الأمني فإنه رغم استغراب الغرف التجارية من الأمر وخاصة أن عملها يقتصر فقط على تصاريح التجار، إلا أن الزق أصر وعمل على تمرير "الكذبة الكبرى" التي تنتهي بالوصول للقرعة.

 

-الشئون المدنية جمعت 2000 تصريح من أقاليم فتح قبل الإعلان عن التسجيل
 


وبحسب المصدر الأمني فإن الأخطر يتمثل بجمع الزق 2000 تصريح من أقاليم حركة فتح في قطاع غزة قبل الإعلان عن التسجيل؛ وبذلك يترك القرعة لـ 600 تاجر فقط من بين عشرات آلاف العمال الذين سارعوا للتسجيل؛ الأمر الذي من شأنه أن يحدث ربكة وفتنة وحالة سخط في صفوف العمال والتجار بقطاع غزة. 
                                                                      تلاعب بالعمال
ويؤكد سامي العمصي نقيب العمال في قطاع غزة أن الغرفة التجارية في قطاع غزة، خدعت العامل الفلسطيني وتلاعبت به، مشددا على أن نقابته قدّمت شكوى رسمية للنائب العام حول ما حدث أمام الغرف التجارية في قطاع غزة.
ويقول العمصي في حديث لـ "الرسالة" إن نقابته طالبت النائب العام بفتح تحقيق عاجل وليتحمل الجميع مسؤوليته، نافيا أن يكون هناك اعلان بإصدار تصاريح تخص العمال، "وما تحدث عنه الاحتلال 2600 تصريح لتجار وليس لعمال".

 

-نقابة العمال: تقدمنا بشكوى للنائب العام حول ما حدث أمام الغرف التجارية 
 

 


وتجدر الإشارة إلى أن الاحتلال يفرّق بين تصاريح العمال والتجار، فالعامل داخل المدن المحتلة يلزم الاحتلال بتعويض وعلاج أي إصابة عمل وإعطائه جميع حقوق العمل، أما التاجر حين يعمل فإن سلطات الاحتلال عفي نفسها من أي التزام تجاهه.
وتطرق العمصي للحديث عن مأساة العمال، داعيا لضرورة رفع الحصار عن غزة، "وما حدث أمام الغرف التجارية في قطاع غزة يؤكد الوضع السيء للعمال".
من الجدير ذكره، أن استخراج أي عامل سجل تجاري حتى لو لم يستفد منه، سيحرمه من أي فرصة مساعدات سواء حكومية أو تلك الخاصة بوكالة الغوث، وحتى المؤسسات الخيرية، مما سيؤثر على المستوى المعيشي المتدني أساسا لآلاف العمال. 
وما يؤكد فرضية التحقيق، حديث أمين سر الغرفة التجارية في قطاع غزة وائل العاوور الذي قال إن أول من أعلن بشكل منفرد عن التسجيل لتصاريح العمال هي الغرفة التجارية شمال قطاع غزة ثم تبعتها الغرفة التجارية للوسطى مردفا "استغربنا من هذا الإعلان المفاجئ".
ويبرر العاوور في حديثه لـ"الرسالة" أن ما خلق حالة البلبلة واللبس الذي جرى في طريقة الإعلان هو استبدال كلمة تاجر بعامل، مضيفا "نحن لسنا جزءا من البلبلة والإشاعة وأصدرنا بيانا من البداية واستبعدنا تدفق الناس في الغرفة التجارية ونحن نعلم علم اليقين أنه لم يحدث أي تغيير من جهة الاحتلال حول تصنيف التجار في غزة".
ويوضح أنه سبق الإعلان بـ 10 أيام اجتماع للغرف التجارية مع وكيل الشؤون المدنية بغزة صالح الزق والذي أخبرهم بحصوله على عدد إضافي من التصاريح بلغ قرابة 2500 ستوزع على مناطق القطاع بحيث تبلغ حصة غزة 700، والشمال وخانيونس 500 لكل منهما، ورفح والوسطى 400 لكل منهما. 
ويكمل العاوور "كان رأي الشؤون المدنية أن الجميع يتقدمون بطلبات ومن يتم الموافقة عليهم يستكملون اجراءاتهم باستخراج سجل تجاري"، بذريعة أن ذلك نوع من التخفيف عن المواطنين.

 

-الغرفة التجارية: "استغربنا من الإعلان المفاجئ"!
 

 


وشدد على أنه لم يجر حسم الأمر ولم يكن قرار بذلك بسبب اقتراح الغرف التجارية على الشؤون المدنية أن هذا الأمر يلزمه وجود معايير لضبطه كون أن من سيتهافتون لتقديم التصاريح سيكونون عشرات الآلاف.
ويضيف أمين سر الغرفة التجارية بغزة "تفاجأنا يوم الثلاثاء مساءً بأن الغرفة التجارية في الشمال تعلن استقبال تصاريح عمال بدون سجل تجاري وفقط بصورة الهوية وشهادة التطعيم والفئة المستهدفة من سن 26-60 عاما على أن يكونوا متزوجين وهم يمثلون تقريبا 70% من سكان قطاع غزة".
ويشير إلى أن غرفته التجارية ليس لها أي ولاية على باقي الغرف مبينا أن المرجعية في كل غرفة هي وزارة الاقتصاد الوطني.
                                                                 الأولوية لفتح 
تناقض الموقف بين الشئون المدنية والغرفة التجارية أثار العديد من علامات الاستفهام الآلية التي يتم العمل بها في هذا السياق، ومن هو صاحب القرار بهذا الأمر؟
البحث في التفاصيل أوصلنا الى معلومات حصرية حصلت عليها "الرسالة" من مصدر مطلع على تفاصيل التحقيقات التي أجرتها الأجهزة الأمنية بهذا الخصوص.
ووفق المعطيات فإن مدير التصاريح في الشئون المدنية، تواصل مع رئيس غرفة تجارة وصناعة محافظة شمال غزة وطلب منه تزويده بعدد 500 طلب "عمال وتجار" لإرساله للاحتلال وإصدار تصاريح لهم.
وأكد المصدر أن عدد من تقدموا للحصول على طلبات تصريح في اليوم الأول هو عشرة آلاف، وحينما سألت الغرفة التجارية عن كيفية اختيار الأسماء، قال مدير التصاريح "بصراحة سيتم الاختيار من الأسماء المسجلة لدى الغرفة التجارية سابقاً من فئة التجار، ولن يتم الاختيار من العدد الذي تم تسجيله في ذلك اليوم".
كما تواصل مدير التصاريح بالشئون المدنية مع رئيس غرفة تجارة وصناعة محافظة الوسطى في ذات اليوم، وطلب منه أيضاً ضرورة تجهيز 400 طلب تصاريح وعليه أعلنت الغرفة عن التسجيل للتصاريح للعمال والتجار.

 

-مسئول التصاريح: الزق يتلاعب في طلبات التصاريح ويوزعها لتنظيم فتح ومعارفه
 

 


وشدد المصدر على أن صالح الزق هو من طلب من الغرف التجارية تجهيز عدد 2600 طلب لتصاريح جدد والاعلان عنها بالصيغة التي جرت دون طلب سجل تجاري أو رسوم، ووزع الأعداد على المحافظات، وذلك رغم وجود 14 ألف طلب سابق لدى الشئون المدنية لم يصدر منها حتى الأن إلا 4500 تصريح.
وبحسب المعلومات التي حصلت عليها الرسالة فإن مستشار مدير الشئون المدنية في غزة أكد أن الزق هو من يعطي التعليمات النهائية لمدير التصاريح بغزة لإرسال طلبات التصريح للاحتلال، بغض النظر عن كمية الطلبات التي تأتي للشئون من كل الجهات.
وبحسب مدير التصاريح فان الزق يتلاعب في طلبات التصاريح ويوزعها حسب العلاقات الشخصية في الأقاليم التابعة لحركة فتح ورجال الأعمال.
وفي التفاصيل اتهم مستشار مدير الشئون المدنية في غزة بأن الغرف التجارية والمحامين وبعض الموظفين العاملين في الشئون المدنية"، بابتزاز المواطنين في تقديم التصاريح وإرسالها وإصدارها، 
المعلومات التي بحوزة "الرسالة" تشير الى أن مدير التصاريح في الشئون المدنية استمر في عملية التلاعب التي جرت، وتواصل مع الغرفة التجارية في غزة وطلب تجهيز 700 طلب تصريح، بشرط أن يكون التسجيل لمن يحمل هوية وبطاقة تطعيم.
وبعد نقاش طويل بين الغرفة التجارية ومدير التصاريح، أكدت الأولى أن هذه الألية تعني تهافت الآلاف للتسجيل فكان رد الثاني: "هذه تعليمات صالح الزق"، وأصر على بدء التسجيل الأربعاء قائلاً "الأمر عاجل جداً".
وبحسب المصدر فقد أقر مدير التصاريح بفساد آليات تقديمها، وأنها تصل بشكل مركزي إلى مكتب وكيل الوزارة، ومن ثم ترسل إليه، منوهاً إلى أن الطلبات التي يتسلمها الزق من خلال علاقاته الشخصية أو المكاتب الحركية لفتح، ويتم التأشير عليها بأنها من مكتب الوكيل.
يذكر أن صالح الزق من سكان الضفة الغربية وهو المكلف بإدارة الشئون المدنية في القطاع، ما يعكس حجم التهميش الذي تتعامل به السلطة بكل مؤسساتها مع غزة، وكان يتواجد في الضفة حينما جرت أزمة التسجيل للتصاريح، ولم يعد للقطاع منذ ذلك الوقت. 
وفي ذات الوقت أعطى الزق تعليمات لموظفيه بحجز 1350 تصريح أصدرهم الاحتلال لتجار من قطاع غزة، وطلب منهم اعادتها للاحتلال. 
وبعد تواصل الأجهزة الأمنية مع موظفي الشئون المدنية في غزة قاموا بتسليم التصاريح لأصحابها، وذلك قبل إقالة الزق وتعيين إياد نصر عضو المجلس الثوري لحركة فتح والناطق باسمها، بدلا منه.
                                                                        تهّرب
وبالرجوع إلى وزارة الاقتصاد الوطني فإن المتحدث باسم الوزارة عبد الفتاح أبو موسى، يلقي باللوم على وزارة الشؤون المدنية، كونها الجهة المختصة في إصدار التصاريح وهي من تتواصل مع الإسرائيليين، على حد وصفه.
ويؤكد أبو موسى لـ"الرسالة" أن الموضوع تم بين الشؤون المدينة والغرفة التجارية وتم الايعاز للأخيرة بالبدء بإعلان التسجيل للتصاريح، مضيفا "في السابق كان الإجراء لمن يريد الحصول على تصريح أن يستكمل إجراءات فتح السجل التجاري الفردي لدى وزارة الاقتصاد ثم يستكمل التقديم للتصريح التجاري".

 

 

- الاقتصاد: ننتظر توضيحا من الغرف التجارية بشأن ما جرى 
 

 


ويبين أن الشؤون المدنية أوعزت للغرف التجارية أن تسجل العمال وتتلقى ملفاتهم، والآن سيتم إعلان القرعة بعد توزيعها على المناطق والمحافظات، وعندما تعلن أسماؤهم سيطلب منهم فتح سجل تجاري لدى وزارة الاقتصاد.
وبشأن وجود تلاعب في طريقة الإعلان والأسماء، قال إن وكيل وزارته أجرى مراجعة للغرف التجارية وينتظرون توضيحا منهم، مردفا " ليس لدينا علم بشأن وجود أي تلاعب في أسماء القرعة سواء مرصودة أو معروفة قبل القرعة ونحن اختصاصنا فقط استكمال إجراءات السجل التجاري، لمن يصدر له تصريح".
ولم تفلح محاولات "الرسالة" للحديث مع القائمين على الشئون المدنية في رام الله ورفضهم الحديث في الأمر، لكن مصدر في الوزارة يبرر أن وزارته تواصلت مع الغرفة التجارية لإصدار تصريحات لـ 2600 تاجر وليس عاملا.
وقال المصدر الذي رفض الكشف عن اسمه، "أكدنا للغرف التجارية أن طلب التسجيل لا يلزمه سجل تجاري، لكن بعدما يتم الموافقة الاسرائيلية على أي شخص للدخول يجب أن يوفر سجلا تجاريا كلفته المالية (500 شيكل على الأقل) لأن الدخول للتجار فقط".
ولفت إلى أن كل من يصدر له سجل تجاري سيشطب اسمه من أي جهة تقدم له مساعدات بصفته عامل ومحتاج.

 

-كل من يصدر له سجل تجاري سيشطب اسمه من أي جهة تقدم مساعدات 
 


وخلص التحقيق إلى أن ما جرى بمثابة مخطط حاولت الشؤون المدنية عبر وكيلها الزق ومساعدة جهات أخرى استغلال الوضع الاقتصادي السيء وخاصة حالة العمال لتأليب الرأي العام وإثارته وزعزعة استقرار الوضع الأمني في القطاع عبر خدعة التصاريح.