الاقتصاد الدائري المقاوم ومحاربة النزعة الاستهلاكية

جورج كرزم.PNG
جورج كرزم.PNG

جورج كرزم

 منذ بضع سنوات خلت، عمل بعض صناع القرار والعديد من الناشطين البيئيين في العالم على تغيير نهج معالجة النفايات، وذلك بتسميتها أسماء أخرى.

 في البداية عُرّفت بأنها مورد غير مُستغل، وأخيرًا تُعومل معها كمكون رئيسي في الاقتصاد الدائري (circular economy).

 في الأساس، تكمن فكرة هذا الاقتصاد في الإبقاء على النفايات قدر الإمكان، في دورة الإنتاج – وذلك باستخدامها مادة خامًا، أو منتجًا متجددًا، بدلاً من التخلص منها في مكب النفايات.

  المجتمعات التي تحترم بيئتها وتعمل على تنميتها، استوعبت مفهوم الاقتصاد الدائري ودمجته في إستراتيجياتها الخاصة بإدارة النفايات، بهدف التحول نحو الاقتصاد الدائري في فترة زمنية محددة (بين 20-25 سنة مثلا).

في الاقتصاد الدائري، النفايات الناتجة من مصنع معين يمكن استخدامها مادة خاماً في مصنع آخر؛ وبهذه الطريقة تهبط كثيرا عمليات استخراج مواد خام أخرى.

 ومن منظور الاستدامة، المسألة الأساسية هي الحد من إجمالي استهلاك المواد الخام، والحد من استنزاف الموارد الأرضية وتدمير الموائل الطبيعية. 

ألمانيا تعد من أبرز الدول الأوروبية التي عملت وتعمل منذ بضع سنوات، على التحول نحو أنموذج الاقتصاد الدائري الذي يتميز بعدم خروج الموارد التي اُستهلكت من دائرة الاستعمال.

  فبدلًا من أن تتحول تلك الموارد إلى ملوثات للبيئة، يُعاد استعمالها كمواد خام، أو تستخدم، من بين أمور أخرى، لإنتاج الطاقة. 

كما أن تصميم المنتجات آخذ في التغير؛ إذ يفترض به أن يكون أكثر توفيرًا (للطاقة) وأن يطيل عمر المنتج.  وفي المحصلة، وفق هذا التوجه، توفر الصناعة كميات المواد الخام والطاقة والمياه المستخدمة، إضافة إلى تقليص تكلفة وسائل معالجة التلوث.

يقول المشهد العام في ألمانيا إن الأخيرة تبنت سياسة ترتكز على استعمال التكنولوجيا الخضراء وبالتالي منع نشوء التلوث من المصدر؛ ما يُعد تحولًا من السياسة السابقة القائمة على معالجة التلوث الناتج عن منشآتها ومصانعها ومركباتها.  الصناعة الألمانية زادت قدرتها التنافسية لأنها أصبحت تستثمر أقل في شراء المواد الخام التي تستغلها بطريقة موفرة أكثر أو تعيد تدويرها، ويبلغ حاليًا حجم الأعمال السنوي لصناعة التكنولوجيا الخضراء نحو 300 مليار يورو.

الاقتصاد الدائري و"الثورة الصناعية الرابعة"

"أنتونيس مابروبولوس "، الرئيس التنفيذي لشركة WASTE-D التي تقدم استشارات مهنية في مجال معالجة النفايات، نشر أخيرًا مع خبير آخر كتابًا شاملًا حول الاقتصاد الدائري.

حلل "مابروبولوس" التحولات المتوقعة في مجال معالجة النفايات، حينما تصبح الأخيرة مكونًا من مكونات الاقتصاد الدائري، ووصف كيف يتوافق هذا الاقتصاد مع مجموعة المشاكل البيئية التي ابتلي بها العالم، بما في ذلك أزمة المناخ.

 كل هذا ضمن الواقع الآني "للثورة الصناعية الرابعة" التي تتميز بالارتباط الوثيق بين العالمين المادي والرقمي، وتولد كميات هائلة من النفايات الجديدة التي لم تكن معروفة حتى الآن، وبالتأكيد ليس بهذا الحجم.

 

بحلول نهاية العقد الحالي، ستصل كمية النفايات الإلكترونية إلى 100 مليون طن سنويًا. وبحلول منتصف القرن سيكون من الضروري معالجة نحو 80 مليون طن من نفايات مخلفات منشآت توليد الكهرباء من الطاقة الشمسية.  

وفي عام 2025 سيصل عدد الطائرات من دون طيار (بكافة أشكالها) الخارجة عن الاستخدام إلى 3.5 مليون سنويا. يضاف إلى ذلك، الزيادة في نفايات التغليف، في إثر التوسع في استخدام التجارة الإلكترونية.

رؤية الاقتصاد الدائري الملائمة للتعامل مع حجم النفايات وتكوينها المتغيرين، تختلف في عدة جوانب مهمة عن الرؤية السائدة لدى العديد من الجهات البيئية الرسمية، كما تتجلى في خططها وإستراتيجياتها.

 إذ تعد تلك الجهات إعادة التدوير مكونًا مهمًا وأولويًا؛ بينما يقدم "مابروبولوس" وجهة نظر مختلفة، فلا تأتي عملية إعادة التدوير إلا بعد مرحلة تعرف باسم "التحضير لإعادة الاستخدام".

 هذا التحضير يعني التخطيط، والتصميم وتصنيع المنتجات المناسبة للاستخدامات المتعددة، أو بطريقة تسمح بتفكيك مكونات تلك المنتجات وإعادة استخدامها.  لذا، سيُطلب من الحكومات إعداد لوائح تخلق حوافز لتوسيع هذا النشاط.

اقترح "مابروبولوس" بعض الأفكار المهمة حول قيود إعادة التدوير.

ومن بين أمور أخرى أشار إلى أن فائدة إعادة التدوير تتقلص بسبب تراكم الملوثات الكيميائية الموجودة في المنتجات التي تعتمد عليها عملية التدوير. كما أن هناك حدًا لعدد مرات استخدام المنتج المعاد تدويره، حتى عندما يرتبط الأمر بمواد متينة وطويلة الأمد مثل الألومنيوم والفولاذ.

ومن بين القيود الأخرى لصناعة التدوير النفقات الكبيرة المطلوبة لعمليات فصل وفرز ومعالجة المنتجات، وفي العادة تكون هذه النفقات أعلى بأربعة إلى خمسة أضعاف الأرباح الناتجة عن بيع المنتجات المعاد تدويرها.

  لذا، يجب أن يستند الاقتصاد الدائري على منتجات النفايات النظيفة التي يسهل بلورة طرق فعالة لإعادة استخدامها؛ وبالتالي، الاقتصاد الدائري سيعتمد بشكل متزايد على الاستخدام الواسع النطاق لآلات الفرز والمعالجة المتقدمة، والآخذة في التطور مع الثورة الصناعية الرابعة.

يلعب الاقتصاد الدائري أيضًا دورًا مهمًا في التعامل مع أزمة المناخ. فهو سيبتكر طرقًا لاستخراج المعادن الثمينة من منتجات النفايات، بحيث يمكن استخدامها في المعدات اللازمة لإنتاج الطاقة المتجددة؛ وكذلك تطوير تقنيات لاستغلال واستخدام مواد البناء من المباني القديمة - بدلاً من استخراج تلك المواد من الطبيعة ومعالجتها، وبالتالي انبعاث كميات كبيرة من غازات الاحتباس الحراري. 

تغيير طريقة التفكير وثقافة الاستهلاك

بما أن الاقتصاد الدائري يحتاج إلى مواد خام خالية من التلوث، فسوف يزداد الاعتماد على المرافق التي ستعالج متبقيات النفايات ومخلفات التلوث التي تخرج من دورة الإنتاج والاستهلاك؛ والمقصود بشكل أساسي منشآت إنتاج الطاقة من الاحتراق.  هذا هو الجزء الإشكالي في رؤية الاقتصاد الدائري، إذ سيستمر الاعتماد بشكل كبير على التكنولوجيا وليس على تغيير ثقافة الاستهلاك ومدى استخدام المواد في الاقتصاد الحديث.

  لذا، كي يصبح الاقتصاد دائريًا، يجب إحداث العديد من التغييرات الجوهرية في طريقة التفكير ومعالجة النفايات؛ علما أن الاقتصاد الدائري لا يعد مشروعًا لتغيير البيئة، بل أساسًا لتغيير الاقتصاد، وبخاصة ما يتصل بمسألة المؤشرات الاقتصادية، علمًا أن المؤشرات التقليدية (وفي مقدمتها "النمو" الاقتصادي) فشلت في إعطائنا توصيفًا صادقًا لجودة حياة الشرائح الشعبية (غالبية السكان) ورفاهيتها ومدى تلبية احتياجاتها.

وهنا يقع على عاتق الحكومات أن تلعب دورًا مركزيًا، بإجراء التغييرات اللازمة في تشريعاتها وسياساتها، فضلًا عن استثمار أموال عامة كبيرة في برامج تهدف بشكل أساسي إلى تحسين جودة حياة المواطنين وتحقيق رفاهيتهم. 

وهذا يعني التوجه نحو الزراعة الخضراء التي لا تبدد الموارد الطبيعية وتشجع العودة إلى العمل في نطاق الحيازات الزراعية الصغيرة، إضافة إلى قطاع الإنشاءات؛ وبخاصة لتحسين كفاءة استهلاك الطاقة.    

ونتيجة تبني وتطبيق سياسات وآليات الاقتصاد الدائري، يمكننا توقع زيادة القيمة المالية لإجمالي الناتج المحلي الفلسطيني بعشرات ملايين الدولارات؛ فضلًا عن توفير عشرات الملايين الإضافية التي تستثمر حاليًا لمواجهة العواقب الصحية والبيئية.

ومما لا ريب فيه، أن "النمو" الاقتصادي يعد أمرًا هامًا، لكن ليس أساسيًا؛ إذ ما يجب أن يثير اهتمامنا هو جودة حياة الناس.  فـ"النمو" الاقتصادي بالمفهوم الرأسمالي يهدف إلى التوسع في الأسواق بهدف زيادة الاستهلاك وإنتاج السلع، بغض النظر عن الأبعاد البيئية والاجتماعية وعن تآكل الموارد الطبيعية وتدميرها؛ وهو ما يتسبب به تحديدا مثل هذا "النمو" الذي لا يساهم بالتأكيد في تحسين جودة الحياة. 

في الواقع، أنموذج "النمو" الاقتصادي الرأسمالي الحالي القائم على الارتفاع اللانهائي في إجمالي الناتج المحلي، معتمدًا على الزيادة المستمرة في الاستهلاك- هذا الأنموذج يعد غير مستدام من الناحية البيئية.  فمع توفيره فرص عمل معينة، ورفعه لمستوى المعيشة، إلا أنه تسبب أيضا في تدمير الأنظمة الطبيعية في العالم، وفي التغير المناخي، وشح في مصادر المياه واستنزاف الأراضي الصالحة للزراعة.

 فضلًا عن أن أنموذج "النمو" الرأسمالي الحالي قائم على انعدام المساواة الرهيب في توزيع الأرباح المتولدة من الموارد الطبيعية.

أنموذج "النمو" الحالي بُلورّ في إثر الحرب العالمية الثانية، باعتباره الهدف الأساسي لاقتصاديات العالم (الرأسمالي)، وبواسطة منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية  (OECD)تحول هذا الأنموذج إلى هدف غير قابل للنقاش، بحيث ينبغي على جميع البلدان والمنظمات الدولية أن تتصرف بما ينسجم معه.

ويزعم العديد من الاقتصاديين في العالم بأن لا بديل لهذا "النمو"؛ وفي ظنهم، أن بالإمكان التعامل مع الآثار البيئية الضارة بزيادة الكفاءة وإدخال تحسينات تكنولوجية.

 بل إن دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية بلورت إستراتيجية أسمتها "النمو الأخضر"، والتي يمكن، بحسبها، الفصل جزئيًا بين النمو والآثار الاقتصادية.  فعلى سبيل المثال، وفق هذا المفهوم، ترشيد أكبر للطاقة والمياه يؤدي إلى أن يصبح معدل استهلاك الطاقة أقل من معدل نمو الناتج المحلي الإجمالي. 

الكفاءة والتوفير، غالبا ما يجلبان نتيجة عكسية لما هو مرغوب فيه؛ ذلك أنهما يتيحان تحويل المداخيل لصالح استهلاك الموارد الأخرى.

 مثال بارز حول ذلك يرتبط بالقارة الأوروبية التي تمكنت من ترشيد استهلاك الموارد الطبيعية داخل حدودها، وأخذت تعتمد بشكل كبير ومتزايد على استهلاك نفس الموارد من بلدان أخرى بتكلفة أقل. 

خلاصة القول، يمكننا استبدال أنموذج "النمو" الحالي بأنموذج آخر يخفض كثيرا استخدام المواد الخام.  وبطبيعة الحال، يمكن مواصلة الاستثمار في البنية التحتية العامة والتكنولوجيا، إلا أن المزيد من التمويل لا بد أن يوجه إلى قنوات نمو أخرى مثل الرعاية الاجتماعية، والصحة والتعليم والترفيه. 

جائحة كورونا أثبتت مدى اعتمادنا على نظام صحي عام يعمل بشكل جيد وأيضًا على نظام فعال لجمع النفايات، وبخاصة في المناطق الحضرية.  

فلولا الجمع والمعالجة السليمين للنفايات من المراكز السكانية الكبيرة، لكانت الملوثات والأمراض ستتفشى بحدة أكبر بكثير.  الجائحة أكدت أن وجود نظام جيد للرعاية الصحية والخدمات البلدية الفعالة لمعالجة النفايات، أكثر أهمية بكثير من وجود المصارف والمصرفيين وأسواق رأس المال.

تدوير رأسمالنا داخل بلدنا

يمكننا القول إن طاقة اقتصادية عظيمة تكمن في السلوك البيئي الأخضر في إطار "الاقتصاد الدائري".  فعلى سبيل المثال، يمكن لسوق العمل الفلسطيني أن يستوعب آلاف فرص العمل الجديدة في مجال سوق النفايات فقط، إضافة إلى إعادة استخدام المواد الخام التي تبلغ قيمتها مئات ملايين الشواقل وتبدد حاليًا وتدفن في مكبات النفايات.

وفي هذا السياق، نشير إلى أن العديد من الأبحاث الحديثة، أثبتت أن تدوير النفايات الصلبة الجافة (المعادن والزجاج والبلاستيك والورق والكرتون...) مُجْدٍ اقتصاديا ويوفر فرص عمل خضراء، أكثر من عملية دفن النفايات.

وبما أن النفايات تتولد في إطار المجتمع المحلي؛ فإن تدويرها يوفر فرص عمل في نطاق المجتمع نفسه أيضا، علمًا أن التدوير كثيف العمل، وذو فعالية اقتصادية، ويزيد إنتاجية موارد الطبيعة، وبالتالي يساهم في رفع إجمالي الناتج المحلي.

ومن الناحية الاقتصادية، تدوير النفايات الجافة أفضل من دفنها؛ لأن في ذلك إتاحة لعدد أكبر من فرص العمل الخضراء.  وبالمقارنة مع دفن النفايات الجافة؛ فإن تدوير الأخيرة قد يزيد نسبة التشغيل بأكثر من 40%-50%.

في السياق الفلسطيني، تنسجم فلسفة الاقتصاد الدائري مع أنموذج الاقتصاد المقاوم الذي يستند أساسا إلى تدعيم البنية الإنتاجية الزراعية والصناعية الوطنية الشعبية التي تتميز بالتنوع الإنتاجي وتوفر السيادة الإنتاجية الغذائية للناس، وتتمحور داخليا في السوق المحلي، وتنتج الاحتياجات الأساسية للشرائح الشعبية بالاعتماد على مدخلات الإنتاج المحلية، وبالتالي تحررنا من التبعية لمدخلات الإنتاج الخارجية.

إن محاربة النزعة الاستهلاكية والتقليل إلى الحد الأدنى من مشترياتنا، والتركيز على شراء منتجات غذائية محلية، بلدية وموسمية أُنتجت من مواد طبيعية، والالتزام إجمالًا باقتناء السلع المحلية التي خضعت لأدنى قدر من التصنيع ولم تسافر مسافات طويلة، وأُنْتِجَت بطريقة عضوية وأخلاقية وتحتوي على حد أدنى من التغليف القابل لإعادة الاستعمال والتدوير- إن الالتزام بكل ذلك يعد أقل كلفة، ويقلل من نفقات المواصلات، ويُدَوِّر نقودنا ورأسمالنا داخل بلدنا ويعزز التجارة المحلية، ويصب في طاحونة الحفاظ على مواردنا المحلية ويقلل من التلوث البيئي والصحي، ويساهم في الحد من استهلاك الطاقة، فضلًا عن انسجام هذا التوجه مع اقتصاد الصمود والمقاومة.

خاص بآفاق البيئة والتنمية