تصاريح العمل والحالة المعيشية 

رامي خريس
رامي خريس

كتب/ رامي خريس

لم يكن مفاجئاً ما رأيته من صور ومشاهد للمواطنين الذين تجمعوا أمام مكاتب الغرفة التجارية في محافظات غزة، لتقديم مستنداتهم رغبةً في الحصول على تصريح دخول للعمل في فلسطين المحتلة عام 48. 

وبالرغم من إزالة اللبس وتوضيح الأمر لاحقاً بأن التصاريح للتجار وليست للعمال وبآليات جديدة، إلا أنه معلوم لدى الكثيرين أن عدداً من العمال المتعطلين  بادروا سابقاً لتسجيل شركات بأسمائهم والحصول على سجل تجاري ليتمكنوا فقط من العمل في الداخل المحتل. 

مع استمرار الاحتلال، لم تكن المعاناة الاقتصادية والمعيشية في الحالة الفلسطينية استثناءً، فقد شاهدنا قبل عدة أسابيع كيف يخاطر آلاف العمال الفلسطينيين في الضفة الغربية بأنفسهم ويتسللون تحت جنح الظلام عبر فتحات الأسلاك والجدار الفاصل إلى أماكن عملهم في المدن والتجمعات السكانية الإسرائيلية.

بل إن  المشهد الذي أثار جدلاً واسعاً قبل عدة أشهر ما حصل من توجه آلاف المواطنين إلى مكاتب الإدارة المدنية في الضفة الغربية حيث نشرت وسائل الإعلام صوراً من الخليل لمئات من سكان المحافظة وهم يتدافعون على أبواب مكتب الإدارة المدنية  أملاً في الحصول على تصريح عمل ورفع قيود "المنع الأمني"، مع ما يترتب  من احتمالية وقوعهم  فريسة لما يعرف ب "المنسق" ومخابرات الاحتلال وما يمكن أن يتعرضوا له من مخاطر الابتزاز، ومثّل ذلك أيضاً  تجاوزاً لدور السلطة ووزارة الشؤون المدنية ووزيرها حسين الشيخ من الاحتلال الذي طالب الفلسطينيين في الضفة بالتواصل مباشرة مع إدارته المدنية.

وعند الحديث عن العمال الفلسطينيين ومعاناتهم خاصة من أهل القطاع -والدي رحمه الله كان أحدهم-  فإنهم تعرضوا لسنوات طويلة (في فترة السماح لهم بالعمل لاسيما في السنوات التي أعقبت الانتفاضة الأولى) لجملة من الإجراءات والممارسات الإسرائيلية التي حولت رحلة الدخول والخروج يومياً إلى العمل إلى عذاب. فمطلوب من العامل أن يحصل على التصريح الممغنط -ولها قصة سنأتي على ذكرها- والتصريح الأبيض، وطريق الآلام التي يسلكها العامل الذي يخرج من بيته قبل الفجر بساعات للوصول إلى معبر بيت حانون "إيرز" وبعد نزوله من السيارة  يعبر ممراً طويلاً سيراً على الأقدام يتخلله عبور ما يسمى "الحلابات" والتعرض لنقاط التفتيش، ليعبر بعدها مستقلاً وسيلة مواصلات أخرى إلى مكان عمله، وتتكرر هذه الإجراءات في طريق العودة. 

و"البطاقة الممغنطة" التي فرضها الاحتلال على العمال نهاية عام 1988، لها قصة طويلة يمكن تلخيصها بذكر أن فصائل المنظمة طالبت العمال بعدم الحصول عليها والتعامل معها، وحصلت بسببها إشكاليات كثيرة بين اللجان الشعبية التابعة للفصائل وعدد كبير من العمال عندما قررت جمع التصاريح منهم، وفي النهاية استطاع الاحتلال فرضها لحاجة العمال لها للدخول للعمل وإعالة أسرهم.

إن غزة تتعرض لحصار ممنهج من الاحتلال الذي كان السبب الأبرز  للظروف المعيشية والاقتصادية الصعبة التي يعيش في ظلها آلاف المواطنين،  وتشارك "السلطة" ورئيسها محمود عباس للأسف فيه  من خلال ممارسات مختلفة من بينها قطع رواتب الآلاف من الموظفين فضلاً عن وقف أي تعيينات جديدة، وعرقلة دخول المنحة القطرية، والتأخير في صرف دفعات الشؤون الاجتماعية لمستحقيها، وتقليص حصتها في التحويلات الطبية للعلاج.

ناهيك عن عدم استثمار مليارات الدولار التي تم تحصيلها من المانحين في دعم بنية الاقتصاد الفلسطيني ليكون قادراً على تحقيق أدنى متطلبات الحياة للمواطنين- ينسحب الأمر على الضفة الغربية- وبدلاً من ذلك تُهدر هذه الأموال في الإنفاق على مكتب الرئيس وأجهزة الأمن لخدمة أهداف التنسيق الأمني، وتلك بنود من الإنفاق تستحوذ على نسبة عالية من موازنة السلطة.

لربما يتطلب نضالنا ضد الاحتلال أن نصبر على شيء من "نقص من مال" بسبب سياسات الاحتلال ولكن ما لا نفهمه أن هناك آخرين تخلّوا عن كل شيء ولم يحصلوا على أي شيء.