خاصة في أوقات الطوارئ..

غياب البوابة الموحدة لتوزيع المساعدات يثير التساؤلات والشكوك

ارشيفية
ارشيفية

الرسالة نت- لميس الهمص

بمجرد حديثك عن عدالة توزيع المساعدات الإنسانية في قطاع غزة تجد المئات من المشتكين من سوء التوزيع والظلم الواقع عليهم الذي تعود أسبابه إلى غياب التنسيق بين الجهات المختصة، وتداخل الصلاحيات بين الوزارات المعنية بالرقابة، واختلاف مرجعيات تلك الجمعيات، ورفض بعضها الخضوع لمنظومة الرقابة.

ورغم الجهد الذي تبذله الجهات المعنية في تحقيق العدالة في التوزيع إلا أنه يبقى مبعثرا في ظل غياب بوابة موحدة ترصد ما يصل من المساعدات وتعلن منافذ توزيعها، وآليات حصول المستفيدين عليها.

 شكاوى

المواطنة أم محمد ناصر تقطن وسط قطاع غزة اشتكت "للرسالة" من عدم حصولها على أي مساعدات منذ عدوان الاحتلال الأخير في مايو الماضي، رغم أن زوجها لا يعمل ولديها أربعة أطفال، وذكرت أن آليات التوزيع غير معروفة بالنسبة لها وتعتبرها غير عادلة.

وبينت أن بعض العائلات تحصل على مساعدات أكثر من مرة كونها محسوبة على فصيل معين أو أحد أقربائها يعمل في مؤسسة خيرية، فيما يحرم العشرات من المحتاجين.

ووفق ناصر، فإن الجمعيات لا تعلن عن معايير محددة لاستلام المساعدات قبل توزيعها، ولا تمنح الفرصة للمواطنين الذين تنطبق عليهم الشروط لتسجيل أسمائهم بناء عليها، كما أن الكثير من الجمعيات توزع المساعدات سراً تلافياً لأي احتجاج من الفئات المستحقة.

يتساءل المواطن سالم يحيى من مخيم جباليا قائلا: هل يجب أن نزور كل الجمعيات لتسجيل أسمائنا لنحصل على حقنا في المساعدة؟ أليس من الواجب أن تصل الجهات المعنية للمحتاج والمتعفف دون الحاجة لإذلاله؟

وضرب مثالاً بأن البعض حصل على الطرد الغذائي المخصص ضمن المساعدات المصرية بعد العدوان الأخير لأكثر من مرة عن طريق الجمعيات والمساجد ولجان الزكاة، فيما لم تصل لمنزله أي منها رغم أنه عاطل عن العمل ولديه ثلاثة أطفال.

مشاكل عدة رصدتها مروة أبو عودة، منسقة وحدة المناصرة والمساءلة المجتمعية في ائتلاف أمان في غزة من خلال الشكاوى التي وصلتهم، وقالت في حديثها "للرسالة" إن جل تلك الشكاوى تتحدث عن المحسوبية والواسطة في توزيع المساعدات، وأن غالبيتها مرتبطة بالأحزاب.

وأشارت إلى أن محدودية المساعدات التي وصلت للقطاع بعد العدوان الأخير يجب أن تدفع الجهات المعنية لتوزيعها وفق معايير نزيهة لضمان وصولها لمستحقيها.

ووفق أبو عودة، فإن أبرز المخالفات التي رصدتها أمان تتمثل في توزيع المساعدات من المؤسسات الخيرية دون إعلان مسبق ومن غير الإفصاح عن آليات التوزيع والفئات المستهدفة.

ويتعرض المجتمع الغزي لتضليل تمارسه الجهات المانحة عند حديثها عن الأرقام والتبرعات التي تصل للقطاع، في حين يبقى الكثير منها حبرا على ورق ومجرد تصريحات لأغراض سياسية وهو ما يزيد من حالة السخط والغضب في الشارع.

عدالة التوزيع

وتنص المادة 22 من القانون الأساسي الفلسطيني على أن القانون ينظم خدمات التأمين الاجتماعي والصحي ومعاشات العجز والشيخوخة، ورعاية أسر الشهداء والأسرى ورعاية الجرحى والمتضررين والمعاقين واجب ينظم القانون أحكامه، وتكفل السلطة الوطنية لهم خدمات التعليم والتأمين الصحي والاجتماعي.

وأمام حق المواطن في الحصول على المساعدات في حال انطبقت عليه الشروط، بدأت "الرسالة" مشوار البحث من وزارة التنمية الاجتماعية الجهة المخولة وفق القانون بتنظيم تقديم المساعدات والرقابة على الجمعيات العاملة في الحقل الاجتماعي.

ووفق المادة (6) من قانون الجمعيات الأهلية في قطاع غزة تتولى الوزارة المختصة مسؤولية متابعة عمل الجمعيات والهيئات، ومتابعـة نشـاط أيـة جمعيـة أو هيئـة بموجب قـرار خطـي مسـبب صـادر عـن الوزيـر المختص في كل حالـة.

وفعلـت وزارة التنميـة الاجتماعية في شـهر مايـو 2020، دائرة خاصة بالرقابة على الجمعيات، الأهلية، حيث التقت معدة التحقيق برئيسها أحمد الأعرج للحديث عن الملف، والذي أكد بدوره أن توزيع المساعدات في وقت الطوارئ وخلال العدوان كان بالتنسيق مع لجنة طوارئ الوزارة المركزية.

ولفت إلى أن التوزيع على قوائم المتضررين كان من خلال الجهة المنفذة مباشرة أو بالتنسيق مع لجنة طوارئ المحافظة، التي تضم الوزارات الحكومية ذات العلاقة، واللجان المحلية في كل محافظة.

وعن دور الوزارة في الإشراف على المؤسسات الأهلية والجمعيات أوضح رئيس قسم الرقابة أن

الإشراف على توزيع المساعدات يعتبر إحدى مهام الوزارة سواء بالإشراف قبل أو أثناء أو بعد تقديم المساعدة؛ للتأكد من وصول المساعدة لمستحقيها وفق المعايير المعتمدة لدى الممول.

ووفق الأعرج فإن أي مخالفات يجري ضبطها تحول لجهات الاختصاص للمتابعة، نافياً ضبط أي مخالفات منذ العدوان الأخير على القطاع.

ووفق وزارة التنمية فإن قطاع غزة يضم قرابة الــ500 مؤسسة إغاثية، منها 150 فاعلة فقط، في حين رصدت "الرسالة" أن الجمعيات العاملة في المجال الاجتماعي هي نصف عدد الجمعيات العاملة في قطاع غزة وهو ما يتطلب مجهوداً وطواقم كبيرة للرقابة عليها.

وأظهرت بيانات وزارة الداخلية أن نصف عدد الجمعيات الفاعلة في قطاع غزة يقع في مدينة غزة بينما يتوزع النصف الآخر على المحافظات الأربعة الأخرى.

ووفق ما توصلت إليه "الرسالة"، فإن التضييق على الجمعيات وعدم وجود حسابات بنكية دفع بعض الجمعيات غير الإغاثية لممارسة هذا الدور كحالة استثنائية من أجل المساهمة في التدخل الإغاثي خاصة في أوقات الطوارئ والأزمات وهو ما يصعب حالة الرقابة على تلك المؤسسات.

استكمال الرقابة

الدور الأكبر في الرقابة على الجمعيات العاملة في الحقل الإنساني يقع على عاتق وزارة الداخلية التي تسجل وتتابع أنشطة وأعمال الجمعيات الخيرية المسجلة لديها وفق قانون رقم 1 لعام 2000.

وفي هذا السياق قسّم أيمن عايش مدير عام الشؤون العامة والمنظمات غير الحكومية بوزارة الداخلية، الجمعيات الخيرية وفق أهدافها إلى عدة قطاعات ومن ضمنها الإغاثي والإنساني، مشيراً إلى أن بعض الجمعيات تعمل في المجال الصحي وأحيانا ترعى الطفل والمرأة لكنها تقدم مساعدات إغاثية لأن القانون كفل لتلك الجمعيات تنوع الأهداف.

ولعل تغير أنشطة الجمعيات ولجوء بعضها لتوزيع المساعدات في بعض الحالات يُصعّب المهمة على الجهات الرقابية وفق عايش.

ولفت إلى أن رقابة دائرته تشمل احترام المستفيدين، والضبط المالي والمستندي والإداري، موضحا أن رقابتهم على شريحة المستفيدين تكون بالتزام مقدم المساعدة بالمعايير التي حددها وأعلن عنها مسبقاً.

وتهتم وزارة الداخلية بالتنسيق مع الوزارات المختصة خاصة في اختيار المستفيدين عبر بحث اجتماعي وقوائم محدثة.

ورغم حديث وزارة الداخلية عن التنسيق مع وزارة الشؤون الاجتماعية، الا أن مصدرا مطلعا في الشؤون الاجتماعية اشتكى من تنازع وزارته مع الداخلية في الصلاحيات رغم أن القانون يُرجع مهمة الرقابة للوزارة المختصة، مشيراً إلى أن تدخل وزارة الداخلية يقلل من هيبة التنمية في المتابعة والتفتيش.

ويقول المصدر ليس لدينا أي سلطة إلزامية تجبر الجمعيات على الالتزام بمعايير الوزارة أو حتى إجبارها على الانضمام للبوابة الموحدة لتوزيع المساعدات بسبب تعدد جهات الرقابة.

وتكتفي وزارة الشؤون الاجتماعية وفق دراسة أعدها الائتلاف من أجل النزاهة والشفافية أمان حول حوكمة إدارة المساعدات في القطاع بدور الإشراف والمتابعة والتوجيه وليس لها دور رقابي.

وتشير الدراسة الى أن وزارة التنمية نفذت خلال النصف الأول من العام 2020 ، 54 زيارة ميدانية، وأصدرت خلالها 43 تقريرا رقابيا، لكن عدم نشر تلك التقارير أفقدها دورها في المساءلة وتحقيق الغايات من عملية الرقابة.

تعدد المرجعيات

تعدد الجهات القائمة على توزيع المساعدات النقدية والغذائية تمثل إحدى أهم الإشكاليات حيث تفتقد تلك الجهات سواء كانت دولية أو أهلية أو حكومية لأي جسم تنسيقي ما يؤدي في العديد من الحالات إلى تكرار أسماء المستفيدين وعدم ضمان المساواة والعدالة في التوزيع واتجاه بعض مزودي الخدمة إلى حصرها في فئات حزبية أو عائلية.

ويضاف إلى ما سبق اختلاف تبعية الجمعيات وتعدد طرق تمويلها وهو ما يدفع بعضها لرفض الرقابة كتلك الجمعيات التابعة لمنظمة التحرير وكذلك الجمعيات التابعة للتنظيمات الكبرى.

وتعود تبعية المؤسسات التي تقدم المساعدات في قطاع غزة لعدة جهات أهمها وزارة الشؤون الاجتماعية، ووزارة الأوقاف والشؤون الدينية، ومؤسسات الأمم المتحدة، ومؤسسات أهلية، واللجنة القطرية، والمبادرات الفردية.

وبعد العدوان الأخير على غزة أسندت الحكومة في رام الله توزيع المساعدات الواصلة منها إلى جمعيات تابعة لمنظمة التحرير بدلا من وزارة الشؤون الاجتماعية.
وأكدت مصادر حكومية مطلعة "للرسالة" أن تلك الجميع ترفض التنسيق في أغلب الحالات مع الوزارات الحكومية المعنية في غزة.

ولفتت إلى أنه لا يوجد ما يُلزِم تلك المؤسسات الإفصاح عن قوائمها ومصادر تمويلها وحجم المساعدات الواصلة إليها كونها "ترى نفسها أكبر من ذلك"، وفق تعبير المصدر.

وفيما يخص لجان الزكاة المنتشرة في محافظات قطاع غزة والبالغ عددها 45 لجنة، فهي تخضع لرقابة وزارة الأوقاف ولا تتعاون مع وزارة الشؤون الاجتماعية ولا تتعامل وفق القوائم الخاصة بالبوابة الموحدة للمساعدات.

وتعمل لجان الزكاة والجمعيات التابعة لتجمع المؤسسات الخيرية عبر برنامج خاص بها يشبه في آليته برنامج البوابة الموحدة الذي تعتمده وزارة الشؤون الاجتماعية.

المثال السابق يوضح تعدد مرجعيات مقدمي الخدمة الإغاثية، وبالتالي يفتح الباب أمام عدم عدالة التوزيع، وعدم توحيد المعايير في اعتماد المساعدات.

ووفق إحصائيات حصلت عليها الرسالة، يبلغ عدد الجمعيات الأهلية المرخصة في قطاع غزة 985 منظمة أهلية، منها 854 محلية، و96 أجنبية تتوزع على مختلف القطاعات.

وتعليقا على اختلاف التبعية وكيف يؤثر ذلك على الرقابة قال أيمن عايش مدير عام الشؤون العامة والمنظمات غير الحكومية بوزارة الداخلية إن تعدد الفاعلين في مجال العمل الخيري مشكلة تزيد من صعوبة العمل، موضحا أن الجمعيات لها صفات قانونية مختلفة؛ وهو ما يجعل المرجعيات مختلفة، فبعضها يتبع لوزارة الداخلية والآخر للتنمية الاجتماعية فيما تتبع الشركات غير الربحية وزارة الاقتصاد.

وحول المؤسسات التابعة لمنظمة التحرير ذكر أنها خارج رقابة وزارة الداخلية، لكنه أكد أن وزارته لا تهمل المحاسبة في حال حدوث أي قضايا فساد.

وفي هذا السياق قال مدير عام ديوان الرقابة المالية والإدارية في غزة أشرف أبو موسى إن الكثير من المساعدات الواصلة لقطاع غزة توزع عبر مؤسسات تابعة لمنظمة التحرير.

وأشار الى أن الجزم بأن تلك المساعدات توزع بشكل حيادي ونزيه صعب؛ لضعف الرقابة على تلك المؤسسات.

وأكد أن ديوان الرقابة دخل في إشكاليات كبيرة مع بعض تلك المؤسسات لرفضها الرقابة عليها، بادعاء أنها تتبع رئيس السلطة وليس الحكومة.

وبحسب أبو موسى، فإن إشراف ديوان الرقابة يشمل كل مفاصل العمل الحكومي والنقابي والجامعات، ومع ذلك ترفض تلك المؤسسات تدخل أي جهات رقابية، رغم أنها تعمل في توزيع المساعدات على المؤسسات والأفراد.

وبين أن العلاقة بين تلك المؤسسات والوزرات الحكومية في غزة قائمة على "شعرة معاوية" وهي ليست استراتيجية ولا تقوم على أسس واضحة.

رصد التجاوزات

مشاكل عديدة رصدتها معدة التحقيق في ملف المساعدات الإنسانية والتي تساهم بدورها في تقليل جودة العمل الخيري من أهمها تعدد جهات الرقابة على الجمعيات وتنازع الصلاحيات في بعض الأحيان.

وكان مجلـس الـوزراء في رام الله قد قـرر ـخلال جلسـته الأسبوعية رقـم (136) عـام 2017 اعتمـاد البوابـة الموحدة للمسـاعدات الاجتماعية وتشـكيل لجنة مـن الـوزارات والمؤسسات الحكومية وغيـر الحكومية، وذلـك بهـدف الوصـول إلـى أكبـر تغطيـة ممكنـة للأسر المحتاجة والفقيـرة، ومنـع الازدواجية في تقـديم المساعدات، وتحقيق العدالـة في التوزيـع وتكافـؤ الفـرص.

ورغم أن اعتماد بوابة موحدة لتوزيع المساعدات يقضي على الكثير من المشاكل في الملف إلا أن بعض المؤسسات ترفض الدخول فيه لأسباب متعلقة بالخوف على التمويل فيما تتذرع بعض المؤسسات بذلك للهروب من المساءلة.

ويضمن اعتماد البوابة الموحدة توزيع عادل للمساعدات حيث توثق جميع المساعدات التي تتلقاها الحالات المحتاجة ما يمنع إمكانية تكرارها.

خلال البحث، وجدت معدة التحقيق أنه ليس هناك أي قانون أو لوائح حتى اللحظة تلزم الجهات العاملة في مجال المساعدات بالانضمام للبوابة، كما أن هناك مؤسسات ضمن البرنامج الموحد ولكنها لا تغذيه بالمعلومات، مما يثير العديد من علامات الاستفهام؟

وفي هذا الإطار يقول مدير دائـرة الرقابـة علـى الجمعيات بوزارة الشؤون الاجتماعية الأعرج

إن برنامج معلومات التنمية الاجتماعية المحوسب الذي تم اطلاقه في شهر 5/2020م، يتم التعامل معه بوتيرة متوسطة وبأسلوب متراكم، وقد وصل عدد المؤسسات المشاركة به حوالي 350 مؤسسة أجنبية واهلية وخاصة، بينما يقتصر عدد المتفاعلين معه على 150 فقط وبدرجات متفاوتة.

ويبلغ عدد المستحقين للاستفادة من المساعدات 250 ألف أسرة منها ما هو مسجل في البرنامج الوطني للتحويلات النقدية، ومنهم مسجلون في المساعدات القطرية، ومنهم العمال فاقدو مصادر دخلهم نتيجة كورونا والحرب والحصار.

وائل بعلوشة مدير مكتب ائتلاف أمان في قطاع غزة، قال إن الائتلاف ينادي دائما بضرورة الإفصاح عن المعلومات، وأن يكون هناك شفافية وإخضاع المؤسسات التي تقدم المساعدات الإنسانية للمساءلة وتحريها لكل قيم النزاهة، مشيرا إلى أن هناك تجارب كثيرة خاضها الائتلاف لتحقيق مبدأ العدالة وتكافؤ الفرص.

وأضاف بعلوشة في حديث صحفي، أنه من خلال تجربة أمان واطلاعها على تجارب الدول التي يشبه وضعها؛ فلسطين وتحديدا قطاع غزة؛ فإن "البوابة الموحدة للمساعدات الإنسانية" وتشرف عليها وزارة التنمية الاجتماعية باتت مطلبا أساسيا؛ وأصبح حلما لدينا.

واعتبر أن البوابة الموحدة للمساعدات الإنسانية ستساعد على أن يكون المواطن على إطلاع دائم بحجم المساعدات التي تتدفق على قطاع غزة، كما يحمي الجهات التي تقدم مساعدات إنسانية من الوقوع في فخ الازدواجية؛ فضلا عن تحقيقها جزءاً كبيراً من الانكشاف والشفافية، مما يقلل من فرص الفساد أو الوقوع في الأخطاء.

وأوضح بعلوشة أن أبرز الإشكاليات التي يشكو منها المواطنون هي موضوع "الواسطة والمحسوبية والمحاباة" وهذا ناتج عن قيام كل فصيل سياسي بالاهتمام بـ "جماعته" وكل مؤسسة أهلية لها أيضا "جماعتها"، وكل قطاع يقدم مساعدات للجهة التي يهتم بها، حيث أن مجتمع غزة يعتمد على الجهوية "الأقارب".

مبادرات خارج الرقابة

وساهم الحصار المفروض على قطاع غزة وفرض القيود على الحسابات البنكية في انتشار ظاهرة المبادرات الفردية، وعمليات التمويل الجماعي الإلكتروني، التي لا تندرج تحت أي بند مؤسسي حتى اللحظة وهو ما يصعّب متابعتها والرقابة عليها.

ووفق دراسة أمان، فإن جزءاً من عملية تقديم المساعدات خلال فترة الطوارئ اعتمد على نظام التمويل الجماعي عبر الإنترنت، ومن ثم إرسال الأموال عبر بطاقة "بي بال" وتسلمها عبر مكاتب الصرافة، معتبرة أن الإشكالية في هذا النظام هو عدم وجود آلية للتحقق من وصول هذه التبرعات لمستحقيها.

وبينت الدراسة أن هذه الجهود تفتقر للتنظيم والمتابعة والضبط العام.

ما توصلت له الدراسة لمسته معدة التحقيق أثناء البحث والتقصي حيث تأكدت من مصادر مطلعة في وزارة الداخلية أن هذا النوع من المبادرات من الصعب السيطرة عليه ومعرفة حجم الأموال الواصلة للمبادرين وكم منها يذهب لمستحقيها.

وأكدت مصادر "للرسالة" أن المستوى المعيشي للكثير من العاملين في مجال المبادرات شهد طفرة ومع ذلك من الصعب اتهامهم بالفساد أو الاستيلاء على الأموال بهدف تحقيق أغراض شخصية.

وحول تلك المبادرات، ذكر مدير عام الشؤون العامة والمنظمات غير الحكومية بوزارة الداخلية أن لديهم فريقا مختصا لمتابعة كل المنصات لإعلانات جمع التبرعات، موضحا أنهم حصروا عددا من الفاعلين في الملف وجرى متابعتهم وتبين أن منهم الجيد ومنهم المتكسب لمصلحة شخصية.

ويؤكد عايش أنه من الصعب إيقاف العمل بتلك المبادرات في ظل حاجة المجتمع والحصار الواقع على قطاع غزة وفقدان البدائل، مبينا أن التعامل معهم يجري بحثهم على العمل وفق ضوابط ومن خلال الانخراط تحت مظلات رسمية للعمل.

معيقات العمل

وشكّل الحصار المفروض على قطاع غزة المعيق الأبرز لعمل الجمعيات، التي لم تعد قادرة على تأمين الموارد المالية بطرق مباشرة، مما عقّد عملية الرقابة عليها، كما يقول عايش.

ولفت إلى أن اغلاق الحسابات البنكية وتأخير الحوالات ساهم في تعقيد عملية التتبع المالي الخيري لأن الحساب يضبط العمليات المالية ويصعّب التلاعب فيها.

وفيما يتعلق في ملف الرقابة على المؤسسات الحكومية التي ساهمت في توزيع المساعدات عقب العدوان، قال مدير عام ديوان الرقابة: "لم ننته من تقييم حالة المساعدات التي وصلت بعد العدوان حتى هذه اللحظة، ولا يزال العمل جاريا مع وزارة الشئون الاجتماعية".

ولفت أبو موسى إلى أنهم يراقبون آليات الاستلام والتسليم والتخزين وإجراءات الصرف حسب الأصول.

وبين أن البيانات الأولية تظهر أن المساعدات التي قدمت للحكومة جرى التعامل معها بشكل مهني وموضوعي وأعطيت لمستحقيها بشكل مُرضي.

ووفق أبو موسى فإن حجم الفقر في قطاع غزة يفوق بكثير حجم المساعدات المقدمة؛ لذا تبقى الإشكاليات واردة بسبب الفجوة.

وبخصوص الجمعيات الفاعلة في توزيع المساعدات، ذكر أبو موسى أنهم طالبوا الوزارات المعنية والمتمثلة بوزارات الشؤون الاجتماعية والصحة والداخلية بأن يكون لهم دور فاعل في الرقابة خصوصا في ظل تكرار المساعدات لأشخاص وتجاهل آخرين.

وحول نظام البوابة الموحدة، بين أن البرنامج لا يعمل بشكل كامل، رغم أنه بديل جيد يتيح تكاملية البيانات ويسمح بعدالة التوزيع ويضبط الحالة بشكل كامل.

وأقر أبو موسى أنهم خلال الرقابة لمسوا الكثير من المحاباة والحزبية لدى عدد من الجمعيات، وكشف أنها لا تهتم للفئات المهمشة بشكل حقيقي وبعضها قائم لأهداف خاصة.

**اللجنة التنسيقية مطلب

ورصدت دراسة صادرة عن الائتلاف من أجل النزاهة والشفافية أمان حملت عنوان حوكمة إدارة المساعدات الإنسانية في قطاع غزة عدداً من المسببات التي أدت لعدم توزيع المساعدات بالشكل الأمثل، وأهمها عــدم وجــود قاعــدة بيانــات دقيقــة ومعتمــدة تســاعد متخــذي القــرار علــى ســرعة الاســتجابة ودقتهــا واســتخدام أمثــل للمــوارد.

وحسب الدراسة، فإن تتعـدد الجهات التي تعمل في تقديم المساعدات الإنسانية، ومن أبرزها القطاع الحكومي، والمنظمات الأممية، والقطاع الأهلي والخاص، والمبادرات الفردية، ساهم في ضعف الرقابة، مع عدم وجود سياسـة عامـة ملزمـة تحدد وسـيلة لتنسـيق الجهود بين المؤسسات بشـكل جامـع، مشيرة إلى أن دور وزارة التنمية الاجتماعية إشرافي وتنسيقي في أحسن أحواله.

وفق الدراسة فإنه لا توجد تعليمات تلزم المبادرين بتبنـي قيـم محـددة أو مبـادئ النشـر والإفصاح، أو تقـديم تقاريـر عـن النشـاط رغم أن المبادرات المجتمعية تعتبر أهم أشكال تدخلات المجتمع المدني لتقديم الإغاثة والمساعدات في الحالات الطارئة.

وأكدت دراسة أمان وجود فجوة تشريعية كبيرة فيما يتعلق بالتشريعات الناظمة لتقديم المساعدات النقدية والغذائية، حيث يخلو النظام القانوني من أي قانون ينظّم جمع التبرعات في المبادرات الفردية تضمن نزاهتها، وآليات صرف التبرعات وتوثيقها ماليا وإداريا، كما لا يوجد أي قانون ينظم المسؤولية الاجتماعية للشركات في القطاع الخاص.

ولاحظت الدراسة الصادرة العام الماضي ضعــف إشــراك أصحــاب المصلحة، كالمواطنين والخبراء ومؤسسات المجتمع المدني في التخطيط والإعداد للخطط المتعلقة بادراه وتوزيع المساعدات الإنسانية.

ووفق الدراسة فإنه رغم الجهود لضمـان تقـديم المساعدات الإنسانية بـدون خضـوع عمليـة الاختيار للتأثيـر السياسـي أو للمحابـاة بنــاء علــى الانتماء لحزب سياســي معين، إلا أن عمليــة تقــديم المساعدات النقديــة والعينيــة خضعــت لهــذا النــوع مــن التأثيــر، مثــل وجــود حصــص للتنظيمــات السياســية، أو ترشــيح الأسماء عبــر أحــزاب سياســية دون إلزامهــم بضوابــط تضمـن عـدم الانحياز والمساواة.

وأوصت الدراسة بضرورة تأسيس لجنة عليا لإدارة ملف المساعدات الإنسانية في قطاع غزة بمشاركة جميع الجهات الفاعلة.