دون معايير واضحة

مساعدات السلطة للعمال المتضررين من كورونا "لا عين رأت ولا أذن سمعت"

الرسالة نت– مها شهوان

غيرت جائحة كورونا ملامح الحياة في قطاع غزة كبقية دول العالم، وتعطلت المصالح لاسيما وقت فرض الحجر المنزلي، فتأثرت شرائح كبيرة وضعفت إمكانياتها المادية كعمال المياومة الذين خسروا أعمالهم وباتوا بحاجة لأي معونة اغاثية أو مادية لإعالة أسرهم وجلب أدنى احتياجاتهم الأساسية.

منذ اللحظة الأولى لإعلان الاغلاق في القطاع قبل أكثر من عام، تنافست مؤسسات المجتمع المدني في تقديم المساعدات خاصة الصحية، وأعلنت حكومة اشتية نهاية العام الماضي تقديم منحة مالية بقيمة 13.9 مليون دولار لعمال اليومية في غزة والضفة مقدمة من البنك الدولي، وسيستفيد منها 68 ألف عاطل عن العمل.

ومع بداية العام الجاري اصطف العشرات من المستفيدين أمام بنك القدس في غزة، لاستلام مبلغ 780 شيكل بناء على رسالة نصية وصلتهم عبر الهاتف المحمول، رغم أن عددا منهم لم يدرجوا أسمائهم بروابط التسجيل الالكترونية وهم من فئات (الحلاقون، ومعلمات رياض الأطفال، والسائقون، وعمال الكافتيريات، وأصحاب بسطات)، وآخرون حصلوا على المساعدة والتزموا الصمت كونهم ليسوا من الفئات المستحقة فهم طلاب أو موظفون يتبعون السلطة.

اختلاف الحالات التي استفادت من المنحة التي يفترض أنها مخصصة للعمال، دفع "الرسالة" للتقصي لمعرفة المعايير التي تم وفقها توزيع تلك المساعدات المالية، والفئات المستهدفة.

كشوف أقاليم

تسببت جائحة كورونا في تعميق أزمات 160 ألف عامل، كانوا يكتسبون قوت يومهم من الأعمال المرتبطة بالمؤسسات والمنشآت التي أُغلقت بسبب الإجراءات الوقائية والقيود المفروضة للحد من انتشار فايروس كورونا، والمساعدات الحكومية لم تغط جميع المتضررين ولا تسد العجز الذي يعانيه العمال أثناء انقطاعهم عن العمل لفترات طويلة.

التقت "الرسالة" بالشاب العشريني "أحمد" الذي يعمل في أحد المولات بمدينة غزة ليحكي عن استفادته من المنحة المالية التي حصل عليها من سلطة رام الله، يقول: "وصلتني رسالة عبر الجوال رغم أني لم أسجل في كشوفات المتضررين الالكترونية وكان المبلغ 820 شيكل حصلت عليه مرتين"!

وعن وضعه الاجتماعي ذكر أنه غير متزوج ويعيش مع والديه وتضرر فترة الإغلاق كبقية الشباب الذين يعملون معه، مبيناً أنه علم بعد شهر من حصوله على المنحة أن أحد أقاربه الذين لهم علاقة بمكتب إقليم حركة فتح بالمنطقة التي يسكنها رفع اسمه ضمن كشوف المستفيدين.

وسرعان ما تواصلت "الرسالة" مع بعض مسئولي مكاتب أقاليم حركة فتح في قطاع غزة، الأول تحفظ على ذكر اسمه بناء على رغبته فهو يعمل في أحد مكاتب المحافظات الجنوبية، يقول: "بكل جهد نعمل على إغاثة العمال الذين تضرروا فترة الإغلاق بسبب جائحة كورونا، وسجلنا أسماء المتضررين ورفعنا كشوفات إلى الجهات المعنية".

وأضاف: "لم نسجل العمال المتضررين والمحسوبين على حركة فتح فقط، فهناك أشخاص بانتماءات مختلفة تم تسجيلهم وحصلوا على المنحة المالية".

وفي السياق ذاته، تواصلت "الرسالة" مع إياد حلس من إقليم فتح شرق مدينة غزة، الذي نفى تسجيل أي شخص عبر مكتبهم، موضحا أن تلك المساعدات المالية سمعوا عنها فقط عبر الإعلام.

ويرجح حلس خلال حديثه "للرسالة" أن اختيار الأسماء كان بطرق خاصة سواء من خلال معارف في الجهة المانحة أو وزير، لافتا في الوقت ذاته إلى وجود تمييز واضح في توزيع المساعدات ما بين غزة والضفة.

تضارب الأقوال داخل الأقاليم ما بين التأكيد والنفي، فسره سامي العمصي رئيس نقابة العمال بغزة، بأن حركة فتح لديها مشاكل داخلية انعكست على عمل مكاتبها.

وذكر العمصي "للرسالة" أن الجهات الحكومية في غزة والضفة لم تتحمل مسؤولياتها أمام العمال الفلسطينيين كونهم فئة هشة ومكشوفة، مؤكدا أن كل المبالغ التي استهدفت العمال كانت تتسم بالمحدودية، ولم تغط جميع العمال رغم أنهم تكبدوا خسائر هائلة في أجورهم خصوصًا في فترة الإغلاق الكامل خلال شهري أغسطس وسبتمبر من العام السابق.

وأكد أن وزارة التنمية الاجتماعية التابعة للسلطة في غزة لم تتواصل مع نقابة العمال للحصول على قائمة بأسماء المتضررين من جائحة كورونا، كما يدعي المفوض العام للوزارة، وفي كثير من المرات حاول التواصل معه لكن التهرب كان هوالرد.

ولفت العمصي إلى أن الأسماء المستفيدة من العمال رفعت عبر مرجعيات حركة فتح في المناطق المختلفة، والإقليم الأقوى يحصل على حصة الأسد كما يصف.

وبحسب متابعة العمصي حصل 6 آلاف عامل متضرر بغزة على المنحة المقدمة من البنك الدولي، وذلك مقابل 60 ألف عامل في الضفة.

ومن المعروف أن حصة غزة من المساعدات دوما تكون 40% بينما في الضفة 60% وذلك حسب عدد السكان، لكن كعادتها السلطة ترمي الفتات إلى الغزيين لتبرير موقفها عند محاسبتها أمام الجهات المانحة.

ويذكر العمصي أن التلاعب لم يكن في منحة البنك الدولي فقط، بل في صندوق وقفة عز والمساعدات التي قدمت للمتضررين فترة كورونا، حيث أعلن أسماء مستفيدة بأرقام هوية خاطئة مما دفع البنك لإعادة الأموال لأصحاب المنحة، بالإضافة إلى أن هناك 5 آلاف متضرر استفاد منها بغزة وحصل على 700 شيكل.

واشترطت بعض الأقاليم التي سجلت أسماء من طرفها، على المستفيدين إعادة 200 شيكل.

أسماء المنتفعين

جملة من الشكاوى نقلتها "الرسالة" إلى لؤي المدهون مفوض عام وزارة التنمية الاجتماعية التابعة للسلطة بغزة، والذي بدأ حديثه بالقول: "كان لزاما علينا منذ اللحظة الأولى لانتشار جائحة كورونا في المحافظات الجنوبية (قطاع غزة) وإغلاق الأسواق وتعطيل المنشآت تقديم المساعدات الاغاثية العاجلة"، مشيرا إلى أن وزارته قدمت عشرات الطرود والقسائم الشرائية للعمال المتضررين".

وذكر المدهون أن وزارته كانت تستند إلى الأسماء التي كانت تصل من الطب الوقائي في غزة، وعلى إثر الحالة الاجتماعية للمتضرر يتم توزيع المساعدات، لافتا إلى أنهم حصلوا على ملايين الدولارات من الصندوق الإنساني التابع للأمم المتحدة.

ووفق قوله فإن لدى وزارته اتصال مع وزارة العمل والنقابات العمالية وجمعية رجال الأعمال وهيئة أصحاب الفنادق بغزة من أجل الحصول على أسماء العمال المتضررين وتقديم المساعدات الاغاثية الطارئة التي وصلت إلى أكثر من 36 مليون دولار.

وبعد التواصل مع تلك الجهات التي ذكر المدهون تعاون وزارته معها، نفوا ذلك خاصة وزارة العمل التي أكدت عدم معرفتها بأي معلومة حول المساعدات التي قدمت للعمال المتضررين من حكومة اشتيه.

وانتشرت عدة روابط منذ بداية جائحة كورونا في قطاع غزة وفرض الحجر المنزلي، من أجل التسجيل للحصول على مساعدات مالية، وهنا نفى المدهون ذلك بحجة أن وزارته "لا تسمح للمواطنين التسجيل كون ذلك من مسئوليتهم لذا أرادوا حفظ كرامة المواطن وتجنيبه الاستجداء أو التوسل عند التسجيل".

وهنا تقول شيرين أحمد وهي معلمة في إحدى رياض الأطفال شمال قطاع غزة: "سجلت في رابط انتشر عبر صفحات الفيسبوك ويتبع وزارة التنمية الاجتماعية وخاص بالعمال المتضررين من فترة الإغلاق خاصة من يعمل في مهنة الحلاقة أو رياض الأطفال".

وتابعت: بعدما قمت بتعبئة الطلب وانتظرت أن تصلني رسالة كزميلتي لم أحصل على شيء بينما هي حصلت على 780 شيكل".

وفي سؤال إن كان لزميلتها أي انتماء سياسي، أجابت أن جميع أشقائها موظفو سلطة وينتمون لحركة فتح، مما يضع علامة استفهام حول شروط المساعدات.

وردا على ذلك نفى المدهون "للرسالة" ما يتداوله العمال بغزة، معلقا "لا تسييس للمساعدات الإغاثية والمالية".

وذكر أن المساعدات التي قدمت من البنك الدولي كانت محددة لفئة العمال، مشيرا إلى أن المانح يشترط على الوزارة أماكن الحصول على قاعدة البيانات، وبعد جمعها يعمل مختصون على فلترتها بحيث لا تتكرر أسماء المنتفعين.

ومن شروط مساعدة العمال وتقديم المنح المالية لهم قال المدهون: "يجب أن يكون رب الأسرة من عمال المياومة ويفضل أن تكون امرأة، وأحد أفراد البيت لديه إعاقة بالإضافة إلى عدم استفادتهم من صندوق وقفة عز أو غيرها من مساعدات كورونا، وألا يمتلك المستفيد محلا تجاريا أو راتبا شهريا من القطاع الخاص أو لدية رقم سيارة عمومي".

وبحسب المدهون فإن المساعدات التي قدمت للعمال كانت بثلاثة أشكال: قسيمة شرائية وطرد صحي ونقدي، ومن حق العامل الحصول عليها، موضحا أن المساعدات المالية كانت ما بين 150 شيكل حتى 1200 شيكل وأكثر، وهناك ما يزال يحصل عليها، بالإضافة إلى وجود 4 آلاف أسرة تحصل منذ ستة شهور على 1200 شيكل.

ويضع حديث المدهون علامة استفهام على الوسيلة التي تلجأ إليها وزارته التابعة لحكومة اشتيه لحصر أسماء العمال المتضررين بسبب جائحة كورونا، فتارة تحصل عليها من الطب الوقائي وتارة يقول عبر وزارة العمل والجهات ذات الاختصاص والأخيرة بدورها تنفي أي تواصل، عدا عن الروابط التي سجل وفقها المستفيدون من العمال، مما يشكل غموضا ويفتح باب التلاعب في أسماء المستفيدين من المنحة المالية.

قرار سياسي

بدوره يقول أيمن أبو كريم رئيس وحدة المشاريع والتعاون الدولي في وزارة العمل بغزة: "نعمل على مساعدة العمال وحل قضاياهم كما حصل في الآونة الأخيرة عند توفير فرص عمل عبر البرامج المختلفة بتمويل من مؤسسات محلية ودولية لاسيما متضرري كورونا".

وعن تواصل حكومة اشتيه مع وزارته بغزة لتوزيع المساعدات على العمال المتضررين فترة الإغلاق خلال جائحة كورونا رد: "أعلنوا عن توفير مساعدات في غزة والضفة لكن تم توزيعها في بنوك تابعة لسلطة النقد دون الرجوع لوزارة العمل بغزة (..) ولم نستلم أي كشوفات بأسماء المستفيدين من تلك المساعدات المالية، أو حتى المعايير التي اختير العمال وفقها".

ووفق قوله فإن وزارته بغزة علمت بتوزيع المساعدات المالية للعمال المتضررين فترة الاغلاق بسبب جائحة كورونا عبر الإعلام، مرجعا عدم التواصل إلى أنه قرار سياسي من رام الله.

وفي السياق ذاته، تطرق أبو كريم إلى أن وزارته بغزة ورغم امكانياتها البسيطة تمكنت من توفير بعض المساعدات لمتضرري كورونا من العمال عبر توفير مساعدات تشغيلية مؤقتة لهم بالتعاون مع المؤسسات الدولية التي تمول تلك المشاريع.

وذكر أنه خلال فترة الاغلاق أيضا وزعوا 100 دولار على 70 ألف عامل من خلال المنحة القطرية بما يعادل 70 مليون دولار، ومن حكومة غزة تم دعم 10 آلاف عامل بمائة دولار، وكذلك منح 350 معلمة من رياض الأطفال 100 دولار لمرة واحدة فقط، مشيراً إلى أن معايير تلك المساعدات كانت ترتكز على الحالة الاجتماعية وعدد أفراد الأسرة وحجم الضرر الواقع من الاغلاق فترة الجائحة لاسيما في الشهور الست الأولى.

عدم الشفافية

وكان للباحثين في الشأن الاقتصادي دور كبير في متابعة المساعدات التي قدمت للعمال المتضررين فترة كورونا، ومنهم الخبير أسامة نوفل الذي أرجع في حديثه عدم المساءلة والنزاهة والشفافية في توزيع الأموال على مستحقيها خاصة فترة كورونا إلى الانقسام السياسي.

وأكد نوفل "للرسالة" أن عدم الشفافية في معرفة كيفية توزيع أموال المساعدات على متضرري كورونا من العمال أرهقت الباحثين في معرفة الحقيقة، مشيرا إلى أن الهدف من عملهم هو معرفة الحقيقة والبحث عن المساواة في توزيع المال.

وبحسب الخبير الاقتصادي فإن الحكومة سواء في غزة أو رام الله يغيب عنهم مكاشفة المجتمع المدني ومؤسساته المختلفة في معرفة هذه الأموال وكيف تذهب لمستحقيها، موضحا أنه بسبب الانقسام لا يوجد تحكم في أموال المساعدات والمنهجية المتعلقة في توزيعها في جائحة كورونا.

وبحسب متابعته لملف توزيع المساعدات لمتضرري كورونا من العمال، ذكر نوفل أن هناك إشكالية لدى السلطة تكمن في آلية تحديد الجهة المستحقة من التوزيع، مشيرا إلى أنه تواصل مع العديد من مؤسسات المجتمع الاقتصادي وأكدوا على أنه لم يتواصل معهم أحد من طرف السلطة لمعرفة أسماء وأعداد المتضررين.

وعقّب على حديث حكومة اشتيه باعتمادها عدة قطاعات كالسياحة والصناعة لتوزيع المساعدات على العمال فيها كونها من أكثر القطاعات تضررا وقت الجائحة وجميعهم نفوا أي عملية تواصل، لافتا إلى أن التواصل كان مباشرة مع المستفيد عبر البنوك.

ويقول نوفل: "تفاجأنا بعد متابعة الموضوع أن جزءاً كبيراً من المستفيدين ليسوا عمالا بل طلاب وموظفون في السلطة (..) وأخذت الأسماء من أمناء الأقاليم لحركة فتح في المناطق المختلفة مما سبب حالة نفور لدى العمال الذين تأثروا بالجائحة وشعروا بالظلم لاستثنائهم.

وأضاف: "هناك علامات استفهام لغياب الرقابة على آلية التوزيع والتقارير لمعرفة الفئات المستهدفة وكم الأموال التي ضخت، وتكررت عدة مرات.

وتطرق إلى نقطة مهمة وهي أن حصة غزة من المساعدات كانت محدودة جدا رغم أن المأساة كبيرة حيث تعطلت المصانع والمنشئات الصغيرة والقطاع السياحي، لافتا إلى أنه كان من المفترض توزيع الأموال وفق حجم الضرر.

وذكر أن جزءا كبيرا من أموال المساعدات التي قدمتها حكومة اشتيه كان من الضرائب التي كانت تحصلها من المواطنين بغزة، لذا من حق المواطن السؤال عن مصير أموال الضرائب التي يدفعها للسلطة.

وبعد البحث والتقصي في ملف المساعدات المالية التي تقدمها وزارة التنمية الاجتماعية التابعة لحكومة اشتيه إلى متضرري كورونا بغزة، لا بد من مطالبة الحكومة الفلسطينية بخلق آليات واضحة ومعلنة لإغاثة عمال قطاع غزة تتسم بالعدالة والنزاهة والشفافية، كما يقول نوفل.

وطالب بتوسيع نطاق الدعم لفئة العمال المتضررين من الجائحة، وذلك بما يكفل تحصين العامل، وضمان قدرته على سد احتياجاته واحتياجات أُسرته الأساسية.

وكان لزاماً على الحكومة إيجاد بدائل وحلول لمساعدة العمال المتضررين، أبرزها تطبيق قانون العمل ليكون مظلة قانونية، يتحقق من خلالها الحفاظ على حقوق العمال في هذه الظروف القاهرة.