اندحار الاحتلال طعنة في خاصرة فريق أوسلو

بقلم: خالد النجار

مثّل الانسحاب الإسرائيلي من قطاع غزة عام 2005 اول مراحل تراجع المشروع الصهيوني على أرض فلسطين، وهو يشكل أول اعتراف إسرائيلي حقيقي بحق الفلسطينيين في جزء من الأراضي التي احتُلت عام 1967، وإن جاء ذلك عبر سلوك مختلف عن الدبلوماسية الاسرائيلية في التعامل مع القضية الفلسطينية، وبشكل مغاير للواقع الصهيوني على أرض فلسطين، سيما أن سياسة الاستعمار قائمة على التوسع وليس الانحسار أو الانكماش، لأن الأخيرة تؤكد إفلاس العدو، وتظهر هشاشته أمام المتغيرات التي ظهرت ما بعد عام 2000 واندلاع انتفاضة الأقصى، التي أعادت تشكيل العناصر المسلحة المقاومة في قطاع غزة والضفة الغربية.
الانسحاب الإسرائيلي بعد 38 عام من احتلال القطاع لم يكن بالمطلق كما كانت تدعي حكومة العدو الصهيوني آنذاك والتي قالت أنها تطبق خطة فك الارتباط الذي تبناها رئيس الوزراء الصهيوني أرئيل شارون، بل هو هروب حقيقي من الواقع المرير الذي أصبح يشكل خطرًا على حياة المستوطنين في المستوطنات الجاثمة على أراضي المواطنين في قطاع غزة، ويستنزف قدرات الاحتلال ويضع حكومة شارون في موقف حرج أمام الروح الثائرة للفلسطينيين التي بدأت تشتعل في مدن الضفة وقطاع غزة، آخذةً بالبدء الفعلي لتغيير معادلات فرضها الاحتلال منذ الإعلان الرسمي عن خطة فك الارتباط.
وبالتالي أدرك الاحتلال أن مواصلة احتلاله لغزة لن يوقف المقاومة الفلسطينية ولن يقوض الفعل الثوري على الأرض، ولم يستطع الوقوف بوجه المقاومة التي وجهت له ضربات موجعه من خلال عملياتها البطولية التي تنوعت وسائلها بين اقتحامها للمستوطنات وإطلاق قذائفها الصاروخية، وتفجير عبواتها الناسفة بالآليات والمواقع والقوات الاسرائيلية، ما حوّل حياة المستوطنين إلى جحيم لا يطاق، وعجّل من هروبهم تحت ضربات المقاومة التي عكفت على مواصلة كافة أشكال النضال وثبّتت قواعد اشتباك جديدة للرد على جرائمه في الضفة والقطاع.
وهذا يؤكد أن مرحلة ما بعد هروب الاحتلال من قطاع غزة عام 2005 لم تكن كغيرها من المراحل التي سبقت هذا العام، لأن الفعل الثوري على الأرض اختلف تماماً وبدأت المقاومة في تنفيذ استراتيجياتها النضالية والتي من خلالها كبحت جماح العدو الصهيوني، وباتت تمثل ندًا حقيقيًا له، من خلال ممارسة سباق التسلح، وتطوير المقاومة لأدواتها والانتقال الكبير في مواجهة العدو، وتحقيق الكثير من جولات الانتصار التي خاضتها المقاومة وأسقطت العدو في وهم متبدد.
اندحار العدو من قطاع غزة، يمثل محطة مهمة في تاريخ الصراع الفلسطيني الاسرائيلي، وهو يؤكد أن هذا العدو لا يفهم إلا لغة القوة، وما أخذ بالقوة لا يمكن أن يسترد إلا بالقوة، وأن المشروع الفلسطيني لا يمكن الحفاظ عليه إلا بلغة السلاح، بعيدًا عن المفاوضات التي أرهقت الفلسطينيين وكبدتهم الكثير من الخسائر، وبالتالي المطلوب من المقاومة الفلسطينية أن تحافظ على هذا المسار الاستراتيجي الذي أسس للكثير من المراحل التاريخية والمهمة والتي تعد تحولاً مدروسًا نحو مواجهة العدو الصهيوني ونحو تثبيت الحق الفلسطيني، وكنس الاحتلال عن أرض فلسطين.
ما فعلته المقاومة عام 2005 وأجبرت الاحتلال على الانسحاب من القطاع، لم تحققه اتفاقية أوسلو، التي تنازلت فيها منظمة التحرير عن 78% من أرض فلسطين، والتحول نحو مسار التفاوض والخضوع للإملاءات الإسرائيلية، وإملاءات المجتمع الدولي والإدارة الأمريكية، والسير نحو تفتيت وتصفية القضية الفلسطينية من خلال هذا الاتفاق المشؤوم الذي شكّل رافعة رئيسة لدولة الاحتلال نحو إلغاء الكفاح المسلح من ميثاق حركة فتح، ومطالبة السلطة الفلسطينية بأن تمارس وظيفتها الأمنية ودورها المهني الذي يحدد أولوياتها في الحفاظ على حياة الإسرائيليين، وحماية دولة الكيان من هجمات المقاومة الفلسطينية المشروعة، وبالتالي فإن هذا الانسحاب يمثل طعنة في خاصرة من وقعوا على اتفاق أوسلو، بعد أن قبلوا بمبدأ التعايش جنبًا إلى جنب مع دولة الاحتلال الصهيوني، وهذا يشي أن طريق المفاوضات لن تحقق أي تقدم في مشروع طرد الاحتلال وكنسه عن أرض فلسطين