بيت الغصين.. العودة إلى الماضي بأدوات الحاضر

بيت الغصين
بيت الغصين

الرسالة نت-رشا فرحات

في البيت العتيق في غزة القديمة وعلى امتداد شارع الوحدة، دخلنا زقاقاً ضيقاً، وعلى سطر البيوت المتراصة إلى جانب بعضها البعض، ولجنا من باب أحمر كبير إلى بيت عائلة الغصين الأثري.

كان هناك الكثير من الحضور الذين أتوا ليروا افتتاح البيت بعد ترميمه حديثاً بدعم من معهد "غوته" في الأراضي الفلسطينية ( Goethe-Institut Ramallah )  وتنفيذ مركز إيوان لعمارة التراث في الجامعة الإسلامية ورواق مركز المعمار الشعبي.

ومن بين الحضور كانت السيدة رحمة الغصين، التي وُلدت وربت في هذا البيت قبل أن تتزوج وتجرها الحياة هي وأخوتها إلى بيوت أخرى جديدة، بل وإلى مدن أخرى بعيدة.

ولكن طفولة السيدة رحمة ظلت تتراقص في البيت القديم، وتصف لك وهي تتنقل بين الأروقة والغرف: هنا كانت غرفة جدي، وهنا غرفة عمتي رقية".

لوقت قصير كان البيت مسكوناً بأهله، وأهله تبقى منهم الحاجة رقية، التي توفيت قبل ثلاثة أعوام وتركت كل ما في الغرف من قصص قديمة مرسومة على الجدران، حتى أتى مركز إيوان وعُرض على العائلة ترميمه بدعم من معهد "غوته"، ليُفتح أمام الزوار ويُستخدم بالتعاون مع وزارة السياحة مكاناً للمناسبات الثقافية والفنية.

رُمم البيت برؤية فنية مختلفة بحيث يرى الداخل اليه الفروق الواضحة بين الماضي الحاضر لبيت بني قبل مائتي عام، مع إدخال بنية تحتية مستدامة ووسائل حديثة تساعد على استخدام المنزل لأغراض ثقافية وسياحية.

يحوي البيت الذي تبلغ مساحته 270 مترا، أيضا حديقة خلفية معطرة ببقايا أشجار اللوز والرمان والعناب والكولونيا، التي احتفظت برونقها رغم وفاة صاحبة البيت الحاجة رقية.

وتعود ملكية هذا البيت إلى الجد الأول شهاب الدين الغصين الذي كان صاحب منصب رفيع في الجيش التركي، والذي بناه مستعينا بمهندس تركي جاء خصيصا ليعمره على طراز البيوت التركية.

وبعد أن تُوفي الحاج شهاب الدين عام 1233، ورث البيت ابنه الحاج حسين الغصين، وعاشت فيه حفيدته رقية الغصين منذ ولادتها عام 1923 وحتى وفاتها عام 2018.

طوال حياة الحاجة رقية، كان البيت مزاراً لكل نساء الحي، يجلسن معها في باحته الواسعة ويتنقلن إلى حديقته العطرة ويتبادلن أحاديث المساء، حتى أُغلق بوفاتها من منذ ثلاثة أعوام وأُعيد فتحه بالأمس في احتفال بسيط وترميم متكامل يعيد إليه حياته.

وتقول حفيدة الحاج شهاب الدين إن البنائين الذين شيدوا البيت من عائلة "زينو" ويقدّر المهندس أمجد الشوبكي المشرف على عملية الترميم أن حجارة البيت نُقلت من مقلع للحجارة في مدينة بيت لاهيا شمال القطاع.

ويوجد في غزة العشرات من المباني التاريخية الأثرية التي يرجع بناء بعضها إلى عصر المماليك والعثمانيين وتتواجد معظمها في أحياء البلدة القديمة، ومنها 400 بيت أثري.

هذه البيوت الأثرية معظمها مهدد بالانهيار؛ بسبب الكثافة السكانية والحاجة لإعادة بنائها في ظل عدم توفر الدعم الكافي لذلك.

يقول المهندس المعماري خلدون بشارة، مدير مركز رواء المتخصص في حفظ المواقع المعمارية وحماية وتطوير التراث المعماري، إن بيت الغصين واحد من 50 ألف مبنى أثري موجود في فلسطين، لكن بفعل عدم وجود استراتيجيات واضحة للترميم ووجود الاحتلال الذي تسبب في دمار الكثير منها أُهملت، ولم يبق منها الكثير.

الآن يمكن لأي زائر أن يدخل بيت الغصين، ويستمتع وهو يشاهد الماضي مرمما بلمسات من الحاضر، ويستشعر الفروق الموجودة على الجدران وفي الغرف وفي النوافذ الكثيرة المنتشرة، ويمكنه أيضا أن يتخيل القصص الكثيرة التي عاشت في تلك الغرف القديمة.