هندسة المتفجرات.. العمل مع الموت لأجل الحياة

صورة من عمل فرق هندسة المتفجرات بالشرطة في تحييد خطر مخلفات الاحتلال بغزة
صورة من عمل فرق هندسة المتفجرات بالشرطة في تحييد خطر مخلفات الاحتلال بغزة

الرسالة نت-رشا فرحات

في مقر هندسة المتفجرات التابع لوزارة الداخلية حياة أخرى، حياة رفيقها الموت في كل ساعة، وكلما تنفس الصدر زفر الخوف من الموت المحقق زفرة قد تكون من نصيب أحد ما، وعقب كل غارة على غزة، وكل تجربة في تصعيد أو حرب، يخرج هذا الطاقم المتكامل بأبسط ما لديه من إمكانيات، ليقتحم الموت إكراما لحياة الآخرين.

برفقة سيارة الإسعاف، أو الدفاع المدني يخرج طاقم هندسة المتفجرات المقسم على قطاع غزة من جنوبها حتى الشمال، فور تلقيه تبليغا عن جسم مشبوه هناك في مكان تعرض للقصف مسبقا، جسم يلزم التعامل معه بدقة وغرابة وغموض حتى يفككه الخبير ويقضي على خطر الموت الكامن بداخله، واضعا روحه على كفه لأجل حياة الآخرين.

دخلت الرسالة إلى تفاصيل هذا العمل في محاولة لنقل بعض من تفاصيله.

طاقم متكامل

أيمن جندية نائب مدير عام الأدلة الجنائية وهندسة المتفجرات أخبر "الرسالة" بأن هناك 1200 عملية إزالة خطر من مخلفات العدوان الأخير على القطاع نجحت فيها الدائرة، لافتا إلى أن كثافة القصف خلفت الكثير من القذائف والمخلفات غير المنفجرة.

ويعتقد جندية أن التعامل مع مخلفات العدوان الأخير كانت أشد خطورة، مشيرا إلى استخدام الاحتلال للأسلحة الجديدة GBU 31 والأكثر خطورة والتي يصل وزنها إلى طن، لذا خلفت الكثير من الشظايا خاصة في مناطق الأبراج والمناطق السكنية التي كانت حقلا لكثير من الأجسام القابلة للتفجير.

وهناك في أعماق الأرض لأكثر من عشرين مترا يمكن أن يجد هؤلاء العاملون مع الموت، شظايا ومتفجرات بل وصواريخ لم تنفجر يصعب التعامل معها لما تفتقده الدائرة من معدات وحتى بدلات مختصة للتعامل مع هذه المخلفات، لأن غزة المحاصرة تفتقد في جملة ما تفتقده جراء الحصار تلك المعدات التي توجد في الأماكن التي تكثر فيها الحروب.

يقول جندية: "لا يوجد لدينا معدات ثقيلة لسحب الصواريخ المدفونة تحت الأرض، رغم وجود طاقم متكامل عدده 120 شخصا للتعامل مع جنون الألغام الذي يسكن الأرض، لكن هذا لا يمكننا من استخراج كثير من الموت المدفون في الأرض.

رحيل الرفاق

 وهكذا تظل الأرض دائما ملغومة بالأخطار يتعرف عليها العاملون في المجال من خلال فحص دقيق وحفر قد يكون خطرا في ظل عدم وجود أجهزة خاصة للحفر والبحث عن الألغام، وقد أثرت هذه المغامرة الخطرة التي اضطر أصحابها إلى خوضها، على أصحاب التخصص فخسرت الدائرة عددا من رفاق العمل لأجل انقاذ حياة آخرين.

يخبرنا جندية أن الأرض الملغومة قد يكثر فيها الشظايا أو قد تنتفخ بشكل غريب، وهذا ينذر بوجود جسم مشبوه أو صاروخ مدفون لم ينفجر، وعليه يجب على المواطن أن يكون واعيا ويقوم بالاتصال بنا مباشرة، قائلا:" في كل مكان يوجد كوادر لنا يتعاملون مع الموضوع سريعا وعاجلا بقدر ما الاستطاعة"

ولم يخل الحديث عن أحداث تحولت إلى كوارث أفقدت الطاقم رفاقا خاضوا معهم خطورة العمل، فيستذكر جندية رفيق عمله المهندس حازم مراد والذي كان يحضر لعملية اتلاف جسم مشبوه، فانفجر ما أدى الى استشهاده مع خمسة رفاق آخرين.

ينقل الفريق الجسم المشبوه بحذر، من المكان الذي وجد فيه، ليبعده كخطوة أولى عن الأماكن المزدحمة بالسكان، وهذا النقل بحد ذاته يشكل خطرا بالغا، فترتجف الأيدي، وتعمل الأخرى بكل حذر، فالاقتراب له طريقته، واللمس له طريقته، وحمل الجسم المشبوه على اختلاف حجمه له طريقة أخرى.

يأخذ الجسم إلى مكان فارغ، يجب أن تبتعد أقطاره على الأقل خمسة كيلو مترات عن أي مكان يسكنه أحد، لضمان عدم إصابة أي من المواطنين، وهكذا فقد رفيق العمل مراد ورفاقه الخمسة حياتهم فبعد أن نجحوا بحمل الجسم المشبوه إلى أبعد نقطة عن السكان انفجر فيهم أثناء محاولتهم اتلافه، فكانوا فداء لآخرين قدر لهم أن يعيشوا.

حب العمل !!

وعن العمل في منتصف حفرة الموت، وبين الألغام تحدثنا إلى المهندس محمد مقداد الذي وصف لنا تجربته بأنها "حب العمل"، وهنا تساءلت "الرسالة" كيف يكون العمل مع المتفجرات والأجسام المشبوهة لثلاثة عشر عاما حبا؟!

ولفت مقداد إلى أن العمل في هذا المجال هو عمل فدائي بالدرجة الأولى، يصبح هدفا من أهداف الحياة بأن يقدم العامل لوطنه وأهله ودينه، مضيفا: جميعنا في طريق واحد، هو طريق الجهاد، وأنا أقاوم بطريقتي وأحب مقاومتي.

يشعر مقداد في كثير من المواقف بالخوف، لكنه لم يحسب عدد المهمات التي شارك فيها عبر ثلاثة حروب وأكثر من خمسة عشر تصعيدا لم يفارق فيها أرض الميدان، بل كان يذهب في منتصف القصف إلى بيوت جاء منها بلاغات عن أجسام مشبوهة وهو يعتقد أنه قد ينجح وقد لا ينجح، وهو في ذات الوقت أب لثلاثة أبناء ولديه من الأحلام الكثير.

عن التدريب المكثف الذي تلقاه وفريقه يقول إنه تدرب على يد الشهيد فارس العشي مدير الإدارة العامة الذي استشهد في الحرب الأولى، وهو مهندس متفجرات درس التخصص في الولايات المتحدة الأمريكية ثم وضع اللبنة الأساسية لطاقم متكامل للتعامل مع مخلفات الحرب والألغام.

وقد تلقى أيضا مقداد تدريبا مكثفا من دائرة الأمم المتحدة لنزع الألغام على يد خبراء دوليين، بالإضافة إلى خبرة العمل التي أضافت له الكثير.

ولا يريد مقداد أن يترك العمل في هذا الحقل، الذي أظهر لنا انتماءه وحبه الشديد له، ولكنه يتمنى أن يعمل في ظل إمكانيات كافية، والتي تعتبر حقا من حقوق غزة، ولكن (إسرائيل) ترفض إعطاءها هذا الحق أيضا.

ويتطلب العمل في المجال حفارات متخصصة وريبوتات متطورة للبحث عن الألغام، تغني عن استخدام الطواقم البشرية وتعريضها للخطر، ولكنها أيضا ممنوعة من دخول القطاع بأمر من الاحتلال.

كما يمنع الاحتلال دخول الدروع الخاصة والستر الواقية التي يلبسها العاملون مع الألغام ومخلفات الحرب وهي تحمل مواصفات دولية ومصنعة خصيصا لحماية الجسم من التعرض للخطر، بالإضافة إلى أجهزة فحص كثيرة ودقيقة كلها يمكن أن تكون مساعدا لعمل مقداد وزملائه، وتحد من نسبة الخطأ الذي يحدث، ولكن (إسرائيل) ببساطة تريد للجميع في هذه البقعة أن يموت، بكافة الطرق.