أصبحوا ثلاثة شهداء

في منزل العابد .. كلما سقطت الراية حملها شقيقه من بعده 

الرسالة نت- رشا فرحات

"من لم تودع ابنها بابتسامة لم تحبل ولم تلد"   
كأن معين بسيسو كتب تلك الجملة بالذات لخنساء فلسطين أم أحمد العابد، التي قد تثيرك صورتها وأنت تنظر إليها تقبل جبين ابنها مصطفى الشهيد الثالث من أبناءها، ثم تلف ظهرها وتخرج ! 
هكذا فتحت الأم درجا في ثلاجة، مدد عليه جثمان ابنها مصطفى العابد، كشفت وجهه وطبعت قبلة، وهمست في أذنه بكلمات لم نسمعها، ثم غطته، رتبت الغطاء كما ينبغي لأم أن تفعل حتى يشعر ابنها بالدفء، وأغلقت عليه الباب. 
الشهيد مصطفى العابد، ليس رقما، هو الابن الثالث، القطعة الثالثة التي قسمت من قلب أم أحمد العابد، فقد سبقه محمود وخالد. 
في رحلة القتال هذه حمل أبناء العابد الثلاثة راية نصر، وكلما استشهد أحد منهم، حمل شقيقه الراية، حتى استشهاد مصطفى العابد اليوم.  
كان محمود أول قطعة أخذت من قلب أم أحمد، استشهد في كمين نصبته قوات القسام في عام 2004 لدورية من القوات الصهيونية الخاصة شمال منطقة بيت لاهيا وعندما تقدمت القوة الخاصة لتتمركز في أحد الكمائن المسماه " كمائن الموت " أنقض عليها محمود وزملاؤه بنيران أسلحتهم الرشاشة وقنابلهم اليدوية قسامية الصنع ، أسفرت عن مصرع أربعة من جنود الاحتلال، واستشهاده. 
ولأن الشهادة كرم من الله، ارتقى خالد ، الشهيد الثاني لآل العابد، في الحرب الأولى على غزة مقاوما شهيدا ثان، قطعة أخرى من قلب أم أحمد، التي لقبها أهل غزة بخنساء فلسطين. 
في قلب أم أحمد كثير من الحسرة، يغلفها كثير من الصبر والصمود، فهي أم تقطع قلبها قطعة تلو القطعة، وسلمت ابنا تلو الآخر، حتى أصبحوا ثلاثة شهداء. 
بصوت تظهر نبرته حسرة الأم تقول أم أحمد لابنها الممدد : "مصطفى حبيبي، تقطعنيش، تعال في المنام يا حبيبي". 
ثم تردد ما قالته عشرات المرات لكثير من المصورين:" نحن أهل رباط والله أكرمنا في أبناءنا، والأقصى يجب أن يتحرر، كل شيء يعوض، البيوت والشباب، وكما ودعت محمود وخالد، أودع اليوم مصطفى ثلاث قطع من قلبي سبقوني إلى الجنة ". 
هكذا تلك المرأة، وقفت قوية صامدة، تحتضن زوجة مصطفى إلى جانبها، لا تأسف على شيء سوى أن ابنها سبقها نحو الجنة، " أقصانا لا يعوض، بيوتنا تعوض، وشبابنا تعوض، وكل من عليها فان، وإذا كنا سنموت، لماذا لا نموت شهداء" ؟ 
وحينما تنطفئ كاميرات المصورين، وينزل الليل لباس ظلامه، ستذهب أم أحمد إلى فراشها كالعادة، وستبكي ابنها الثالث، كأي أم تلتهب في صدرها نار الفقد، لكنها ستبتسم في لحظة يقين، لأنها وحدها من علمت أبناءها كيف يختارون الحياة، ثم كيف يختارون الموت ؟