نُونُ النِّسوةِ وسباقُ الديمقراطية

سميرة نصار.PNG
سميرة نصار.PNG

سميرة نصار

 نونُ النسوةِ ثقيلةٌ بالقراءةِ؛ وعندَ استرسالِ الخطابِ تُلعثِمُ المتكلّمينَ؛ وتُوقِفُ الكثيرينَ؛ ويهربُ منها المُبتدِئونَ؛ وتزدادُ قوّتُها وحِدّةُ صوتِها حينما تقترنُ بالفعلِ الحازمِ؛ الذي أصبحَ واقعاً أو صار ماضياً ..
نونُ النسوةِ وسباقُ الديمقراطيةِ ، فصاحبةُ النونِ (المرأةُ )؛ تخوضُ غمارَ هذا السباقِ كالمستضعفينَ والأقليّاتِ الذين صنعَ لهم القانونُ الدولي ما تُعرَفُ "بالكوتا" أي حصةِ وجودِ؛ "فالكوتا" آليّةٌ يتمُّ استخدامُها كَحَلٍّ لمشكلةِ ضعفِ مشاركةِ النساءِ في الحياةِ السياسيةِ؛ سواءٌ بالعزوفِ أو الإقصاءِ عن مراكزِ صنعِ القرارِ في سباقاتِ الديمقراطيةِ المختلفةِ .
كلُّ حدَثٍ انتخابي على الساحةِ الفلسطينيةِ يبدأُ الَّلتُ والعَجْنُ، والأَخذُ والعطاءُ في نسبةِ حصّةِ المرأةِ في القانونِ الانتخابي العاملِ به.
ففي انتخاباتِ (1996)؛ وهو أولُ مجلسٍ تشريعي بعدَ اتفاقيةِ "أوسلو"؛ كان هناك فقط (5) برلمانياتٍ ليُشكِّلنَ بذلكَ (5.6%) من إجمالي عددِ أعضاءِ المجلسِ التشريعي الأولِ؛ البالغِ (88) عضواً في وقتِه، و في انتخاباتِ (2006) كانت (17) نائبةً عبرَ "كوتا" نسبتُها (20%)، وبعدَ احتدامٍ دامَ طويلاً بينَ المطالباتِ النسويةِ والقائمينَ على تشريعِ القوانين؛ أُقِرَّ(26%) لكوتا المرأةِ؛ وذلكَ في عامِ (2017) والتي سيُعملُ بها في انتخاباتِ (2021)؛ وهي انتخاباتُ المرحلةِ الأولى لانتخاباتِ المجلسِ الوطني؛ بعدَ خصامٍ طويلٍ مع الديمقراطيةِ؛ وذلكَ لو ظفرتْ النوايا الحسَنةُ .
لكنّ السؤالَ القديمَ الحديثَ، والذي سألَه الكثيرونَ والكثيراتُ من قَبلي؛ متى ستتغيّرُ الثقافةُ الحزبيةُ والمجتمعيةُ، والصورةُ النمطيةُ لاعتلاءِ المرأةِ مراكزَ صُنعِ السياساتِ ووضْعِ القراراتِ؟
هذا يبدأ من داخلِ الأحزابِ والتجمّعاتِ السياسيةِ والمجتمعيةِ أولاً ..حينما فُرضَ وجوبُ وجودِ (30%) للمرأةِ داخلَ قوائمِ الأحزابِ؛ كانت الأزمةُ الحقيقةُ لجميعِ القوائمِ بلا استثناءٍ؛ فلم يَسبقْ لها أنها كوّنتْ قاعدةً قويةً لها من النساءِ اللواتي يستطِعنَ أنْ يملأنَ تلكَ المقاعدِ ، فدخلتْ في مشكلةِ الاختياراتِ التي أصابت أحياناً؛ وزلّتْ عن الصوابِ أحياناً أخرى ..

في إحدى اللقاءاتِ الصحفيةِ لرئيسِ قائمةٍ.. قال إننا انضبطْنا "بكوتا" المرأةِ؛ وهي موجودةٌ وجوداً لافتاً؛ "فالكوتا" في قناعاتِهم هي قانونٌ يجبُ الالتزامُ به مَخافةً من المخالفةِ القانونيةِ والطعونِ في القائمةِ؛ لا بموجِبِ الشراكةِ والتكاملِ المجتمعي، والتي تمنيّتُ لو دُندِنَ بها ..
إضافةً إلى أنّ "الكوتا" لا تُعطي المرشحةَ ندّيةً مع الرجلِ؛ فإحساسُ النديّةِ والمنافَسةِ يدفعُ للإنجازِ والإقدامِ؛ ولكنّ المرأةَ في وطني وفي الوطنِ العربي كافةً تتمسّكُ بها وتَعدُّها مهمّةً في مشهدِنا الذكوري ، كما أننا لا نجدُ نساءً مستقِلّاتٍ يَقُمنَ بترشيحِ أنفُسِهنّ في سباقاتِ الانتخاباتِ؛ فهُنّ يَعلَمنَ أنهنَّ لن يَفُزنَ دونَ دعمِ الحركاتِ والأحزابِ .
كما تكونُ كفّةُ المرأةِ للأسفِ خاسرةً بزيادةٍ حينما يكونُ نظامُ الانتخاباتِ وفقَ نظامِ الدوائرِ؛ فالنظامُ النّسبي خدمَ ويخدمُ المرأةَ بشكلٍ لافتٍ .
وعندما نُخلِعُ المرأةَ ثوبَ الضحيةِ في ذاتِ المضمارِ؛ ليكونَ الإنصافُ سِمةً لكلامِنا؛ نرى أنّ المرأةَ ظلمتْ نفسَها أحياناً؛ قبلَ الغيرِ ليُشارَ إليها في وضعِ قوةٍ وهيبةٍ وتسويقٍ لقدراتِها وحضورِها قبلَ أنْ تُسوِّقَها "الكوتا" .
أعلَمُ جيّداً بأنّ واقعَ الرجلِ ووظائفَه الحياتيةَ تختلفُ عن المرأةِ؛ فحينما تصبحُ زوجةً وأُمّاً تتكبّلُ بكثيرٍ من القيودِ؛ فتتأخّرُ في "مراثون" الإنجازِ والحضورِ؛ وهي تَبني قواعدَ أسرتِها ؛ ولكنْ يجبُ عليها أنْ تَعلمَ أنّ هذا الوقتَ يجبُ أنْ لا يكونَ طويلاً.. فَفُصولُ الحياةِ تتوالَى..
وهناكَ وَجهٌ آخَرُ للمرأةِ أكثرُ سَواداً وقتامةً في قِلّةُ الثقةِ بذاتِها؛ وأنها لا تستطيعُ مسابقةَ الرجلِ ونِديَّتَه.. فتَكبحُ قدراتُها واندفاعُها لاعتلاءِ قِممِ الجبالِ، أو الأحرى لتُفسِحَ لنفسِها موقعاً هناك ..

ووسطَ هذا وذاكَ، وبعدَ الإعلانِ عن القوائمِ والوجودِ الملفتِ للمرأةِ هذه المرّةَ ما عليها الآنَ سِوَى استغلالِ هذا الوجودِ استغلالاً جيداً؛ لتكونَ دَوراً لا رقماً في هذا السباقِ الديمقراطي، ومن ثَم تحتَ قُبّةِ البرلمانِ؛ ليَجتازَ شعبُنا عُنقَ الزجاجةِ التي حُشرِ فيها خمسةَ عشرَ عاماً؛ لأنه عاشَ قبلها سباقاً ديمقراطياً؛ ولكنّ المجتمعَ الدولي أقلَقتْه النتيجةُ النهائيةُ فكان ما كان ..

البث المباشر