"إسرائيل" تلوث وتدمر موارد "المتوسط" ثم تتهم الآخرين بالإرهاب البيئي

"إسرائيل" تلوث وتدمر موارد "المتوسط" ثم تتهم الآخرين بالإرهاب البيئي
"إسرائيل" تلوث وتدمر موارد "المتوسط" ثم تتهم الآخرين بالإرهاب البيئي

الرسالة نت

"إسرائيل" تلوث وتدمر موارد "المتوسط" ثم تتهم الآخرين بالإرهاب البيئي

جورج كرزم

خلال الثلث الأخير من شهر شباط الماضي، امتد التلوث بالنفط الخام والقطران وانتشر في جميع الشواطئ الفلسطينية من رأس الناقورة شمالًا وحتى عسقلان وأسدود جنوبًا، بالإضافة إلى الساحل الجنوبي للبنان.

 ويعد هذا التلوث أخطر تلوث بحري ضرب الساحل الفلسطيني منذ عقود.  ويقدر الخبراء بأن تنظيف وإزالة التلوث النفطي من الشواطئ بشكل كامل قد يستغرق بضع سنوات.  طول الشواطئ الفلسطينية المحتلة التي تلوثت أكثر من 170 كم، وأكثرها تلوثًا عند قرانا الفلسطينية المدمرة جنوب حيفا، وتحديدًا: كفر لام (مستعمرة "هبونيم")، الطنطورة، يافا، عيون قارة ("ريشون لتسيون")، قرية الحرم/ سيدنا علي ("هرتسيليا")، وبالطبع حيفا أيضًا، وصولًا إلى أسدود وعسقلان جنوبا.

زعمت إسرائيل في البداية، بأن التلوث البحري ناجم عن قطعة بحرية أو سفينة مجهولة في عرض البحر، تسربت منها كمية من النفط إلى البحر بعشرات الأطنان (لاحقًا زعمت وزارة البيئة الإسرائيلية بأن كمية النفط أكثر من ألف طن!)، بعمق نحو 50 كم عن الساحل الفلسطيني (وبعد بضعة أيام قالت وزارة البيئة الإسرائيلية بأن بقعة النفط كانت بعمق 130 كم!). 

الوزارة ذاتها قالت، منذ الإعلان عن تلوث الشواطئ، بأنها تعكف على دراسة المعلومات الواردة من وكالة السلامة البحرية الأوروبية (EMSA)، والتي تفيد بأن بقعة نفطية رُصدت على بعد حوالي 50 كم من الساحل الفلسطيني هي مصدر التلوث، وقد تم التعرف على البقعة بعد تحليل أجراه القمر الصناعي التابع للاتحاد الأوروبي. وذكرت الوزارة أيضًا بأنه تم تحديد عشر سفن مرت في محيط الموقع وأن إحداها قد تكون مسؤولة عن التلوث.

لكن، في الأيام الأولى التي تلت تلوث الشواطئ، فرضت "إسرائيل" تعتيمًا إعلاميًا حول سبب التلوث والتحقيقات ذات الصلة.  لماذا تم إخفاء المعلومات المتعلقة بالتحقيق الإسرائيلي في كارثة التلوث النفطي؟  ربما للتستر على الدور الإسرائيلي في التلويث البحري الناتج أساسًا من عمليات التنقيب الإسرائيلية عن النفط واستخراجه بمحاذاة شواطئ المتوسط؛ بما في ذلك في مناطق بحرية تتميز بخاصية إيكولوجية/ بيئية فريدة، مثل البيئة البحرية المحيطة بالخضيرة وقيسارية.

"إسرائيل" كانت بحاجة لفترة التعتيم، كي تتمكن فيها من فبركة رواية لتسويق زعمها حول سبب التلوث، والذي يفتقر للأدلة العلمية الصلبة.

التعتيم الإعلامي فرضته وزارة البيئة الإسرائيلية التي استصدرت أمرًا من محكمة الصلح بحيفا يمنع نشر كل ما يتعلق بمجريات التحقيق في تلوث الشواطئ بالقطران. الأمر القضائي الذي صدر بناءً على طلب الوزارة، يحظر نشر أي تفاصيل عن التحقيق قد تؤدي إلى التعرف على السفينة المشتبه في تورطها بالتلوث.  فترة سريان مفعول الأمر حتى 28 شباط الماضي. وبررت وزارة البيئة الإسرائيلية أمر الحظر بأن "نشر المعلومات في هذه المرحلة الحساسة يمكن أن يعرقل التحقيق المعقد ذو الأبعاد الدولية".  تبرير الوزارة لم يقنع بعض وسائل الإعلام الإسرائيلية، فتقدمت الأخيرة بطلب للمحكمة لإلغاء الأمر القضائي أو تقليصه؛ ما دفع المحكمة إلى تقليص مدى الحظر المفروض على نشر المعلومات المتعلقة بتحقيق تلوث الساحل.

بعد أقل من أسبوعين من بدء تلوث الشواطئ، وتحديدًا في الثالث من آذار، وفي ظل التعتيم الإعلامي الإسرائيلي، أعلنت "غيلا غمليئيل" وزيرة البيئة الإسرائيلية، بأن "نتائج التحقيق الإسرائيلي" كشفت بأن ما أسمته "الإرهاب الإيراني" هو المسؤول عن التلوث البحري، وبأن السفينة المسؤولة عن التلوث كانت ناقلة نفط مملوكة لشركة ليبية تحمل علم بنما، غادرت إيران وأبحرت في المياه الاقتصادية الإسرائيلية، حيث سكبت النفط الخام، ومن ثم اتجهت نحو سوريا، وهي (أي الناقلة) موجودة حاليا في إيران، و(إسرائيل) ستطالب بالتعويضات.  وبسطحية صبيانية، أشهرت "غمليئيل" الديباجة المعدة سلفًا، بأن إيران "تمارس الإرهاب ليس فقط بالسلاح النووي، وإنما أيضًا من خلال الإرهاب البيئي".     

منظومة الأمن الإسرائيلية زعمت بأن تصريح "غمليئيل" أخذها على حين غرة، إذ أن تلك المنظومة لم تشارك في التحقيق على الإطلاق؛ كما لم يتم إشعار الجيش والمخابرات وسلاح البحرية مسبقًا بشأن إدعاء وزيرة البيئة أن إيران وليبيا متورطتان في قضية التلوث النفطي في البحر المتوسط.

السؤال الوجيه المطروح: إذا كانت إيران مسؤولة فعلًا عن التلوث البحري، وبالتالي، بالنسبة لإسرائيل يوجد بعد أمني من الدرجة الأولى للحادث، فهل يُعقل أن منظومة الأمن والمخابرات الإسرائيلية لم تكن في صورة التحقيق المزعوم كما أعلنت وزيرة البيئة الإسرائيلية؟  الاستنتاج الأولي يؤكد بأن زعم وزارة البيئة الإسرائيلية لا أساس له من الصحة وهو مجرد فبركة إعلامية هدفها استثمار حادث التلوث في سوق الدعاية الانتخابية، عشية انتخابات "الكنيست" الإسرائيلي.  

وما يؤكد أن الاتهام الإسرائيلي لإيران مجرد مسرحية هزيلة سيئة الإخراج، أن منظمة "جرين بيس" البيئية الدولية انتقدت بشدة زعم "جمليئيل" القائل بأن التلوث كان "عملًا إرهابيًا إيرانيًا متعمدًا"، ووصفت ادعائها بــ "الفاضح والمفتقر إلى أي أساس واقعي؛ فسلوكها هذا تفوح منه رائحة الدعاية الانتخابية، ومحاولة مراكمة رأس مال سياسي على حساب الكارثة البيئية الخطيرة". 

المنظمة نفسها، أطلقت تحقيقًا مستقلاً حول التلوث، بالتعاون مع نظرائها العالميين، وأشارت إلى أن الطريقة العلمية الوحيدة للتحقق من أن سفينة بعينها هي مصدر التلوث، تتمثل في مقارنة عينات من المواد التي حملتها، بالقطران المنتشر في السواحل الفلسطينية؛ علمًا أنه حتى الآن، لم يتم الإبلاغ عن مثل هذه المقارنة. 

الخلاصة أن خبراء الشحن البحري إجمالًا، لم يقتنعوا إطلاقًا بوجود أدلة كافية تدعم الرواية الإسرائيلية المزعومة. 

في الرابع والعشرين من شباط/ فبراير الماضي، وتحديدًا بعد يومين من قرار المحكمة الإسرائيلية فرض تعتيم إعلامي على ملابسات التلوث البحري، وفي محاولة فاشلة لإكساب الرواية الإسرائيلية حول "الإرهاب الإيراني" المزعوم (الرواية التي خُطِّط الإعلان عنها لاحقا)- لإكسابها مزيد من الإثارة، وبالتالي خلط الأوراق البيئية بالعسكرية، زعمت "إسرائيل" بأن الانفجار الغامض في سفينة الشحن الإسرائيلية في بحر عُمان ناتج عن قصف صاروخي إيراني؛ علمًا أن إيران فندت الزعم الإسرائيلي، وأظهر مقطع فيديو للسفينة، مصدره طائرات إيرانية مسيرة، بأن الثقوب موجودة أصلًا في السفينة من الداخل، وغير ناتجة عن قصف خارجي، بل إن عناصر في داخل السفينة تسببت في الانفجار الداخلي، وذلك، كما يبدو، من خلال إلصاقها ألغاما في بطن السفينة، إذ أن التفجير كان من الداخل إلى الخارج وليس العكس، وهذا يبدو أيضًا من شكل الثقوب. 

القادة السياسيون الإسرائيليون، دأبوا خلال السنوات الأخيرة، على تأجيج الخوف في أوساط اليهود الإسرائيليين، بهدف الحفاظ على دعمهم للسياسات الحكومية ولنتنياهو تحديدا؛ بدءا من القنبلة النووية الإيرانية، مرورًا بخطر 'الإرهابيين" الكائنين في كل مكان، وانتهاء بالتلويح بالتهديدات الوجودية.

الإرهاب الإسرائيلي ضد البيئة البحرية

من المعروف أن شركات النفط الإسرائيلية والأسطول البحري الإسرائيلي المدني والعسكري يلعبان دورًا أساسيًا في تلويث وتدمير البيئة البحرية.  ففي السنوات الأخيرة، وسعت إسرائيل وعمقت استغلالها واستعمالها للوقود الملوِّث، بدلًا من التوجه نحو الاقتصاد النظيف وغير الكربوني.  كما أن الأخيرة تستخرج حاليا وتنهب كميات ضخمة من الغاز الطبيعي الذي، أثناء عملية استخراجه، تتولد منه كمية نفط ملوِّثة كبيرة.

"إسرائيل" فاقمت تدمير وتلويث مياه البحر المتوسط وشواطئه.  ومن بين أمور أخرى، التخريب الإسرائيلي للبيئة البحرية ناتج عن منح أكثر من مائة ترخيص رسمي يسمح بتدفق المياه العادمة غير المعالجة وملوثات أخرى إلى البحر، بما في ذلك تدفق ملايين الأمتار المكعبة من الحمأة سنويًا. 

يضاف إلى ذلك التدهور الحاصل بسبب التوسع الإسمنتي السكني والسياحي المكثف في المناطق الساحلية الفلسطينية، وتَوْسِعَة الموانئ ومشاريع التنقيب عن النفط والغاز.  الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة تفضل مصالح أصحاب الأعمال والمُلَوِّثين، على حساب البنية الإيكولوجية البحرية والبرية.

كما أن التنقيب الإسرائيلي عن النفط والغاز واستخراجهما يشكل الخطر الأكبر على البحر المتوسط؛ علمًا أن عمليات التنقيب الجارية حاليًا تتسبب في أذى مميت للأحياء والنباتات البحرية. 

بعض خبراء البيئة والبحار الإسرائيليين عَبَّروا مؤخرا عن قلقهم من استمرار عمل منصات التنقيب عن النفط والغاز التي تشوش التركيب الطبيعي للأحياء البحرية في مقاطع البحر المتوسط المقابلة للساحل الفلسطيني؛ علمًا أنه أثناء أعمال التنقيب والفحص والتطوير والاستخراج تتسرب مواد سامة إلى البيئة البحرية.

وقد ظهرت في السنوات الأخيرة أنواع بحرية غريبة وصلت إلى البحر المتوسط؛ الأمر الذي يقلق خبراء البحار.  ويتخوف الخبراء من أن تُخِلّ الأنواع الجديدة بالتوازن الطبيعي وتستولي على مصادر غذاء الأنواع القائمة؛ ما يؤدي إلى الإضرار بالأخيرة، بل والتسبب في انقراض بعضها.

يشار إلى أن برنامج الأمم المتحدة للبيئة (UNEP) اقترح جعل منطقة التنقيب مقابل الساحل الفلسطيني واحدة من المحميات الطبيعية الاثنتي عشرة لأعماق البحر المتوسط. 

مشاريع إسرائيلية عديدة تتسبب في تدهور البيئة الساحلية والبحرية الفلسطينية.  فعلى سبيل المثال، شرعت ما يسمى "دائرة أراضي إسرائيل" بتنفيذ مخططات تهدف إلى بناء آلاف الوحدات السكنية على شاطئ عتليت شمال فلسطين.  كذلك هناك مخططات لإنشاء مرافق ترفيهية وسياحية إسرائيلية في العديد من مقاطع البحر المتوسط شمال فلسطين، بما في ذلك مسابح إضافية ومئات الوحدات السكنية.  كما يجري حاليًا العمل على إنشاء مرافق ترفيهية ومتنزهات ساحلية على الشاطئ الشمالي لقرية كفر لام الفلسطينية المدمرة التي هُجِّر أهلها عام 1948.

يضاف إلى ذلك، وجود مخطط لتوسعة القرية الترفيهية القائمة على أنقاض قرية الطنطورة الفلسطينية الساحلية، بإضافة مئات الوحدات السكنية، علمًا بأنه قرب مسبح "عين دور" على أرض الطنطورة، يوجد موقف كبير للسيارات أقيم على قطعة أرض تقع فوق مقبرة جماعية للشباب والرجال الفلسطينيين الذين جرت إبادتهم على أيدي عصابات "الهاغانا" عام 1948.

كما توجد مخططات إضافية لتوسعة القرى الترفيهية وإنشاء تجمعات جديدة تضم آلاف الوحدات الترفيهية على شواطئ القرى المدمرة في جبع وصرفند وغيرها من القرى الفلسطينية الواقعة جنوب حيفا.

إن إقامة "إسرائيل" وتشغيلها لمنشآت الغاز والنفط ترافق مع إنشاء بنى تحتية للتنقيب وشبكة أنابيب في مناطق حساسة إيكولوجيا، في قلب البحر. وهذا يعني أن أي تسرب نفطي من الأنابيب أو أي خلل في منشأة التنقيب قد يؤدي إلى تلوث بحري كبير، على غرار التلوثات التي حدثت في السنوات الأخيرة في خليج المكسيك وأماكن أخرى في العالم.  من هنا، يمكننا الافتراض بأن السبب الحقيقي لتلوث البيئة البحرية والشواطئ الفلسطينية واللبنانية، هو التسرب النفطي من منصات الغاز والنفط الإسرائيلية.

وبالإضافة للمواقع البحرية التي وجد فيها الغاز، تخطط "إسرائيل" للتنقيب عن الغاز والنفط البحري في 15 حقل إضافي.  ويتوقع، في المستقبل القريب، أن تنشئ "إسرائيل" منصات بحرية كبيرة إضافية لمعالجة الغاز مقابل الشواطئ الفلسطينية.  كما ستضاف مداخل إضافية لشبكة الأنابيب من البحر إلى الشاطئ.  ومن المعروف أن التنقيب عن الغاز في البحار قد يشكل خطرا جديا على البيئة البحرية.  فعلى سبيل المثال، حدث عام 2012 تسرب من منشأة غاز تشغلها شركة Shell في البحر الشمالي.  ومثل هذا التسرب قد يلوث البحر بالكربوهيدرات السامة للنباتات والأحياء البحرية.  وقد تبين، على سبيل المثال، وجود 12 نوعًا مائيًا غريبًا في محيط إحدى منصات التنقيب الإسرائيلية.

ويخشى الخبراء من احتمال تسرب نفطي أو إصابة المنصات وحدوث انفجارات خطرة، إلا أنهم يفضلون التركيز على احتمالات الضرر البيئي، ويشيرون إلى أن للتفتيش عن الطاقة واستخراجها أبعاد بيئية مدمرة، معظمها ناتج عن تشغيل المنصات، وبعضها قد ينتج عن حوادث أو خلل أو "عمل معاد".

علاوة على ذلك، تواصل "إسرائيل" استغلال واستنزاف وتدمير الموارد البحرية والشواطئ الفلسطينية. وتدل جميع المؤشرات على أن أوضاع الثروة والبيئة البحرية الفلسطينية ستزداد تدهورا، بسبب محطات تحلية مياه البحر الإضافية المتوقع إنشائها، والتوسع في عمليات التنقيب عن الغاز الطبيعي مقابل الشواطئ الفلسطينية؛ ما قد يؤدي إلى كارثة بيئية ذات بعد اقتصادي مدمر.

كما تتسبب مشاريع التحلية الإسرائيلية التي تستنزف الطاقة والأراضي الساحلية الفلسطينية المحدودة، وتهدد بيئة الشواطئ، في مزيد من تدهور البيئة البحرية؛ إذ تتسرب منها نحو البحر، وعبر الأنابيب، كميات الأملاح المركزة المتبقية بعد عمليات التحلية؛ ما قد يتسبب في تكون "صحراء ملحية" قرب موقع خروج الأنابيب.  كما، وأثناء عملية التحلية، تستعمل أنواع مختلفة من المواد الكيميائية التي تتدفق بدورها إلى البحر.  وتعمل حاليًا على طول الساحل الفلسطيني ثلاث محطات تحلية تنتج أكثر من 700 مليون متر مكعب من المياه سنويا.

والأنكى من ذلك، أن الاحتلال الإسرائيلي، يحاصر بوحشية قطاع غزة ويتسبب في انقطاع كبير ومتواصل للكهرباء والوقود، وبالتالي شل عمل محطات جمع المياه العادمة ومعالجتها؛ ما يؤدي إلى تدفق آلاف الأمتار المكعبة من المياه العادمة غير المعالجة يوميًا نحو شواطئ بحر غزة؛ والنتيجة، تلوث خطير لتلك الشواطئ ومياه البحر والثروة السمكية. 

خلفيات التلوث البحري والاتفاقيات الدولية

شهدت فلسطين التلوث النفطي منذ السبعينيات. وفي البدء، كان النشاط المستمر وغير المنضبط لحركة ناقلات النفط في البحر الأبيض المتوسط ​​وخليج أم الرشراش (إيلات) هو السبب الرئيسي لذلك التلوث.  لكن في السنوات الأخيرة، نجمت الحوادث عن حدوث خلل فني أو أنشطة غير قانونية- كما حدث في شباط الماضي، على بعد عشرات الكيلومترات من الشواطئ الفلسطينية.

ووفقًا لأحدث البيانات الصادرة عن وحدة معالجة التلوث البحري التابعة لبرنامج الأمم المتحدة لحماية البحر المتوسط، تحدث سنويًا 1500-2000 حادثة تسرب نفطي في البحر المتوسط، لأسباب مختلفة. وبحسب أحد التقديرات، فإن كمية النفط المتسربة (بشكل غير قانوني) سنويا تتراوح بين 50-100 ألف طن. 

وللمقارنة، تشير التقديرات إلى أنه في حادث التلوث الأخير تراوحت كمية النفط المتسربة إلى البحر بين عشرات إلى مئات الأطنان.

وعلى المستوى القانوني الدولي، فرضت الاتفاقية الدولية الخاصة بحظر التلوث البحري (MARPOL) سلسلة من المحظورات على تلويث البحر بالمخلفات النفطية.

مخاطر التلوث البحري الأخير

المخاطر الكيميائية للتلوث البحري الأخير ناجمة أساسًا عن القَطران (الزفت) التي تحوي مكونات سامة، بما في ذلك مواد عضوية متطايرة، وكبرتيد الهيدروجين ومعادن ثقيلة.  الحكة القوية في الجلد هي الضرر الفوري المباشر لملامسة القطران جسم الإنسان.

وتنعكس الأضرار الناتجة عن التلوث البحري سلبًا على السياحة البحرية والسِباحة، بالإضافة إلى أضرار كبيرة على الاقتصاد البحري، والثروة السمكية والحيوانات البحرية، مثل الثدييات والسلاحف البحرية التي نفقت أو أصيبت إصابات خطيرة، وهي في منطقتنا تتعرض أصلا لخطر الانقراض.

اللافت أن الحكومة الإسرائيلية خصصت 45 مليون شيقل لمعالجة التلوث الساحلي ونقل المخلفات إلى مكبات النفايات وإعادة الوضع إلى سابق عهده. 

ومؤخرًا، أعلنت وزارات الصحة والبيئة والداخلية الإسرائيلية عن السماح بممارسة الرياضات المائية في جميع الشواطئ، بعد أن تبين بأن عينات مياه البحر التي تم فحصها طبيعية.  كما سُمِح أيضًا بالإقامة وممارسة النشاطات في الشواطئ ذاتها في 17 موقعا، حيث انتهت فيها عمليات تنظيف القطران. وتتواصل في الشواطئ الأخرى عمليات التنظيف والمراقبة، ويمنع البقاء فيها. وخلال الأيام الأخيرة انبعثت كتل جديدة من القطران على الشواطئ في منطقة حيفا وطيرة الكرمل.

تقنيات المراقبة والرصد

خلال السنوات الأخيرة، تم تطوير تقنيات لمراقبة ورصد التلوث البحري، مثل تشغيل منظومة ردارية ترصد التيارات والأمواج البحرية، وبحسب المعطيات الناتجة يمكن تتبع مسار وتقدم بقع التلوث وتحديد مصدرها وبالتالي معالجتها.  تقنية أخرى تعتمد على نشر طوافات مائية ووضعها داخل بقع التلوث.  ومن خلال بث الأقمار الصناعية يمكن تتبع مسار حركة وتقدم التلوث.

يبلغ طول الشواطئ الفلسطينية التي تلوثت مؤخرًا بالقطران أكثر من 170 كم، وأكثرها تلوثًا عند قرانا الفلسطينية المدمرة جنوب حيفا.  في الأيام الأولى التي تلت تلوث الشواطئ، فرضت "إسرائيل" تعتيمًا إعلاميًا حول سبب التلوث والتحقيقات ذات الصلة. "إسرائيل" كانت بحاجة لفترة التعتيم، كي تتمكن في أثناءها من فبركة رواية لتسويق زعمها أن إيران سبب التلوث، والذي يفتقر للأدلة العلمية القوية. منظمة "جرين بيس" البيئية الدولية انتقدت بشدة زعم وزيرة البيئة الإسرائيلية "جمليئيل" القائل بأن التلوث كان "عملاً إرهابياً إيرانياً متعمداً"، ووصفت ادعائها بــــ "الفاضح والمفتقر إلى أي أساس واقعي...".

"إسرائيل" التي تتمادى في تلويث وتدمير موارد البحر المتوسط وشواطئه الفلسطينية تتهم الآخرين بالإرهاب البيئي. فمن المعروف أن شركات النفط الإسرائيلية والأسطول البحري الإسرائيلي المدني والعسكري يلعبان دورًا أساسيًا في تلويث وتدمير البيئة البحرية.  ففي السنوات الأخيرة، وسعت "إسرائيل" وعمّقت استغلالها واستعمالها للوقود الملوِّث، بدلًا من التوجه نحو الاقتصاد النظيف وغير الكربوني. كما أن "إسرائيل" تستخرج حاليًا وتنهب كميات ضخمة من الغاز الطبيعي البحري الذي، أثناء عملية استخراجه، تتولد منه كمية نفط ملوِّثة كبيرة.

المصدر : آفاق البيئة والتنمية