قبل إعادة اعتقاله ...

الأسير مجد بربر: فاطمة كانت وطني لعشرين عاما

مجد بربر وفاطمة
مجد بربر وفاطمة

الرسالة نت- رشا فرحات

وكأن فاطمة ولدت من جديد، تقفز كطفلة من بعيد، قبل أن يخرج مجد من البوابة، وتركض مسرعة نحوه، بلهفة المشتاقة العاشقة، وقبل الخطوة الأخيرة توقفت، لتسمح لزينة ومنتصر أن يفوزا في هذا السباق، ويعانقا والدهما قبلها، بعد عشرين عاما خلف القضبان ها هو مجد حر أمامها.

لهما أن يبدآ العناق، فقد أسر والدهما ومنتصر ابن عام ونصف، وها هو الآن على أبواب التخرج من الجامعة، بينما كانت زينة ابنة خمسة عشر يوما، ولم تحظ خلال سنوات اعتقاله العشرين برؤيته سوى مرة واحدة، فلها أن تحتضن والدها بعد أن أصبحت صبية.

خرج بربر مساء يوم الاثنين في حفل مليء بالزغاريد، عرس جديد يعود بالقصة إلى البدايةـ، إلى فاطمة بربر، الزوجة المبتهجة بثوبها المطرز وهي تقفز كالفراشات أمام بوابة السجن: "أنا مش مصدقة أنه مجد رجع، عشرين سنة ورجع".

تعيش اللحظة والأخرى، وبين اللحظة واللحظة عشرون عاما من المسؤولية الطويلة التي عاشتها فاطمة وحدها، وهي تستذكر ما حدث حينما اقتحمت المخابرات الإسرائيلية المنزل في القدس الساعة 11 ليلا " كان منتصر نائما وزينة تبكي، وأنا في حالة نفاس لم يمض على ولادتي سوى خمسة عشر يوما، فتشوا المنزل، وبعد خروجهم عادوا من جديد وفتشوا أكثر من مرة في تلك الليلة".

لم يعد الأسير بربر تلك الليلة، ولم تحاول فاطمة الاتصال به، خوفا من تعرف الاحتلال على مكانه، ولكنها بعد ليلتين عرفت أنه معتقل في سجن المسكوبية، وبدأت رحلته الطويلة مع الاحتلال في سجون التحقيق.

بعد أن اعتقل عام 2001 ، لم تكن تمر ذكرى اعتقاله مرور الكرام ، فهي مرهونة بيوم الأرض، في الثلاثين من مارس.

بعد مضي عام على اعتقاله، حكم على مجد بالسجن ولم تكن فاطمة تفهم اللغة العبرية وهي تراقب القاضي بقلق وهو ينطق بالحكم، فأشار اليها مجد ونادى من بعيد: "حبيبتي فاطمة، حكموا عليّ بعشرين سنة" فهزت رأسها وابتسمت قائلة: "ما تخاف، شغلات كتير بتتغير، ربنا راح يغير الحال وحتطلع أكيد".

"شغلات كتير بتتغير" ولكن حال فاطمة لم يتغير، وظلت تنتظر، حتى الأمس حين خروجه ثم زفت إليه من جديد بفرحة مضاعفة، وهو وصفها أمام كاميرات المصورين قائلا: "فاطمة كانت وطني"

ويعلق الأسير بربر على تجربة اعتقاله: "مهما كان الاعتقال، ومهما حاول الاحتلال أن يكسر شوكتنا ستعود المعادلة ولن يصح إلا الصحيح وستتحرر الأرض عاجلا أم عاجلا، وسنموت ونؤسر ولكننا لن نسلم رغم كل سنوات الاحتلال، وسيزول في النهاية".

وفي ليلة الفرحة تلك، كرر مجد كلمته، وقوات الاحتلال تجره بعد يوم من الافراج عنه، فقد أعاد الاحتلال اعتقاله مرة أخرى، وهذه المرة بذنب آخر، هو التعبير عن الفرح، ففي كل فرحة لذوي الأسرى كسرة يتعمد المحتل افتعالها، ولكنه في كل مرة لا يكسر ارادتهم.

يبلغ مجد بربر الآن الخامسة والأربعين بينما تبلغ فاطمة الثالثة والأربعين، وفي عينيهما ضحكات السنوات العشرين عكست بالأمس بداية حلم جديد لحياة جديدة كلها حرية لا تحسب بالسنوات.