أبو عاصف.. لماذا تركت الحصان وحيدا؟!

أبو عاصف.. لماذا تركت الحصان وحيدا؟!
أبو عاصف.. لماذا تركت الحصان وحيدا؟!

الرسالة- رشا فرحات

 وكأن عمر البرغوثي "أبو عاصف" قد ذهب فجأة إلى جهة الريح، خارجا على الحصان الوحيد المتبقي! هكذا بدون ضجيج هادئا كعادته.

رحيل عظيم، يداوي جراح المكلومين في الضفة منذ زمن، والمحتجزين داخل قلوبهم المحرومة من الدفاع عن كرامتها... كرامتها التي فجرتها جنازة مهيبة.

وكأن الجميع فجأة، كان يحتاج للحظة انفجار، لحظة تعيد للمشهد في الضفة الغربية اتزانه، فبكى كثيرون وكانت لحظة موت أبو عاصف تذكيرا بموت عمر كامل، عمر لن يتكرر، ولن يتكرر رجاله، وهو على صورته تلك يركب حصانه، ثم يترجل فجأة.

جميع من نعوا أبو عاصف البرغوثي كانوا يعبرون عن قهرهم على فراق رجل، رأوا كيف كان يحارب وحيدا دون سيف، بعدما سلب الاحتلال السلاح حتى الرمق الأخير، فأصبحت البارودة حلما، وأضحت الضفة وحيدة، من مقاومتها، من سلاحها، وصوت أبو عاصف الذي تحدث باسم الأسرى والشهداء، وباسم عائلة كاملة تجرعت على مدار سنوات جيلا بعد جيل أبدية المقاومة وورثتها لأبنائها، فكان من الطبيعي جدا أن يبكي الجميع لرحيل رجل مثل عمر البرغوثي أبو عاصف.

الأسير المحرر خضر عدنان علق قائلا: ليس المهم أن نحضر جنازة عمر البرغوثي، بل المهم أن نسير على نهجه، كونوا مثل عاصم ابن أبو عاصف الذي لم يفرط ولم يسلم ولم يعترف، مشيرا الى بيت أبو عاصف قائلا: "هذا البيت لم يخل يوما من قطعة سلاح أو صوت ثورة"..

لقد كان أبو عاصف البرغوثي قبلة لمن أراد الدخول إلى صفوف المقاومة، وهو "سيدي عمر"  كما يحلو لرجاله أن ينادوه، رجال جلهم من الأسرى المحررين، اجتمعوا في جنازة طويلة جمعت كل قريب وغريب، مخالف وموافق، جنازة أنهت الاختلاف، فمن يختلف على عمر البرغوثي؟!

وعن حزنها عبرت الكاتبة لمى خاطر: "يظلّ هناك من يشعرك رحيلهم باليتم، حتى وإن لم تجمعك بهم قرابة دم، وأبو عاصف أحد هؤلاء، كان إذا تحدث، تشتعل فينا قناديل الإقدام، وإذا لوّح بكفه عقب أوبة من سجن، تنفّست أوردتنا حرية".

ولأنه البرغوثي الذي وقع عقدا مع السجون (الإسرائيلية)، ما إن يخرج حتى يعود مرة أخرى، وبين اعتقال وآخر، حسرة لفرحة ابن لم يشاركها، أو حياة عائلة عادية جدا، كأي أب يعود في نهاية النهار ليحمل أرغفة الخبز لأبنائه الستة، وهو ذات الاعتقال الذي لم يعطه الحق في وداع ابنه صالح قبل ثلاث سنوات، فاعتقل في اليوم الأول لاستشهاده.

في تشييع أبو عاصف توحدت فلسطين تحت اسم عمر البرغوثي، وحدة في وجه التزييف، تمرد على اختلاف الآراء، فحينما تكون مقاوما لا خلاف على المقاومة، فكانت كل بيوت الضفة بيت عزاء لأبو عاصف، يسير في جنازته كل مكلوم وقد بات الجميع هناك معتقلا، بين حكومة واحتلال.

جنازة مهيبة صورت من السماء، أعادت صورة الضفة القديمة، وقد هب أهلها كلهم للسير خلف الجسد رغم ظروف انتشار وباء كورونا، إلا أنهم أرادوا أن يسيروا خلف الفارس الممدد دون فرس، وكأنهم يصرخون:" لماذا تركت الحصان وحيدا؟!

وأعلنت كتائب القسام لأول مرة أن الشيخ الراحل عمر البرغوثي "أبو عاصف" الذي توفى الخميس، أحد القادة المؤسسين لكتائب الشهيد عز الدين القسام الجناح العسكري لحركة حماس.

النائب المقدسي محمد أبو طير، أحد رفاق درب البرغوثي قال: "يا أبا عاصف ليعلم العالم أنك أنت من غرزت وأنت من حصدت وأنت الرامي بعد الله، يا أخي وابن أمي".

وتابع في رثاء صديقه: "غابت عنا اليوم قامة من قامات فلسطين والأمة العربية والإسلامية، ننعى إلى شعبنا وأمتنا رجلا صاحب إرادة صلبة، لم يُهزم أمام المحتل أبدا وقد رحل بعد أن أعطى الوطن كل ما يستحقه من جهاده وعمره ودم أبنائه".

وتفرقت كلمات النعي بين من حضر الجنازة في الضفة وبين غزي لم يعطه الاحتلال فرصة المشاركة في جنازة، جنازة الرجل الذي اعتقل لثلاثين عاما، وودع ابنه صالح شهيدا وهدم بيته عشرات المرات، وكلما دق الناقوس في كوبر لأي عمل بطولي أو رصاصة أطلقت في السماء، أرسل الاحتلال جنوده لاعتقال أبو عاصف.

والبيت المهجور بين الوقت والآخر، ضج وكأنه أكثر الأمكنة ازدحاما في العالم، فكتب الشاعر يامن نوباني: "تشعر وأنت في بيت أبو عاصف أنه المكان الوحيد الذي يحميك من الاحتلال، تشعر أنك بأمان، في البيت الأكثر عرضة لاقتحام الجيش."

يذكره بعض الأسرى وقد كان معظمهم قد مروا به في زنزانة في معتقل ما فكتبوا: "في يوم السادس عشر من يناير وبعد شهر تقريبا تحقيق بزنازين بتاح تكفا، كنا حوالي عشر شباب في غرفة الانتظار ننتظر دورنا لدخول المحكمة بسجن عوفر، وقت قصير حتى دخل علينا ابو عاصف.. صمت رهيب لا نعرف ما نقول للرجل الذي زف ابنه شهيدا وابنه الاخر ينتظر المؤبد.

دقائق حتى بدا ابو عاصف يطمئن علينا ويرفع من معنوياتنا عكس ما هو متوقع، من وقتها عرفت ليش بنحكاله جبل فلسطين، لأنه فعلا كان الجبل والسد والسند والأب لكل الشباب.