القيادة بين الشورى والديمقراطية

بقلم: خالد النجار


في إطار الاستمرار للتأصيل لنمط قيادي يجمع بين القيادة الشورية والقيادة الديمقراطية ضمن سلسلة الانماط القيادية الحديثة والتي أحدثت تفوقاً كبيراً على الأنماط القيادية الأخرى كالأوتوقراطية، والبيروقراطية، والشخصية وغيرها من الأنماط التي تركز على الكثير من العوامل التي تساهم في رفع كفاءة الأداء القيادي لدى القائد، على الرغم من أن الكثير من الباحثين يرون أن مفهوم القيادة يتعلق بصفات أو سمات القائد وتأثيره على من حوله، أو الوسائل القيادية التي من خلالها يتحقق الوصول إلى الأهداف المنشودة، فقد ذهب بعض الباحثين بعيداً عن تسليط الضوء على القيادة في الإسلام والتي تستمد منهجها من قواعد الحكم في الإسلام وهي الشورى، والعدل والمساواة، وحماية كرامة الإنسان، والحرية. وفي حكم القاعدة الأولى "الشورى" قال الله تعالى: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ﴾ (آل عمران، 159)، أما القاعدة الثانية فقد أنزل الله تعالى في كتابه الكريم قوله تعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ (النحل، 90)، وفي حماية كرامة الإنسان قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلً﴾ (الإسراء، 70)، أما الحرية فهي ملازمة للكرامة الإنسانية، فلا إكراه في الدين، وقد رغَّب الإسلام في حرية الفكر والقول السديد، وحرية الرأي والنقد الهادف. قال تعالى: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ (البقرة، 256). تُبين تلك القواعد أنها الميزان الحقيقي للقيادة في الإسلام مع اختلاف البيئة والظروف التي تتعلق بالعولمة وظهور تيارات فكرية تشكل تحدياً لتبني أي مفاهيم قيادية لها ارتباطات وثيقة بمبادئ القيادة في الإسلام، فعلى سبيل المثال أصبحت الديمقراطية هي نظام الحكم السياسي الذي يهتم بحقوق الإنسان من حيث الحريات والمساواة والحماية والسلامة والمشاركة والتعددية السياسية، والحفاظ على حقوق المرأة ومساواتها بالرجل، وحرية الرأي والتعبير، والكثير من الحقوق الإنسانية الأخرى التي تستثمر فيها الدولة قوى الإنسان وطاقاته. فهل الديمقراطية نظاماً منفصلاً عن الشورى؟ وهل ما تسعى له الديمقراطية يتوافق مع مفهوم الشورى وأهدافها وغاياتها؟ من هنا رأى بعض المفكرين، مثل الشيخ راشد الغنوشي أن الأساس الذي يمكن الانطلاق منه في المقاربة بين الديمقراطية والشورى هو أن مفهوم الديمقراطية يقوم أساساً بالاعتماد على مفهوم الشورى، فالنظم الديمقراطية قامت بوضع هذا المفهوم الإسلامي موضع التطبيق من خلال آليات عملية مثل الانتخابات، والتعددية السياسية، ووسائل التداول السلمي للسلطة، لذلك يمكن الاستفادة من هذه الاليات التي تنسجم مع القيم والمبادئ الاسلامية، كما يرى آخرون أن هناك تشابهاً كبيراً بين ما عرفه المسلمون من مبادئ لتنظيم الحياة السياسية وما تعتمده الديمقراطية، مثل الشورى والبيعة وحماية حقوق الإنسان وحرياته وضمان حرية المعارضة والمساواة، والإيمان بقدرات الإنسان وإفساح المجال لأكبر قدر من المشاركة السياسية للناس. 
مما سبق يتضح أن هناك تشابهاً كبيراً بين المفهومين " الشورى والديمقراطية" لأن كلاً من المفهومين له بيئته الحضارية التي نشأ فيها، ومراحله التاريخية التي مر بها، لذا بات من الضروري تحديد العلاقة بين المفهومين لإظهار نمطاً قيادياً حديثاً يتبنى مبادئ الشورى والتي أفرزت الكثير من آليات العمل الديمقراطي ومنهجها السياسي في الحكم.