ما سر عداء النظام الاماراتي لفلسطين؟

بقلم: د. باسم نعيم// رئيس مجلس العلاقات الدولية

سالت صديق لي في احدى دول جنوب شرق آسيا عن اخبار التطبيع بين الكيان الصهيوني واندونيسيا، فالاخبار المسربة تتزايد يوما بعد يوم وتصبح أكثر سخونة، فكان جوابه "الاوضاع صعبة وبتخوف وربنا يستر"، نحن نتحدث عن أكبر دولة اسلامية من حيث عدد السكان، وشعب تاريخه حافل بنصرة القضية الفلسطينية، كما أن اندونيسيا كانت عنواناً لأحد أهم الحركات أو "المنظمات" السياسية في فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية وانطلاق الحرب الباردة، حركة عدم الإنحياز. تأسست الحركة من 29 دولة، وهي الدول التي حضرت مؤتمر باندونغ عام 1955، وباندونغ هي عاصمة مقاطعة جاوة الغربية في إندونيسيا ورابع اكبر مدينة فيها. إستنادا الى مبادئها العشرة الشهيرة، ومنذ البداية، بذلت الحركة مجتمعة، ودولها منفردة، جهودًا جبارة لضمان حق الشعوب الواقعة تحت الاحتلال والسيطرة الأجنبية، في ممارسة حقها الثابت في تقرير المصير والاستقلال، وساعدت في ذلك على المستوى النظري والعملي.
عودة الى صديقي الآسيوي، فلم تكن صدمتي بالمحاولات الصهيونية للتطبيع مع أندونيسيا، بقدر الصدمة التي انتابتني عندما علمت أن "العرّاب" في كل هذه الجهود الخبيثة هو حكام الإمارات. يقول صديقي الآسيوي "أن جماعة الإمارات مرتبين أمورهم مع الرئيس الاندونيسي، حسب تعبيره، وانهم بالتعاون مع الأمريكان رصدوا زيادة معتبرة من المساعدات المالية بالتعاون مع الامريكان". ليس هذا فحسب بل إنه أضاف "لا أستبعد ان تكون الامارات وراء اسقاط حكومة مهاتير محمد في ماليزيا لموقفه المبدئي والراسخ من التطبيع مع الكيان الصهيوني" ولذلك نلحظ حراكات تطبيعية مشابهة ومشبوهة مع ماليزيا، فالملك كان قبل فترة وجيزة في ابو ظبي وهو صديق مقرب من رجل الامارات القوي محمد بن زايد، حيث كانوا زملاء دراسة في كلية ساند هيرست البريطانية لتاهيل القادة حول العالم، رغم أن النظام في ماليزيا ملكي دستوري ودور الملك ثانوي في السياسات التنفيذية.
هذا يدفعنا للعودة للسؤال الأصلي، ما سر هذا العداء "المفاجئ" والعميق لفلسطين وقضيتها؟ أو بصيغة أخرى ما السر في هذا الوله والعشق للصهاينة ومشروعهم في المنطقة؟
تاريخيا ومنذ تاسيسها في عام ١٩٧١، تميزت دولة الامارات بمواقف عروبية اصيلة تجاه فلسطين وقضيتها، وكان الشيخ زايد رحمه الله، حتى آخر أيامه، قولاً وعملاً، في فلسطين عنوانا للخير والعطاء والنصرة، وفِي المنطقة عنوانا للعروبة والحرص على الوحدة. ما الذي تغير حتى يحدث هذا الانقلاب، بل الردة، ليس على فلسطين وقضيتها العادلة فقط، بل على كل المنطقة وتاريخها ومستقبلها. الامارات في السنوات الاخيرة أصبحت العنوان الأبرز لكل اصطفاف ضد مصالح الأمّة واسباب نهضتها، ضد تطلعات الشعوب واحلامهم بالحرية والكرامة، حيثما وجدت الإمارات وجد الموت والقتل والدمار والفساد، في اليمن، في ليبيا، في السودان، في الصومال ... والقائمة تطول. لو رصدنا فقط بعض الاخبار المتداولة حول دور الإمارات في دعم المشاريع التطبيعية في المنطقة، سنكتشف أننا أمام رؤية وقرار، لا تخطئه عين الفاحص، أخذه نظام الإمارات، وعلى رأسهم محمد بن زايد، ملخصه: ما كان مستورا يجب أن يعلن وبفجاجة، يجب كسر كل المحرمات وبطريقة صادمة تشل قدرة الخصوم على التفكير والعمل، "المصالح" فوق كل المبادئ والقيم، نحن صغار وامكاناتنا متواضعة بمعايير الدول المحترمة والراسخة، والحل هو تفريق الجمع وزرع الضغينة وتوريط الجميع في الرذيلة، لا مكان لعروبة أو إسلام في أجنداتنا، فلسطين وقضيتها استنزفت المنطقة وشعوبها لعقود طويلة وآن الأوان لتجاوزها وقبول الأمر الواقع، بل شطب ما تبقى منها، وأخيرا إعادة تعريف المنطقة وقيمها وعلاقاتها إستنادا الى القواميس الصهيونية وأجنداتهم الإستراتيجية للمنطقة، ولذلك أطلقوا عليها "إتفاقيات أبراهيم"، فنحن لسنا أمام إتفاقيات "تطبيع" بالمعنى التقليدي، ألجأت اليها "ضرورات" سياسية وأمنية أو عسكرية، بل خيار إماراتي استراتيجي بكل وعي وإصرار. طبعاً هذا ليس تبريرا للتطبيع من أي دولة كانت وعلى أي مستوى كان، لأن أيّ إنفتاح على دولة الاحتلال، دون حل عادل للقضية الفلسطينية، هو شرعنة لوجوده وتشجيع له للاستمرار في جرائمه، ليس بحق شعبنا فقط، ولكن ضد كل المنطقة ومكوناتها بما فيها الدول المطبعة، التطبيع هو ضخ كميات جديدة من الأكسجين في رئتي الاحتلال وإطالة لعمره.
وللتاكيد على هذا التوجه صدمنا بالمشاهد غير المسبوقة لشباب إماراتيين يتكلمون العبرية بطلاقة، ويشعلون الحانوكاه احتفاءاً برأس السنة العبرية، ويستقبلون عتاة الصهاينة المتطرفين في بيوتهم، ويشترون نسبة 50% من أسهم نادي "بيتار" العنصري لكرة القدم، ويؤسسون "صندوق أبراهام" بالشراكة مع الصهاينة للتنمية بقيمة ثلاث مليارات دولار ومقره القدس، دعم مالي أمريكي إماراتي صهيوني للسودان لشراء القمح، أيضا بدعم إمارتي وعد بزيادة الدعم الامريكي السنوي لاندونيسيا بمقدار مليار دولار اضافي، موازنات إماراتية جديدة لدعم التنمية في "الصحراء الغربية" لإغراء المغرب بالتوقيع على إتفاقية التطبيع المشينة، ولعل أكثرها صدمة ما سربته صحيفة الليموند الفرنسية مؤخراً حول مخطط إماراتي-صهيوني لتصفية وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينين "الانروا"، فقالت الصحيفة في عددها الصادر بتاريخ 12/23 من العام الماضي، أنّ الخطة التي تدرسها الإمارات، والتي قدمت من خلال معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي ومركز الإمارات للسياسات، تهدف الى تصفية نهائية لقضية اللاجئين الفلسطينيين والتي هي جوهر الصراع مع الاحتلال.
في الختام كل هذا لا يجيب على سؤالنا ولا يفسر سر العداء لفلسطين والأمة؟ هل هو موقف شخصي من محمد بن زايد نتيجة تجارب خاصة، أم هو سقوط لهذه الثلة من الحكام في براثن الرذيلة الصهيونية، فيجب اسقاط البقية؟ هل هو تصفية حسابات في المنطقة على حساب فلسطين وقضيتها؟ أم هو كفر بالعروبة والاسلام وحتى الإنسانية، واستبدالها "بالراسمالية النيوليبرالية"، حيث يصبح كل همهم هو السعي وراء كل ما يؤدي لمزيد من الثروة والسلطة، بعيداً عن أي قيم أو ضوابط، ويصبح البشر والبيئة والاوطان محض موارد ومصادر للثراء، يُنهبون بلا رحمة أو ضمير، وذلك كله من أجل المصالح والنزوات الشخصية وتثبيت اركان حكم مستبد؟ أم كل هذه الاسباب مجتمعة وان بنسب مختلفة، لا نعرف بالضبط، ولكن ما نعرفه بالضبط، أن كل هذه المحاولات البائسة، قد تشوش على نضالنا من أجل الحرية والاستقلال، وقد تطيل في عمره قليلاً، ولكنها لن تتمكن من إطفاء جذوة جهادنا في سبيل حرية فلسطين ولن تحسن فرص هذا الكيان الاستراتيجية على المدى البعيد. إنّ هذا الكيان أصغر، حضاريا وجغرافيا وديموغرافيا، من أن يهضم أمه تعدادها اكثر من مليار وسبعمائة مليون، تمتد من الصين شرقا حتى الأطلسي غربا، لا تعرف الاستكانة او الخنوع لظلم، فلا يغرنكم سكونها وتعاليها على الجراح، فهو الهدوء الذي يسبق العاصفة والسكون الذي يسبق الانفجار الكبير، أمتنا زاخر تاريخها بلفظ خبثها وطرد غزاتها ولو بعد حين، وتعيد انتاج ذاتها الحرة الكريمة لتنطلق من جديد، وهذه الدورة الحضارية الجديدة للأمة عنوانها فلسطين وبيت المقدس وانتهاء العلو الصهيوني.
إنّ المطبعين يبيعون أنفسهم وشعوبهم الوهم ويلاحقون السراب، وفلسطين أرض مباركة قد تصيب لعنتها كل من يتآمر عليها.