مذهب جديد في غزة

أحمد الكومي
أحمد الكومي

بقلم/ أحمد الكومي

 لا يمكننا الاختلاف مع أي قائل من أهل الاختصاص بأن المناورة المقررة لفصائل المقاومة الفلسطينية في قطاع غزة تحت مسمى "الركن الشديد" تضم رُزمة رسائل في أكثر من اتجاه، ولا كذلك الاختلاف على طريقتها؛ لسبب بسيط وهو أن الرسائل من هذا النوع لا تضل طريقها أبدًا.
لكنني أرى فيها إضاءة على نهج جديد لقيادة المقاومة، وكتائب القسام خصوصًا، يعتمد على الإفراج عن المُخبّأ في الأدراج المغلقة؛ لمقاصد تعبوية أو ما يشبه كشف حساب لإعداد شاق، وهذا ما رصدتّه في أبرز المحطات التالية:
- في ديسمبر/كانون أوّل 2019، أفرجت كتائب القسام عن تفاصيل إحدى العمليات الأمنية الأكثر تعقيدًا في صراع الأدمغة بين المقاومة وأجهزة مخابرات الاحتلال، تحت عنوان "سراب" وتضمنت تسجيلات ومشاهد حول إدارة طاقم أمني بالقسام لعميل مزدوج، وكان في حينه سابقة في إعلام المقاومة بأن يعلن عن تبنّي عملية أمنية.
- في يوليو/تموز 2020، كشفت كتائب القسام لأول مرة أن طائراتها المسيرة نفَّذت في إحدى طلعاتها مهامًا محددة فوق مبنى وزارة الحرب الإسرائيلية في (تل أبيب) في أثناء معركة "العصف المأكول" 2014.
- في يوليو/تموز 2020، أفرجت كتائب القسام عن التفاصيل الدقيقة لعملية موقع أبو مطيبق العسكري خلال معركة 2014، وسردت القصة الكاملة لما فعلته نخبة الكتائب بضباط وجنود الاحتلال داخله، وكيف تمكنت من إبادة دورية عسكرية، وقتل الجنود من مسافة صفر.
- في سبتمبر/أيلول 2020، كشفت كتائب القسام عن كنز عسكري ثمين عثرت عليه ضفادعها البشرية، عبارة عن بقايا سفينتين حربيتين غارقتين في عمق بحر غزة، وتمكنت بعد جهود مضنية من استخراج كميات كبيرة من القذائف الغارقة، وأعادت تصنيعها وإدخالها الخدمة.
ولن تنتهي هذه المحطات غالبًا بمناورة "الركن الشديد" التي قد تكشف عن جديدٍ وتأتي في توقيت محسوب، كونها تتضمن لغة تفاوض، أو لهجة خطاب مختلفة عن لهجة بعض العرب الذين يتكلمون عن الخيل والسيف ولا يستعملونها.
تأتي هذه المناورة تتويجًا، على الأغلب، لترتيبات أو تحالفات عسكرية على مبدأ حشد القوى؛ فالإعداد للقتال هو جزء أساسي من القتال نفسه.
وهذه المحطات في غضون عام واحد منذ ديسمبر الماضي، وفي حالة لا أذكر أنها تكررت في أعوام سابقة، كوّنت تدريجيًا ما يمكن السموّ به إلى مستوى المذهب العسكري الجديد القائم على تجنيد الأسرار وتشغيلها، والتي تستدرج الأنظار وتستنفر الرقابة العسكرية الإسرائيلية، وتصيب المعلّقين الأمنيين الإسرائيليين بالخرس؛ خشية التداعيات النفسية لها على الجمهور الإسرائيلي الطارئ والمرتبك.
ولا يحمل ذلك مبالغة بل هي قمّة الموضوعية، التي تسعى خلالها المقاومة إلى تأكيد الانتماء الوطني، وتأمين الشعب وتهيئته معنويًا، وإعطاء صورة القدوة للشباب، وتحفيزهم على التقدّم للجندية في صفوف الفعل وكتمانه.
إن أسمى مقاصد هذا المذهب في الإفراج المدروس والمتتابع عن الإنجازات الأمنية هو تكوين الكيان العسكري المتأهب لغزة، وأن لديها أرشيفها الذي يجعل الخوف العادي لدينا يعادل الرعب لدى الآخرين.