كيف فشلت استراتيجية "الدفاع للأمام" في حماية أميركا من الهجمات السيبرانية؟

الرسالة نت - واشنطن

على مدار سنتين بحثت وزارة الدفاع الأميركية (البنتاغون) عن الخلل الأمني الذي سمح لروسيا بالتأثير في انتخابات 2016 الرئاسية، وأجمعت تقديرات أجهزة الاستخبارات الأميركية المختلفة على تدخل روسيا بهدف المساعدة على وصول دونالد ترامب للبيت الأبيض.

وتبنت وزارة الدفاع في عام 2018 استراتيجية الدفاع للأمام (Defense Forward)، وهي استراتيجية استباقية هجومية جاءت في 10 صفحات واطلعت عليها الجزيرة نت.

وتشير الاستراتيجية إلى أن القيادة السيبرانية الأميركية التابعة لوزارة الدفاع ستحافظ على تفوقها العالمي من خلال وجود مستمر في الشبكات الخارجية المعادية، حتى تتمكن من مواجهة خصومها من حيث يشنون هجمات إلكترونية عليها.

واعتُبرت استراتيجية "الدفاع للأمام" ناجحة، فقد منعت التدخل في انتخابات الكونغرس 2018 وانتخابات 2020، لكنها فشلت تماما حتى في الكشف عن الاختراق الأخير، والذي تعتقد أغلب التقديرات الاستخباراتية بوقوف روسيا وراءه.

ووسط الجدل الكبير الذي سببته الهجمات السيبرانية، يتجاهل المسؤولون الأميركيون الفشل الذريع لاستراتيجية اعتبرها البعض حائطا كبيرا أمام أي هجمات سيبرانية من العيار الثقيل.

فحوى "الدفاع للأمام"

أشارت الاستراتيجية إلى أن عصر الإنترنت خلق فرصا وتحديات جديدة أمام الحكومات الأميركية المتعاقبة، وأصبح معها الوصول إلى المعلومات الموثقة مصلحة حيوية للولايات الأميركية.

وتوجه استراتيجية البنتاغون للأمن السيبراني "الوزارة إلى الدفاع عن المستقبل، والتعامل مع التطورات اليومية، والاستعداد للحرب من خلال بناء قوة أكثر فتكا، وتوسيع التحالفات والشراكات، وجذب المواهب للعمل معنا، ورد منافسينا وأعدائنا".

واستهدفت الإستراتيجية 5 نقاط أساسية في مجال الأمن السيبراني:

1. ضمان أن تتمكن قوات الأمن السيبراني الأميركية من تحقيق مهامها في بيئة الفضاء الإلكتروني الخطرة.

2. تعزيز قدرات قوات الأمن السيبراني للقيام بعمليات تعزز المزايا العسكرية الأميركية.

3. الدفاع عن البنية التحتية الحيوية للولايات المتحدة من أي هجمات إلكترونية.

4. تأمين معلومات وأنظمة وشبكات البنتاغون ضد أي هجمات سيبرانية.

5. توسيع نطاق التعاون في مجال الأمن السيبراني مع الشركاء سواء في القطاع الخاص أو على المستوى الدولي.

واعتمدت الإستراتيجية تأكيد ارتفاع تكلفة قيام خصوم الولايات المتحدة بسلوك خبيث أو مضر في مجال التجسس الإلكتروني.

كل البدائل على الطاولة

مع اتضاح حجم الهجمات التي طالت وزارات الدفاع والخزانة والتجارة، والمختبرات النووية، ومعها معهد الصحة القومي، وغيرها من الجهات الحكومية إضافة للكثير من الشركات الكبرى، ارتفعت أصوات عديدة مطالبة بضرورة الرد.

ودعا توماس بوسيرت، المسؤول السابق عن الأمن السيبراني في إدارة ترامب، إلى أن "تحتفظ واشنطن بحقها في الدفاع عن النفس من جانب واحد، وضرورة حشد الحلفاء لمعاقبة روسيا"، في حين اعتبر السيناتور الديمقراطي من ولاية إلينوي ديك ديربين أن "هذا تقريبا إعلان حرب من جانب روسيا على الولايات المتحدة".

من جانبه، اعتبر البروفيسور بجامعة ستانفورد جاك غولدسميث أن "الولايات المتحدة تفتقد أي أساس مبدئي للشكوى من الاختراق الروسي، ناهيك عن الانتقام منه بالوسائل العسكرية، حيث إن الحكومة الأميركية تخترق شبكات الحكومات الأجنبية على نطاق واسع كل يوم".

وأشار غولدسميث إلى أن التجسس بين الحكومات في وقت السلم قديم مثل النظام الدولي، وهو يمارس اليوم على نطاق واسع، وخاصة باستخدام الأدوات والوسائل الإلكترونية.

ورأى أن الاختراق الروسي قد يسبب ضررا هائلا للأمن القومي، ولكنه لا ينتهك القانون الدولي أو المعايير الدولية.

وتقوم الولايات المتحدة، كما أشارت استراتيجية "الدفاع للأمام"، باختراق أنظمة الحاسوب الحكومية الأجنبية على نطاق واسع وبصورة منتظمة.

من هنا يرى بعض الخبراء أن عمليات الاختراق الإلكتروني الأخيرة يمكن أن يكون ببساطة حالة تجسس من حكومة تحاول فهم ما يفعله خصمها.

وكانت استراتيجية الأمن القومي الأميركي في بداية عهد ترامب قد أشارت صراحة إلى أن الصين وروسيا تسعيان إلى تحدي قوة ونفوذ ومصالح الولايات المتحدة.

ويُعتقد على نطاق واسع أن عملية الاختراق الأخيرة من أكثر العمليات ضررا خلال السنوات الأخيرة، على الرغم من عدم اتضاح حجم الخسائر أو أهمية المعلومات التي ربما يكون تم الاطلاع عليها أو نسخها أو إفسادها.

الكل يتجسس.. ولكن!

عقب قيام قراصنة تابعين للحكومة الصينية بقرصنة مكتب إدارة شؤون الموظفين الفدراليين والاطلاع على سجلات 22 مليون أميركي، قال مدير الاستخبارات الوطنية الأميركية السابق جيمس كلابر "عليك أن تحيي الصينيين على ما فعلوه، إذا أتيحت لنا الفرصة للقيام بذلك، لا أعتقد أننا سنتردد لدقيقة واحدة".

وقال منسق الأمن السيبراني في إدارة باراك أوباما مايكل دانيال هذا الأسبوع في وصف ما حدث "لقد كانت عملية جمع معلومات، وهو ما تفعله الدول بما في ذلك الولايات المتحدة".

وأثبتت الهجمات الأخيرة أن استراتيجية الدفاع للأمام الممثلة في اختراق الشبكات المعادية من أجل إحباط هجمات الأعداء على الشبكات الأميركية لم يحالفها النجاح.

وأشارت صحيفة نيويورك تايمز إلى أن واشنطن أنفقت مليارات الدولارات لتجميع أقوى ترسانة في العالم من الأسلحة والوسائل الإلكترونية وزرعها في شبكات بجميع أنحاء العالم.

وكجزء من استراتيجية الدفاع للأمام، زرعت الأجهزة الأميركية برامج ضارة داخل شبكة الكهرباء الروسية بما يمكنها من شل حركتها، وذلك من أجل تحذير وردع الروس لعدم التدخل في أنظمة الحاسوب الأميركية.

ويُنظر إلى الولايات المتحدة على نطاق واسع على أنها القوة السيبرانية الأقوى في العالم. ومن وجهة نظر خصوم واشنطن، تستخدم أميركا أدواتها التكنولوجية المتقدمة للتجسس على العالم. لكن وعلى الرغم من إنفاق عشرات المليارات من الدولارات على الأمن السيبراني، فإن الولايات المتحدة فشلت فشلا ذريعا في حماية شبكاتها الرقمية العامة والخاصة.

واعتبر الرئيس المنتخب جو بايدن أن الدفاع الجيد لا يكفي، وقال "نحن بحاجة إلى تعطيل وردع خصومنا عن القيام بهجمات إلكترونية كبيرة في المقام الأول".

ولم تكن تلك الكلمات جديدة في جوهرها، فهي محور استراتيجية البنتاغون للأمن السيبراني، والتي لم تردع أو تعرقل من قام بالهجمات الأخيرة.

الجزيرة نت