بعد 9 شهور "بهية" توثق زيارتها لـ"ماهر" في 12 دقيقة!

بهية ماهر الهشلمون
بهية ماهر الهشلمون

الرسالة نت-أمل حبيب

أطلت بهية علينا قبل أن تطل شمس الإثنين، صوت الفجر وحده كان ونيسها وضوء كاميرا هاتفها النقال لتوثق به لحظات زيارتها لــ "ماهر"!

بعد تسعة أشهر من توقف الزيارة لزوجها الأسير ماهر الهشلمون ما بين منع وحجج من إدارة السجون الإسرائيلية بسبب كورونا، قررت بهية النتشة أن تشارك الجميع اللحظات التي يعيشها أهالي الأسرى وطريق الوصول لوجوه أحبابٍ غيبهم الأسر قسرًا!

الخامسة فجرًا!

تشير عقارب الساعة للخامسة فجرًا، مشاعر مختلطة ما بين الفرحة بالزيارة والقلق من العقبات كما قالت بهية، من "حلحول" شمال الخليل، لـ "عين سارة" وسط المدينة، انتظارٌ أولٌ لاكتمال العدد داخل إحدى الحافلات.

تُرى.. كم انتظار يتجرعه ذوو الأسرى خلال هذه الرحلة؟، وكم انتظار آخر يبتلعهم خلال سنوات الغياب؟!

تقول بهية بأنها أرادت اختصار يوم كامل من زيارة الأسير لاسيما في زمن كورونا عبر مقطع فيديو نشرته عبر حسابها على الفيس بوك لأجل أن تصل الصورة كاملة، وذاك الشعور الذي يحيى عليه أهالي الأسرى والأسرى أنفسهم.. شعور يشبه الأمل والتعلق به لسنوات!

لقطات من جانبي الطريق، سهل أخضر كان واضحًا من نافذة الحافلة، علقت بهية بأنهم في طريقهم نحو الحاجز، الذي وصلوا اليه في تمام السابعة صباحًا، وقبلها مسافة طويلة مشيًا على الأقدام قبل العبور من خلاله!

تفتيش عند ذاك الحاجز، مّر بذهول عابر شعرت به بهية بعد تفتيش دقيق للكتب التي كانت بحوزتها.

فنجان قهوة بين يديها، تحاول من خلاله ضبط أعصابها، بينما انشغلت خيوط الشمس تعكس نورًا على وجهها وهي تقول عبر عدسة هاتفها " صباح الخير .. نتجه الآن نحو الحافلة الثانية".

إلى ريمون!

لم تغب الابتسامة عن محيا بهية، بنت الخليل، المحكوم على زوجها بالسجن 200 عام، تطوي طريق الانتظار التي تجاوزت الساعتين والنصف للوصول إلى سجن ريمون، وهي تتأمل لون الرمال الصحراوية ثم تقطع صمتها متسائلة: "بالأنشودة بحكوا عوفر والمسكوبية والسجن يلي بالصحرا" هل يقصدون ريمون أم سجن النقب؟ كان لابد لهم من تحديد الاسم".

السجن تشابه عليها، كما طريق الزيارة لكل تلك المعتقلات التي يعبر إليها أهالي الأسرى، بعضهم يلتفت لشكل الطريق والتضاريس من حوله كما فعلت بهية، والبعض الآخر يقضمه الشوق فلا يرى سوى وجه ابنه الأسير طيلة الطريق!   

هذه البهية دائمة التذكير بعذابات الأسرى وسنوات نضالهم، ما فتئت تسجل مقاطع صوت وأخرى مصورة على كافة المنصات الإعلامية حتى تبقي تضحية الأسير من أجل كرامتنا والوطن حاضرة في ذاكرتنا.

التعب من المسافة والانتظار والصداع، مشاعر متضاربة يعيشها كل شخص في هذه الحافلة، قليل من التفاؤل وقليل من الأحزان، وقليل من كل شيء، قالت زوجة ماهر!

توقفت الحافلة أمام المعتقل، في باحة الانتظار رصدت بهية خلو الساحة على غير العادة مع كل يوم الزيارة، تُعلق قائلة: "الآن سلسلة من الطوابير، طابور تسجيل وآخر للنقود، وطابور ثالث للملابس".

"ماهر الهشلمون" ذكرت اسمه أمام نافذة، لم نر منها وجه الشرطي، إلا أنه سألها عن صلة القرابة بالأسير المراد زيارته، فردت: "زوجته".

عادة ما يحضر أهالي الأسرى بعض الملابس لأبنائهم في الأسر لاسيما في ظل حاجتهم لها في ليالي الشتاء الباردة، بهية هي الأخرى أحضرت قطعًا من الملابس لزوجها، إلا أن إدارة السجن أرجعت عددًا منها دون ذكر الأسباب، تعلق بهية وهي تبتسم "رجعوا جاكيت البيجامة وفات البنطلون فقط"!

غاب الوجه بالكمامة!

الساعة الحادية عشرة ظهرًا، تنتظر الآن في الباحة مع ستة أشخاص، فبعد مرور الفوج الأول للزيارة، هناك ساعة انتظار أخرى للتعقيم بين الفوجين، توضح بهية.

بوابات الزيارة أغلقت، تفتح بهية كاميرا الجوال، تسبق بسمتها كلمتها وتقول "الحمد لله انتهت الزيارة وماهر بخير ويبلغكم سلامه"، ما نغص عليها تلك الزيارة هي الكمامة، وإجبار كل الزوار بمنع رفعها عن وجوههم.

تعلق بهية بامتعاض: "ممنوع نرفع الكمامة، ومن يخالف مهدد بإخراجه من القاعة".

ثم تتساءل: "هل يعقل أن تغيب الوجوه بعد قطعنا لكل تلك المسافة؟"، تتوقف ثم تجيب: "نوع من التعقيد، ليس حرصًا منهم على سلامتنا".

الكمامة التي كان قد اشتكى منها الكثير من أهالي الأسرى خلال الزيارات في زمن كورونا، يرغمهم السجان على وضعها رغم وجود حاجز زجاجي سميك بينهم وبين الأسير.

الثالثة عصرًا تحركت الحافلة، طريق العودة، يبدأ بتبديل الحافلات، مرورًا بالمشي لمسافة طويلة، وانتهاءً بالحاجز مجددًا.

عم المساء، عادت بهية إلى الخليل، ستخبر عبادة ومريم بتفاصيل زيارتها لأبيهم، ستخبرهم عن أشواقه، أما نحن فأخبرتنا أن هذه كانت حلقة من يوميات زوجة أسير تمنت أن تكون الأخيرة!