قرار بقانون حاول تشريعها

ديوان الرئاسة ... حكومة ظل تهيمن على المال العام

ديوان الرئاسة ... حكومة ظل تهيمن على المال العام
ديوان الرئاسة ... حكومة ظل تهيمن على المال العام

 الرسالة نت  - شيماء مرزوق

في ذروة جائحة كورونا، التي دفعت لإعلان حالة الطوارئ في الأراضي الفلسطينية في 3 مارس2020، وبينما جميع الأنظار تتجه نحو محاولة السيطرة على الحالة الوبائية في البلاد، أصدر رئيس السلطة محمود عباس بشكل مفاجئ "قرارا بقانون ديوان الرئاسة" رقم 5 لسنة 2020 الصادر في 27/2/2020 والذي نُشر بالجريدة الرسمية (الوقائع الفلسطينية رقم 165) بتاريخ 19/3/2020.

إصدار القانون جاء دون أي مبرر في تلك الفترة تحديداً، التي كانت تحتاج خطة حكومية شاملة للتعامل مع الجائحة، وأن تكون هناك رقابة جادة في ظل غياب السلطات، إلا أن مؤسسة الرئاسة تجاهلت الأزمة وقررت أن تستغل الانشغال العام بحالة كورونا لتمرير القانون.

ولا تكمن خطورة القرار بقانون في التوقيت فحسب، بل في الصلاحيات والامتيازات الإدارية والمالية الواسعة التي منحها القانون لديوان الرئاسة.

وبمراجعة القواعد القانونية في ضوء أحكام القانون الأساسي (الدستور المؤقت) وبقية القوانين السارية ذات الصلة، نجد أن القرار بقانون اعتدى على صلاحيات مجلس الوزراء، وجعل من ديوان الرئاسة حكومة موازية تنازع الحكومة صلاحياتها.

 شرخ قانوني

وأدى تعطيل المجلس التشريعي –برلمان فلسطين- عن العمل في العام 2007 لأسباب سياسية عديدة إلى وجود حالة تشريعية استثنائية بحيث تمارس السلطة التنفيذية التشريع عوضا عن السلطة التشريعية.

وأحدث الانقسام الفلسطيني شرخا في الحالة القانونية في الأراضي الفلسطينية، وبالأخذ بعين الاعتبار الصلاحيات التشريعية الممنوحة للرئيس الفلسطيني، فقد تم إصدار 270 قرارا بقانون وفقاً للهيئة المستقلة لحقوق الانسان، استناداً للمادة 43 من القانون الأساس.

وتنص المادة 43 على أنه "لرئيس السلطة الوطنية في حالات الضرورة التي لا تحتمل التأخير في غير أدوار انعقاد المجلس التشريعي، إصدار قرارات لها قوة القانون، ويجب عرضها على المجلس التشريعي في أول جلسة يعقدها بعد صدور هذه القرارات وإلا زال ما كان لها من قوة القانون، أما إذا عرضت على المجلس التشريعي على النحو السابق ولم يقرها زال ما يكون لها من قوة القانون".

محامي: مخالفة جوهرية للقانون الأساسي ومبدأ الفصل بين السلطات

ويرى مختصون أن السلطة التنفيذية ممثلة بالرئيس قد تعسفت في استخدام نص المادة وتجاوزت مضمونها والغاية التي شرعت لأجلها، مهيمنة بذلك على السلطة التشريعية، كما جعلت منها وعبر العديد من القرارات بقانون التي أصدرتها جسرا للهيمنة على السلطة القضائية.

ولعل أبرز تلك التجاوزات القرار بقانون رقم 16 لسنة 2019 المعدل لقانون السلطة القضائية، والقرار بقانون بشأن إنشاء المحكمة الدستورية التي حلت المجلس التشريعي، وليس انتهاء بالقرار بقانون الخاص بديوان الرئاسة الذي ألغى دور الحكومة الحالية واستبدلها بحكومة ديوان الرئاسة.

وتكمن الخطورة في قرار ديوان الرئاسة على أنه تعدى على القانون الاساسي وقوّض نصوصا واضحة وصريحة لا تقبل التأويل، ومنح صلاحيات ليست ممنوحة للرئيس ذاته.

وفوق القرار بقانون ديوان الرئيس بما لم يفوضه به القانون الأساسي، ما يجعل النظام السياسي برمته أمام معضلة وتهديد خطير بتحوله إلى حكم الفرد بدلا من النظام الدستوري، ما يعني تحويل النظام السياسي في الأراضي الفلسطينية إلى نظام رئاسي بحت بدلاً من النظام المختلط.

  خارج الرقابة

ومنح القانون ديوان الرئاسة صلاحيات مالية وإدارية وصلاحية وضع خطط وبرامج تنموية وسياسية واجتماعية واقتصادية لم يقرّها القانون الأساسي.

وأفرد للديوان نظاما ماليا مستقلا مقتطعا من الموازنة العامة للدولة، وأقر له الحق في إقرار نظم مالية عديدة، ومنحه صلاحيات واسعة تتجاوز الممنوحة للرئيس نفسه بموجب القانون الأساسي.

ما سبق يعني التعدي على الصلاحيات الممنوحة لمجلس الوزراء بموجب القانون الأساسي الفلسطيني المعدل (2003)، وهو ما يجعلنا أمام حكومتين، الأولى الحكومة التي تخضع لأحكام القانون الأساسي وتمارس مهامها وصلاحياتها بموجب نصوصه، والثانية حكومة الرئيس التي تتبع لرئيس السلطة تحت مسمى ديوان الرئاسة، وتمارس المهام والصلاحيات ذاتها الممنوحة للحكومة.

أحمد أبو فخيدة محام فلسطيني وناشط حقوقي من مدينة رام الله قال "للرسالة" إن من أخطر البنود التي أقرها القرار بقانون أن لديوان الرئيس "موازنة خاصة" تفرد له من الموازنة العامة، وهذا يخالف ما نص عليه القانون الاساسي في المادة 60 و61 و69 و71 و90 و96، والتي تنص على الموازنة العامة وآلية إقرارها واعتمادها وأوجه الصرف، وبموجبها فإن الحكومة هي من تقر الموازنة العامة وآلية توزيعها على القطاعات، وذلك بعد عرضها على المجلس التشريعي لإقرارها بشكل سنوي.

وذكر أن الخطير في هذه المسألة خلق استقلالاً مالياً لديوان الرئيس دون رقابة أو مساءلة على آلية الصرف، ودون خضوع للمجلس التشريعي، ويعطي ديوان الرئاسة الحق في الحصول على أموال من الموازنة العامة دون معرفة الحكومة لأوجه الصرف وكيفيته ومبرره.

حقوقي: القرار يمنح الديوان صلاحيات تبدو كأنها حكومة موازية.

واعتبر المحامي أبو فخيدة أن ما سبق مخالفة جوهرية للقانون الأساسي ولمبدأ الفصل بين السلطات، ويقدح في أركان المنظومة الديموقراطية وعناصر الحكم الرشيد من مساءلة وشفافية ورقابة، على خلاف ما نص عليه القانون الأساسي، ما يفتح الباب واسعاً لفساد منظم وتحت مظلة "القانون"، ولا يمكن التنبؤ بحجمه.

وقال أبو فخيدة للرسالة: "القانون نشر في الجريدة الرسمية وهو ساري المفعول الآن، دون أن يلقى أي معارضة حقيقية فقهية أو قانونية ودون اتخاذ أي إجراء عملي فعلي أمام المحاكم، ربما لتسارع الأحداث وفيض القرارات بقوانين".

وحول اصدار القانون في ظل حالة الطوارئ تابع أبو فخيدة الذي يعمل أيضاً مستشارا قانونيا "القرارات بقانون بهذا الشكل في ظل غياب التشريعي هي غير قانونية ولا علاقة لها بإعلان حالة الطوارئ -الغير القانوني أساسا -.

واعتبر أن الأراضي الفلسطينية تشهد حالة فوضى تشريعية ودستورية كبيرة لا أحد يؤيدها، والجميع يعلم أن هناك أقطابا متنافسة في السلطة، مؤكداً أن سن القانون أولاً له علاقة بالصراع على الصلاحيات الموكلة للحكومة، وثانيا لشرعنة نهب المال العام بطرق مختلفة .

ونوه أبو فخيدة أنه عندما يتم إقرار علاوات ورواتب ونثريات وصناديق لا علاقة لها بالأزمة المالية فهذه طريقة نهب مشروعة، كما أن موازنة الديوان المستقلة عن موازنة الحكومة في القرار بقانون محمية من الرقابة ومحصنة ما يفتح الباب أمام الاستفراد بإدارة المال العام دون رقابة.

 موجة احتجاج قانوني

وقوبل قانون ديوان الرئاسة بالعديد من الانتقادات وحالة من الرفض بين أوساط حقوقيين وقانونيين، على توسع الرئيس على مدار الأعوام الماضية في استنزاف نص المادة 43 من القانون الاساسي وإخراجها عن مضمونها.

المختص في الشأن القانوني والحقوقي عصام عابدين، قال: "القانون يجعل الديوان يتمتع بالشخصية الاعتبارية والأهلية القانونية لمباشرة جميع الأعمال والتصرفات القانونية لتحقيق الأهداف والمهام التي أنشئ من أجلها بما في ذلك تملك الأموال المنقولة وغير المنقولة وفتح الحسابات البنكية وإغلاقها".

وعن الصلاحيات التي يمنحها القانون لديوان الرئاسة، أضاف عابدين عبر صفحته على الفيس بوك: "يكون للديوان مركز مالي مستقل ضمن الموازنة العامة للدولة، ويجوز له فتح مقار فرعية أو مكاتب في أي محافظة بقرار من الرئيس".

ونوه إلى أن رئيس الديوان يتمتع بالصلاحيات الممنوحة لرئيس الدائرة الحكومية بموجب التشريعات النافذة، ويتقاضى راتباً يعادل الراتب المخصص للوزير ويتمتع بالامتيازات والحقوق التقاعدية الممنوحة له".

وفي نفس السياق، تابع "ما يجري حالياً لا يبدو أنه مرتبط بحالة السلطة بل يعكس حالة صراع على نفوذ ومواقع ومصالح على حساب هذه البلد التي يوجد بها أكثر من سبعة قوانين للتقاعد، فهناك قانون للرئيس وقانون للنواب وآخر للمحافظين وغيره للوزراء وكلها بنسب مختلفة".

ولفت عابدين إلى أن أخطر ما في هذه القرارات أنها تصدر بشكل سري ومفاجئ ودون مشاركة المجتمع المدني، مؤكداً أن المسألة تتعدى حدود القرارات بقانون، ومنح صلاحيات حصرية للرئيس وفيه دخول واسع النطاق على الحكومة إذ إن القرار الجديد يمنح الديوان صلاحيات تبدو كأنها حكومة موازية.

وبين أن الحكومة لم تطلع على القانون ولم يعرض عليها، كما أنه لا ضرورة لإصداره من الأساس خصوصاً أنه غير متعلق بالطوارئ ومضمونه يتجاوز ويخالف طبيعة العلاقة الدستورية بين الرئاسة والحكومة في المادة 38 في الصلاحيات الدستورية والمادة 63 التي تؤكد على أن مجلس الوزراء هو السلطة التنفيذية العليا.

 الاستفراد بالمال العام

ولعل الصلاحيات الواسعة التي يتمتع بها الرئيس ليست جديدة، وما منح له بالقانون كان يتمتع به سابقا دون وجود سند قانوني له خاصة فيما يتعلق بالجانب المالي، والذي يشكل جزءا أساسيا من الإشكالية القائمة.

ومنح القانون الرئاسة حق التملك وشراء العقارات والأموال المنقولة وغير المنقولة والحصول على أموال الموازنة العامة دون رقيب، بالإضافة إلى أن الامتيازات والعلاوات والرواتب والأنظمة المالية الأخرى لموظفي ديوان الرئاسة تمثل كلها مخالفة للقانون الأساسي، الذي لم ينص تخصيص تلك الأموال لمؤسسة الرئاسة على نفقة الدولة، سيما في ظل أزمة مالية خانقة تمر بها السلطة.

باحث اقتصادي: مصروفات مكتب الرئاسة تتجاوز ما يصرف على غزة أحيانا

أسامة نوفل الباحث الاقتصادي والمالي أكد "للرسالة" أن العديد من الدراسات عندما تناولت الموازنة العامة للسلطة الفلسطينية تفاجأت بوجود بند مالي ضخم جداً يصرف على مكتب الرئاسة وتجاوز في بعض الاحيان موازنة وزارة الصحة، موضحاً أن ذلك كان مدعاة للمؤسسات المهتمة بالشفافية والنزاهة لمعرفة أسباب تضخم موازنة الرئاسة.

وقال: "في العام 2017 كان حجم الانفاق على ديوان الرئاسة 17% من الموازنة العامة والانفاق على وزارة الصحة 18% وقطاع غزة 15%، والرئاسة الفلسطينية حاولت تبرير ذلك في عدة حالات ولم تنجح؛ لذلك لجأت لتغطية الأرقام المتضخمة عبر اصدار قرار بقانون يشرعن موازنتها الهائلة.

أما النقطة الثانية، وفق نوفل، فهي أن الرئاسة وعلى فترات طويلة تحاول استقطاب رأي الشارع الفلسطيني وإظهار تعاطف الرئيس مع بعض الحالات متعديا على عمل الوزارات.
وبموجب القانون الأخير أنشأت مجموعة من الإدارات العامة في ديوان الرئاسة تقوم بمهام الوزارات مثل الإدارة العامة لشئون الصحة".

وتابع نوفل: "العديد من المساعدات الدولية تأتي للسلطة ويتم تحويلها مباشرة للرئاسة، ويتم انفاقها على الاجهزة الأمنية المختلفة في الضفة دون ان تمر على المالية وهنا تكمن خطوة تشريع القرار الخاص بالرئيس.

وبين أن عددا من الدول المانحة استهجنت الأمر بعد أن لاحظت أن الأموال لا تمر عبر وزارة المالية وانما عبر ديوان الرئاسة، وهذا أحد دوافع القانون لتبرير هذه الإجراءات أمام تلك الدول وتشريع الإجراءات التي تتخذها الرئاسة.

وتحدث نوفل عن مبالغ طائلة يتم صرفها تحت بند موازنات تشغيلية للأمن وهدايا واستشارات بالإضافة الى المساعدات التي يقدمها الرئيس للفقراء والمناشدات التي يستجيب لها يومياً وبشكل مخالف للقانون، والتي يفترض ان يتم تحويلها للوزارة المختصة للتعامل معها وليس التعامل معها مباشرة من ديوان الرئاسة.

المعطيات السابقة تشير إلى أن ديوان الرئاسة سيعمل في المجالات المختلفة بالموازاة مع الحكومة وبتضاربٍ في الصلاحيات، وهو من شأنه أن يخلق حالة من الصدام بين الحكومة وسياساتها الاقتصادية والاجتماعية والتنموية، وبين الديوان حال ممارسته لتلك الصلاحيات، وهو ما سيفضي إلى هيمنة جهة على أخرى أو تنازل جهة عن صلاحياتها لصالح أخرى.

وفي هذا السياق، اعتبر نوفل أن القرار أنشأ جسما موازيا للحكومة الهدف منه تغطية السرقات التي تتم للمساعدات الدولية الواردة وتشريع عملية صرف أموال للأمن دون علم المالية وهو تحايل على قانون الموازنة العامة لعام 1997، ومحاولة استجلاب الدعم المالي بشكل أوسع وأكبر وهذه ليست التجربة الأولى.

وقال "في العام 2006 عندما امتنعت الدول المانحة عن تقديم الأموال للحكومة العاشرة بعد فوز حركة حماس بالانتخابات التشريعية لجأت إلى ضخ الأموال لديوان الرئاسة وكانت التجربة الأولى التي اعتبرها الرئيس أبو مازن مدخلا مهما للسرقة والتحايل على القانون".

وتابع "الآلية التي يتم التعامل بها الآن لإظهار أن الرئيس قادر على جلب الأموال أكثر من الحكومة ورئيسها محمد إشتيه، في حين أن أكبر داعم للشعب الفلسطيني هو الاتحاد الأوروبي والذي يتعامل مباشرة مع الحكومة ويضخ المساعدات لموازنة المالية وليس الرئاسة".

وشدد نوفل على أن هذه هي السياسة ذاتها التي تتعامل وفقها الرئاسة مع الصناديق السيادية والتي تحصل على المساعدات من بنك التنمية الإسلامي والدول العربية وهي صناديق تعج بالفساد.

وبحسب الباحث الاقتصادي فانه هذه ليست المرة الأولى التي يتم فيها تشريع الفساد المالي عبر قرار بقانون وصدرت في السابق قرارات تمنح الشرعية لنهب المال العام.

وكون موازنة الرئاسة ستصبح مستقلة وبعيدة عن عين الرقابة قال نوفل: "عملية الرقابة على ديوان الرئاسة صعبة جدا على عكس الرقابة على الوزارات، والجميع يذكر الوقف في الخليل الذي منحته الرئاسة للكنيسة الروسية وهي أحد مخاطر الاستقلالية المالية للرئاسة والتمتع بالأموال غير المنقولة ما يمنحها حق وهب الأراضي وغيرها لجهات لا تستحق".

وذكر أنه من ناحية أخرى فإن القرار بقانون يخالف بشكل فج قانون الموازنة العامة الذي ينص على ضرورة تحويل كامل الإيرادات من كل مؤسسات السلطة للحساب الموحد لوزارة المالية وبالتالي تملك الرئيس وفتح حسابات مالية له هو تناقض مع القانون.

ويخالف القرار بقانون الجديد إقرار موازنة الرئاسة ضمن الموازنة العامة، والآلية الجديدة ستجعلها خارج الرقابة.

د. خريشة: القوانين تعزز نفوذ أصحاب رؤوس الأموال وليس حاجة الناس

وبما أن القانون نشر في الجريدة الرسمية وأصبح ساري المفعول فإن السؤال المطروح: هل ستخلو موازنة 2021 من أي بند يتعلق بالرئاسة؟ وهنا يوضح نوفل أن الاجسام المتعلقة ببنود الموازنة تبقى كما هي ولكن آلية تحصيل الإيرادات للرئاسة ستكون خارج الموازنة، فيما ستبقى البنود المتعلقة بصرف رواتب الديوان من المالية كباقي الموظفين حتى لا يفقد صلاحياته.

ولفت نوفل إلى أن الرئيس تعسف في استخدام القانون وأصدر خلال فترة الانقسام أكثر من 270 قرارا بقانون، وفقاً للهيئة المستقلة لحقوق الانسان، وهي تفوق ما أصدره التشريعي نفسه خلال فترة عمله.

  حكومة موازية

هناك إشكالية ضخمة ستثور حال عمل المجلس التشريعي -ما لم يقم حينها بإلغاء القرار بقانون، إذ إن النظام الذي يخلقه هذا القرار سوف يؤدي إلى وجود حكومة مساءلة عن أعمالها أمام البرلمان، بموجب المادة 74 من القانون الأساسي، و "ديوان رئاسة" غير مساءل.

وهنا يبرز السؤال في حال تعارض الصلاحيات بين الجهتين، أو ورود تقصير في معالجة أزمة ما، فكيف يمكن للمجلس التشريعي التعامل مع تلك الأزمة في ظل فقدانه صلاحية استجواب أي من العاملين في ديوان الرئاسة، فيما يملك ذلك اتجاه أعضاء مجلس الوزراء ورئيس الوزراء نفسه.

د. حسن خريشة النائب الثاني لرئيس المجلس التشريعي الفلسطيني اعتبر أن القانون تضمن بنودا خطيرة، منها ما جعل ديوان الرئاسة خارج الرقابة العامة ومنحه صلاحيات أخرى.

ويعتقد أن الرئيس أخذ عددا كبيرا من القوانين لصالحه، وهذا ينافي الصلاحيات التي منحه إياها القانون الأساسي، والذي كان واضحا في هذا الجانب، مشيرا إلى أن القانون يقر في حال غياب التشريعي لأي سبب يقوم الرئيس بإصدار مراسيم تحمي القانون بشرط ان يكون هناك حالة طارئة وضرورية ولا تقبل التأجيل".

وقال: "معظم القوانين التي صدرت ليست طارئة وتحتمل التأجيل، لحين وجود جسم منتخب برلماني أو مجلس تشريعي وبالتالي معظم القوانين التي صدرت هي قوانين اقتصادية تعزز نفوذ أصحاب رؤوس الأموال وليس حاجة الناس".

واعتبر خريشة أن الرئيس خلق حكومة موازية للحكومة التي عينها هو، وكأن ديوان الرئاسة حكومة جديدة لا تخضع لأحد وهذا يؤسس لمرحلة قادمة يسودها عدم الوضوح وتجاوز القوانين المعمول بها، ويفتح المجال أمام تضارب المصالح والصلاحيات في ظل وجود الحكومة وديوان الرئاسة والمحافظين أيضاً.

واعتبر أن من يدفع الرئيس نحو هذه الإجراءات هم المحيطون به الذين يعملون لمصالحهم الشخصية ودون أي مشاورات وهذا ما يفسر أن الرئيس يصدر قانونا ويتراجع عنه فيما بعد، والأصل في الأمر أن يكون حذرا في اصدار المراسيم التي تتماشى مع القانون الأساسي وتخدم المصلحة العامة.

وطالب خريشة بالحفاظ على النظام السياسي الفلسطيني بسلطاته الثلاث القضائية والتنفيذية والتشريعية، وأن يكون هناك تكامل في عملها وليس أن تهيمن إحداها على باقي السلطات.

 عودة النظام الرئاسي

ولم تكن هذه المرة الأولى التي تظهر فيها أزمة الصلاحيات فقد برزت إشكالية تضارب الصلاحيات حد الصدام وخلقت أزمات بين الرئيس والحكومة مرتين؛ الأولى في العام 2003 عندما تم تعديل القانون الأساسي الفلسطيني إبان حكم الرئيس عرفات، حيث لم يكن هناك منصب رئيس وزراء في النظام السياسي الفلسطيني حتى ذلك الحين، وكانت الحكومة تتبع مباشرة لرئيس السلطة.

وعقب التعديل استحدث منصب رئيس الوزراء، ومنحه العديد من الصلاحيات مستقلا عن مؤسسة الرئاسة، وباءت التجربة حينذاك بالفشل، حيث استقال محمود عباس، رئيس الحكومة في حينه، بسبب تنازع الصلاحيات مع مؤسسة الرئاسة.

أما المرة الثانية فكانت عندما شكلت كتلة التغيير والإصلاح المحسوبة على حركة حماس الحكومة الفلسطينية العاشرة في العام 2006، بعد فوزها بأغلبية برلمانية، واصطدمت حينها بالرئيس عباس في تداخل الصلاحيات بين الحكومة والرئاسة.

وبالنظر إلى القرار بقانون ديوان الرئاسة فإن ما جاء به يقضي فعلياً على أية صلاحيات للحكومة بشكل مستقل عن مؤسسة الرئاسة، مما يعني وجود "حكومة ظل" تحت مسمى "ديوان الرئاسة"، بحيث تتبع الرئيس مباشرة وتأخذ معظم الصلاحيات الممنوحة للحكومة بموجب القانون الاساسي، أي أن هذا القرار بقانون يعود عملياً إلى نقطة الصفر ما قبل العام 2003، من حيث تركيز الصلاحيات بيد الرئيس وإعادة النظام السياسي الفلسطيني للنظام الرئاسي، مع فرق واحد وهو وجود رئيس وزراء.