تطبيع "تحت التعذيب"

حسام كنفاني
حسام كنفاني

حسام كنفاني

لم يكن الإعلان عن اتفاق التطبيع بين السودان وإسرائيل مفاجئاً، فإشاراتٌ كثيرة كانت تقود إلى توقع حدوث الأمر بين لحظة وأخرى، وهو ما حصل بالفعل مساء يوم الجمعة، عبر الإعلان المشترك الأميركي السوداني الإسرائيلي، والذي جاء بعد كثير من الضغوط السياسية والاقتصادية التي مارستها الولايات المتحدة والإمارات على القوى السياسية في السودان، إذ كان من الواضح أن أطراف الحكومة المدنية في الخرطوم مترددون أو غير راغبين في الإقدام على مثل هذه الخطوة، على عكس الأطراف العسكرية الحاكمة، والتي كان جلياً توقها إلى هذا التطبيع، حتى قبل افتتاح أبوظبي باب التطبيع، حين التقى رئيس مجلس السيادة الانتقالي، عبد الفتاح البرهان، مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في فبراير/ شباط الماضي.
التصريحات الحكومية التي جاءت بعد الإعلان المشترك عن التطبيع تشير إلى أن الأطراف السياسية "مغلوب على أمرها"، وتشعر بالإحراج من الاتفاق، وتحاول نسبياً التنصّل منه منذ لحظة إعلانه. هذا ما يمكن استنباطه من تصريحات وزير الخارجية السوداني، عمر قمر الدين، والذي نفى أن يكون ما حصل تطبيعاً.

إذ نقل التلفزيون الرسمي عنه قوله إن "ما تم اليوم هو اتفاق حول التطبيع وليس تطبيعاً". حتى هذا الاتفاق عمد إلى التقليل منه، مشيراً إلى أنه لن يكون نافذاً قبل الموافقة عليه من المؤسسات الدستورية، ولا سيما المجلس التشريعي، والذي برأيه "هو من سيقرر الموافقة من عدمها على التطبيع مع إسرائيل"، مضيفاً أن "لا بد من مصادقة البرلمان على الاتفاقيات في كل دول العالم". أما رئيس الوزراء السوداني، عبدالله حمدوك، فعمد إلى عدم التعليق على التطبيع، واكتفى بالحديث عن رفع السودان عن قائمة الدول الداعمة للإرهاب، باعتباره إنجازاً للبلاد.
مثل هذا الكلام، وخصوصاً بالنسبة إلى وزير الخارجية، يوحي بأن هذا الاتفاق جاء "تحت التعذيب" بالنسبة إلى القوى السياسية، وخصوصاً في ظل السعي للإصلاح الاقتصادي والذي يمكن ربطه بشكل أو بآخر بعملية رفع اسم السودان عن قائمة الدولة الداعمة للإرهاب، والذي لن تقدم عليه الولايات المتحدة بدون مثل هذا الاتفاق، رغم أنه ليس من الضرورة أن يقود هذا الرفع إلى الرخاء الاقتصادي، وخصوصاً في ظل تجارب سابقة في ليبيا والعراق، إذ لم تؤد إزالتهما عن هذه القائمة إلى الانتعاش الذي كان متوقعاً.

يضاف إلى ذلك حالة الضغط التي تمارسها الإمارات العربية المتحدة لضم السودان إلى القائمة، والتلويح بالمساعدات وسداد أجزاء من الديون على السودان، والتي فاقت الستين مليار دولار. 
العسكر الحاكمون في البلاد أيضاً لعبواً دوراً في "التعذيب" الذي أودى إلى التطبيع. فهؤلاء يرون في الاتفاق فرصة لتأبيد حكمهم بعد نيل الرضى من الولايات المتحدة والمباركة من الدول الداعمة اقتصادياً، وفي مقدمتها الإمارات والسعودية.

وهم عمدوا إلى تلميع الخطوة التطبيعية شعبياً باعتبارها أساساً للخروج من الأزمات الاقتصادية التي تعيشها البلاد، وقد نجحوا نسبياً في ذلك حين خرج الكثير من الأصوات الشعبية بعد لقاء البرهان ونتنياهو تبارك الخطوة، وتراها "باباً للفرج" في السودان.
ما بين العسكر والسياسيين في السودان اليوم، لا بد من ترقب الخطوات التالية للإعلان عن الاتفاق التطبيعي، وما إذا كان حديث وزير الخارجية له سند فعلي أم أن التطبيع سيفرض فرضاً على السياسيين، وستظهر إجراءات فعلية في الأيام أو الشهور المقبلة، خصوصاً أن البرلمان الذي يتحدث عنه الوزير لا يزال يحتاج إلى وقت طويل ليتشكل ويبدأ ممارسة مهامه. الأمر الذي بالتأكيد لن تنتظره إسرائيل ولا الإمارات ولا الولايات المتحدة.


العربي الجديد