هل يمكن توظيف المواجهة بين الحريديم والكيان الصهيوني؟

هل يمكن توظيف المواجهة بين الحريديم والكيان الصهيوني؟
هل يمكن توظيف المواجهة بين الحريديم والكيان الصهيوني؟

د. صالح النعامي

 أثارت حالة الاستقطاب والخلاف المتصاعد بين التيار الديني اليهودي الحريدي ومؤسسة الحكم في الكيان الصهيوني اهتمام نخب عربية.

هذه النخب، وبعضها قامات فكرية وازنة، رأت أنه بالإمكان الاستثمار في هذا الخلاف لجهة إضعاف هذا الكيان وتحسين مكانة القضية الفلسطينية.

في الواقع، إن الخلاف بين الحريديم والكيان الصهيوني لا يسمح كثيرا باستغلاله لصالح القضية الفلسطينية، لأنه ببساطة يتمحور حول قضايا لا تمس بشكل مباشر الصراع مع الاحتلال، وهما: العلاقة بين الدين والدولة، ومصالح الحريديم المتمثلة في تأمين الدعم المادي لجمهورهم ومؤسساتهم الدينية والتعليمية.

ومن الأهمية التأكيد على أن الاحتجاجات التي ينظمها الحريديم حاليا ضد مؤسسات الكيان، وتحديدا رفضهم احترام إجراءات مواجهة كورونا تأتي في إطار الحرص على مراكمة القوة وفرض التوجهات الدينية والعقائدية على الكيان وليس من منطلق مواجهة توجهات الكيان العدائية تجاه العرب، بدليل مشاركة الحريديم في الائتلاف الحاكم.

مع العلم أن مصالح الحريديم الاقتصادية تدفعهم ليس فقط لتبني مواقف متطرفة من الصراع، بل تجعلهم يسهمون في إضفاء مزيد من التشدد على مواقف الحكومات التي هم جزء منها.

فقد دفع الحريديم الحكومات الصهيونية لاستغلال احتياطي الأراضي في الضفة الغربية لبناء مستوطنات خاصة بهم، مما جعلهم أكثر رفضا لأي مشروع تسوية يقوم على فكرة الانسحاب من الضفة، على اعتبار أن هذا الانسحاب يعني المس بالمستوطنات الكبيرة التي بنيت لصالحهم هناك والتي منحت سكنا رخيصا وضمنت لهم العيش في أجواء انعزالية، كما يفضلون.

في الوقت ذاته، فإن إسهام الحريديم المتدني في سوق العمل واعتمادهم على مخصصات الضمان الاجتماعي وعدم تحملهم عبء الخدمة العسكرية مقارنة بالقطاعات السكانية الأخرى، يجعلهم مجبرين على قبول قواعد النظام السياسي رغم الاحتكاكات الهادفة لتحسين مكانتهم في هذا النظام؛ مع العلم أن هذه الاحتكاكات تكون في بعض الأحيان من الخطورة بشكل يمكن أن يهدد استقرار النظام السياسي برمته.

صحيح أن الحريديم يعدون ثقبا أسود للكيان الصهيوني لأنهم لا يشاركون في سوق العمل وقلة منهم تخدم في الجيش، لكن هذا تحديدا يجعلهم أكثر ارتباطا بقوى اليمين، لكي تتواصل مشاركتهم في الائتلافات الحاكمة ليواصلوا حيازة الموارد المالية لأتباعهم ومؤسساتهم.

وقبل الخوض في توجهات التيار الديني الحريدي من الصراع، من الأهمية الإشارة إلى حقيقة أن هذا التيار يمثل10% من تعداد اليهود في الكيان الصهيوني، ويتسم بمستوى تكاثر طبيعي كبير جدا، حيث أن متوسط عدد ولادات المرأة الحريدية 8 ولادات.

ولا شك أن المنطلقات العقائدية والفقهية للتيار الديني الحريدي تجعله يتشرب مواقف متطرفة من الصراع؛ فأكثر من 90% من عناصره يعرفون أنفسهم منتمين لليمين أو اليمين المتطرف.

ما يدل على التوجهات المتطرفة للتيار الحريدي، حقيقة أن حركتي "شاس" ويهودات هتوراة اللتين تحتكران تمثيل 95% من اليهود الحريديم في (إسرائيل) هما شريكتان دائمتان في الحكومات التي يشكلها اليمين الصهيوني، منذ صعود الليكود للحكم لأول مرة في 1977.

ويسهم الحريديم بدور أساس في تنفيذ العمليات الإرهابية ضد الفلسطينيين في الضفة الغربية، وتحديدا عبر انتسابهم لمنظمة "شارة ثمن" الإرهابية.

فمنفذ جريمة إحراق عائلة دوابشة يوئيل بن أويل من الحريديم، وكذلك الإرهابيون الذين قاموا برجم المواطنة الفلسطينية عائشة الرابي، فضلا عن أن لواءي "هناحل هحريدي" و"نتسي يهودا"، اللذين يخدم في إطارهما الحريديم في الجيش هما الأكثر عنفا ضد الفلسطينيين.

إلى جانب ذلك، فإن معظم مرجعيات الإفتاء اليهودي التي تتوسع في ابتداع المسوغات الفقهية التي تحث على قتل العرب وذبحهم، مثل الحاخامين إلتسور، وشابيرا، مؤلفي المصنف الفقهي "شريعة الملك" والحاخام اسحك جنزبرغ مؤلف المصنف "تبارك الرجل" هم من الحريديم.

ويعد حي "مئة شعريم" (مائة باب) في القدس المحتلة معقل الجناح الحريدي الأكثر تطرفا والأكثر غلوا في رفضه لمؤسسات الحكم، وهو الجناح الذي يطلق عليه الصهاينة "الجناح الشمالي" الحريدي، وهذا التيار يتحدى الكيان من منطلق الشعور بالنفوذ والقوة وليس من منطلق رفض الكيان وتحدي سياساته العنصرية تجاه العرب والفلسطينيين.

هناك خلط بين جماعة "ناطوري كرتا" الحريدية الهامشية جدا، التي بالفعل ترفض الاعتراف بالكيان الصهيوني وتساند الحق الفلسطيني، والتي معظم أتباعها خارج فلسطين، وبين بقية مكونات التيار الحريدي، التي تتبنى الموقف المتطرف من الصراع.

هل يمكن توظيف المواجهة بين الحريديم والكيان الصهيوني؟

د. صالح النعامي

أثارت حالة الاستقطاب والخلاف المتصاعد بين التيار الديني اليهودي الحريدي ومؤسسة الحكم في الكيان الصهيوني اهتمام نخب عربية.

هذه النخب، وبعضها قامات فكرية وازنة، رأت أنه بالإمكان الاستثمار في هذا الخلاف لجهة إضعاف هذا الكيان وتحسين مكانة القضية الفلسطينية.

في الواقع، إن الخلاف بين الحريديم والكيان الصهيوني لا يسمح كثيرا باستغلاله لصالح القضية الفلسطينية، لأنه ببساطة يتمحور حول قضايا لا تمس بشكل مباشر الصراع مع الاحتلال، وهما: العلاقة بين الدين والدولة، ومصالح الحريديم المتمثلة في تأمين الدعم المادي لجمهورهم ومؤسساتهم الدينية والتعليمية.

ومن الأهمية التأكيد على أن الاحتجاجات التي ينظمها الحريديم حاليا ضد مؤسسات الكيان، وتحديدا رفضهم احترام إجراءات مواجهة كورونا تأتي في إطار الحرص على مراكمة القوة وفرض التوجهات الدينية والعقائدية على الكيان وليس من منطلق مواجهة توجهات الكيان العدائية تجاه العرب، بدليل مشاركة الحريديم في الائتلاف الحاكم.

مع العلم أن مصالح الحريديم الاقتصادية تدفعهم ليس فقط لتبني مواقف متطرفة من الصراع، بل تجعلهم يسهمون في إضفاء مزيد من التشدد على مواقف الحكومات التي هم جزء منها.

فقد دفع الحريديم الحكومات الصهيونية لاستغلال احتياطي الأراضي في الضفة الغربية لبناء مستوطنات خاصة بهم، مما جعلهم أكثر رفضا لأي مشروع تسوية يقوم على فكرة الانسحاب من الضفة، على اعتبار أن هذا الانسحاب يعني المس بالمستوطنات الكبيرة التي بنيت لصالحهم هناك والتي منحت سكنا رخيصا وضمنت لهم العيش في أجواء انعزالية، كما يفضلون.

في الوقت ذاته، فإن إسهام الحريديم المتدني في سوق العمل واعتمادهم على مخصصات الضمان الاجتماعي وعدم تحملهم عبء الخدمة العسكرية مقارنة بالقطاعات السكانية الأخرى، يجعلهم مجبرين على قبول قواعد النظام السياسي رغم الاحتكاكات الهادفة لتحسين مكانتهم في هذا النظام؛ مع العلم أن هذه الاحتكاكات تكون في بعض الأحيان من الخطورة بشكل يمكن أن يهدد استقرار النظام السياسي برمته.

صحيح أن الحريديم يعدون ثقبا أسود للكيان الصهيوني لأنهم لا يشاركون في سوق العمل وقلة منهم تخدم في الجيش، لكن هذا تحديدا يجعلهم أكثر ارتباطا بقوى اليمين، لكي تتواصل مشاركتهم في الائتلافات الحاكمة ليواصلوا حيازة الموارد المالية لأتباعهم ومؤسساتهم.

وقبل الخوض في توجهات التيار الديني الحريدي من الصراع، من الأهمية الإشارة إلى حقيقة أن هذا التيار يمثل10% من تعداد اليهود في الكيان الصهيوني، ويتسم بمستوى تكاثر طبيعي كبير جدا، حيث أن متوسط عدد ولادات المرأة الحريدية 8 ولادات.

ولا شك أن المنطلقات العقائدية والفقهية للتيار الديني الحريدي تجعله يتشرب مواقف متطرفة من الصراع؛ فأكثر من 90% من عناصره يعرفون أنفسهم منتمين لليمين أو اليمين المتطرف.

ما يدل على التوجهات المتطرفة للتيار الحريدي، حقيقة أن حركتي "شاس" ويهودات هتوراة اللتين تحتكران تمثيل 95% من اليهود الحريديم في (إسرائيل) هما شريكتان دائمتان في الحكومات التي يشكلها اليمين الصهيوني، منذ صعود الليكود للحكم لأول مرة في 1977.

ويسهم الحريديم بدور أساس في تنفيذ العمليات الإرهابية ضد الفلسطينيين في الضفة الغربية، وتحديدا عبر انتسابهم لمنظمة "شارة ثمن" الإرهابية.

فمنفذ جريمة إحراق عائلة دوابشة يوئيل بن أويل من الحريديم، وكذلك الإرهابيون الذين قاموا برجم المواطنة الفلسطينية عائشة الرابي، فضلا عن أن لواءي "هناحل هحريدي" و"نتسي يهودا"، اللذين يخدم في إطارهما الحريديم في الجيش هما الأكثر عنفا ضد الفلسطينيين.

إلى جانب ذلك، فإن معظم مرجعيات الإفتاء اليهودي التي تتوسع في ابتداع المسوغات الفقهية التي تحث على قتل العرب وذبحهم، مثل الحاخامين إلتسور، وشابيرا، مؤلفي المصنف الفقهي "شريعة الملك" والحاخام اسحك جنزبرغ مؤلف المصنف "تبارك الرجل" هم من الحريديم.

ويعد حي "مئة شعريم" (مائة باب) في القدس المحتلة معقل الجناح الحريدي الأكثر تطرفا والأكثر غلوا في رفضه لمؤسسات الحكم، وهو الجناح الذي يطلق عليه الصهاينة "الجناح الشمالي" الحريدي، وهذا التيار يتحدى الكيان من منطلق الشعور بالنفوذ والقوة وليس من منطلق رفض الكيان وتحدي سياساته العنصرية تجاه العرب والفلسطينيين.

هناك خلط بين جماعة "ناطوري كرتا" الحريدية الهامشية جدا، التي بالفعل ترفض الاعتراف بالكيان الصهيوني وتساند الحق الفلسطيني، والتي معظم أتباعها خارج فلسطين، وبين بقية مكونات التيار الحريدي، التي تتبنى الموقف المتطرف من الصراع.