من مخلفات الحرب الأخيرة

لعبة الموت ... أجسام موقوتة تزهق أرواح الأطفال الأبرياء

الطقل خميس أبو عرب بعد اصابته بجسم مشبوه
الطقل خميس أبو عرب بعد اصابته بجسم مشبوه

 

غزة- عدنان نصر

شهد يوم الثلاثاء الماضي صفحة قاتمة في حياة المواطن رائد أبو عرب (32 عاماً) ، فبعد عودته من صلاة المغرب إلى منزله في مخيم البريج وسط مدينة غزة تناهى إلى مسامعه دوي انفجار شديد أعاد إلى ذاكرته بشاعة الحرب الإسرائيلية.

فعلى حين غفلة خرج ابناه محمد وخميس من منزلهما المتواضع – الذي لم يدرأ عنهما سخونة الصيف -للهو في أرض جرداء قبالة المنزل كانت مسرحا للتوغلات الإسرائيلية في حربها الأخيرة على غزة.

لحظات قليلة أمضاها الشقيقان في اللعب مع الصبية الصغار، وفجأة انحنى محمد ذو الثمان أعوام على الأرض ملتقطاً جسماً مشبوهاً صغير الحجم دسه في جيبه، وانسل  خلسة من بين رفاقه، مطلقا ساقيه صوب المنزل.

ساور الشك شقيقه خميس الذي يكبره بعامين، ودفعه الفضول لمعرفة سر هروبه، فركض خلفه، لكن براءة محمد، وعقله الباطن أوهماه بأنه عثر على لعبة ثمينة، مفضلا عدم البوح لشقيقه بسر "اللعبة الموقوتة".

والدة الشقيقان التي تربعت على كرسيها في حجرة صغيرة ضمت سريرا منفردا في مستشفى العيون بمدينة غزة ، رقد عليه فلذة كبدها خميس، وقد غطى الشاش الأبيض عينيه تقول " للرسالة": شعرت بتصرفات محمد الغريبة عندما اقتحم المنزل لاهثا، وتوجه إلى غرفة أشقائه الثلاثة الذين كانوا يغطون في سبات عميق، وتبعه خميس بخطوات سريعة. 

تضيف الأم المكلومة التي تقبع في المستشفى بجوار ولدها منذ بداية الحادثة المؤسفة: كنت منشغلة في ترتيب المنزل، وغسل ملابس الأطفال، ولم تسنح لي الفرصة للتحقق من تلك المصيبة السوداء التي أحلت بنا.

خميس الذي استلقى بجسده الغض على سريره ، حجب الشاش ملامحه السمراء، ورسمت شظايا الانفجار ندبات سوداء على وجهه وذراعيه المكشوفتان، حرك شفتاه  ببطء قائلا: أخرج محمد من جيبه شيئا صغيرا من المعدن، تدلى من إحدى أطرافه سلكان من النحاس، عبث بهما لثوان معدودة، ودون سابق إنذار ألقى "بلعبته" وسط الغرفة، وعيناه تشعان ببريق الخوف.

لم يتردد خميس للحظة في التقاط الجسم المشبوه، وشعر بحرارة شديدة لسعت كفيه الصغيرتان، وازدادت مخاوفه عندما تصاعد منها خيط دخان أبيض.

 يقول خميس بكلمات متلاحقة تنم عن خوف شديد سكن بداخله: حاولت إلقاء الجسم المشبوه من شباك النافذة المفتوح، ولكن لسوء حظي ارتطم بجدار الغرفة، ودوى انفجار شديد دب الرعب في قلوب أشقائي فاستيقظوا فزعين من نومهم.

وأصيب محمد بجراح متوسطة في صدره وذراعيه، بينما كان الهم الأكبر من تلك الفاجعة لخميس الذي أظلمت الدنيا بعينيه جراء إصابته بالشظايا المتناثرة.

وينتظر خميس إذناً للسماح له بتلقي العلاج في مستشفيات الخارج، لعدم تمكن الأطباء من  تقديم العلاج الكافي له لخطورة حالته الصحية.

ووصف الدكتور عبد السلام صباح المدير الطبي في  مستشفى العيون حالة خميس بالصعبة، فهو بحاجة لزراعة قرنية في عينه اليسرى التي أصيبت بتهتكات، وعلاج التمزقات في وسط القرنية بعينه اليمنى ، مشيرا إلى أن الرؤية ستكون صعبة لديه حتى لو أكمل علاجه في الخارج.

وعلى الرغم من صغر " جسم الموت"، إلا أنه أحدث ثقوبا في جدار الغرفة، وحطم تلفاز ومنضدة كانا متواجدين داخلها، وأصيب طفلها الصغير مهند برعب شديد منعه من النوم  بشكل طبيعي كالسابق- حسبما تشير والدته . 

وخلصت التحقيقات الأولية التي أجرتها وحدة هندسة المتفجرات التابعة للشرطة الفلسطينية إلى أن الطفلين أصيبا بجسم مشبوه من مخلفات الاحتلال الإسرائيلي بعد انسحابها عقب انتهاء الحرب الأخيرة على القطاع.

ويعد ضحايا الأجسام المشبوهة من الأطفال، والشبان الذين تقطعت بهم السبل ووجدوا في مهنة الخردة منفذا لسد رمقهم.

فبعد يومين من الحرب العدوانية خطفت "أجسام الموت" الطفلين عبد الله حسنين وشقيقته شروق من حي التفاح، وشهد شهر مارس الماضي حادثة مشابهة أودت بحياة طفلين من عائلة حجي واشينورة في حي الزيتون.

وفقد مواطن من عائلة ياسين في حى الزيتون قرب سوق السيارات ثلاثة من أصابعه، وأصيبت زوجته واثنين من أولاده بجروح طفيفة عندما وجد صاروخا ونقله إلى منزله أثناء بحثه عن الخردة.

مع أن الحرب الإسرائيلية غاب دخانها منذ يناير الماضي، إلا أن رياحها المميتة لازالت حاضرة بين أزقة القطاع الجريح، فبين الفينة والأخرى تزهق الأجسام المشبوهة أطفالا أبرياء ، دفعتهم الحاجة للبحث عن قوتهم، أو متنفسا خارج مساكنهم.