لماذا العثور على كنز السفينتين الآن؟!

محمد محمد الاسطل
محمد محمد الاسطل

بقلم: محمد محمد الأسطل

ربما يتعجب السواد الأعظم من الأمة من هذا القَدَرِ العجيب الغريب؛ أن يكون انتصار الخلافة العثمانية على الإنجليز في معركة غزة الأولى بتاريخ 26-3-1917 م، وإغراقهم لسفينتين تحملان في أحشائهما كنزًا ضخمًا من الذخيرة والسلاح.. سببًا في إمداد الكتائب المجاهدة بغزة بالسلاح بعد أكثر من قرنٍ من الزمان، في ذات الوقت الذي ضُيِّقت فيه طرقُ الإمداد العسكري إلى آخر حد!.
وفي وقتٍ مقاربٍ أيضًا يتم اكتشاف خط الأنابيب المعدني الواصل إلى بطن الأرض المحتلة، والذي أعده العدو الصهيوني لسرقة المياه الجوفية، ليكون وعاءً لحشوة المتفجرات التي أخذت من السفينتين وغيرهما، ليتم دك العدو بما زرعته أياديه في أرضنا، وما خلَّفته القوات البريطانية التي منحته وعدًا بوطنٍ فيها.
لكنَّ هذا الأمر وإن بدا عجيبًا.. إلا أنه منتظمٍ في سياقه من فقه السنن، ودونك القصة من البداية في هذه المقالة.

أقام الله هذه الأمة على السنن الجارية، وقد كانت الأمم من قبلنا تمضي انتصاراتها وفق السنن الخارقة؛ وذلك أنَّ الله تعالى إذا أرسل نبيًّا إلى قومٍ، وبلغهم رسالة ربهم، وأقام لهم من الآيات التي تشهد بصدقه، ولم يستجيبوا له.. فإنَّ الله يُنزِلُ بهم العذاب الاستئصالي الشديد؛ من مثل الصيحة والإغراق والخسف وغير ذلك.
ومعنى هذا أنه لم يكن مطلوبًا من الأمم المسلمة قبلنا إلا أن يقولوا ربنا الله، أما ما وراء ذلك من تأديب الكفرة والمجرمين.. فإن الله يتولاه.
ثم إنَّ الله أكرم عباده المؤمنين منذ عهد موسى عليه السلام بحمل لواء الجهاد، لينوبوا بذلك عن السماء في تأديب الطغاة والمجرمين في الأرض، إلا أنَّ بني إسرائيل لم يقوموا به؛ إذ لما كُتب عليهم القتال تولوا إلا قليلًا منهم، والله عليم بالظالمين، وقد قال نفرٌ منهم من قبل لموسى عليه السلام: اذهب أنت وربك فقاتلا، إنا هاهنا قاعدون، إلا ما كان من معارك قليلة حدثت أثناء ذلك وبعده، ولم يكن هناك قتال في زمن عيسى عليه السلام، وهذا يعني أن الله أورث أمتنا الجهاد في سبيله، واجتبانا له، وهذا من أعظم مواقع الفضل الإلهي، ولكن أكثر الناس لا يشكرون.

وعلى ذلك سارت الأمة وفق السنن الجارية وقانون الأسباب، إلا أنَّ الله بلطفه ومنِّه وكرمه لا يكلف عباده إلا ما أطاقوا، فإذا استنفذوا جميع الأسباب، وجاهدوا بكل ما استطاعوا من قوةٍ وإعداد، حتى وصلوا إلى نقطةٍ يعجزون بعدها عن السياسة والتدبير.. فإنَّ الله يحملهم هنا بالسنن الخارقة؛ مكافأة لهم على حسن تدبيرهم في مقتضيات السنن الجارية.
وهذا ما يُسمَّى بالكرامة؛ إذ الأمر الخارق للعادة إذا جاء على يد نبيٍّ.. سُمِّي معجزة، وإذا جاء على يد صالحٍ.. سُمِّي كرامة، وإذا جاء على يد عامِّيٍّ.. كان إعانة، وإذا جاء على يد فاسقٍ؛ فإن جاء على غير مراده.. كان إهانة، وإن جاء على مراده.. كان استدراجًا.
والكرامة من معتقد أهل السنة، وأنكرها المعتزلة، وضخَّمها كثيرٌ من المتصوفة، وعلى هذا؛ فيمكن أن تأتي بعض الأمور الخارقة لرجلٍ صالحٍ أو مجاهدٍ، ولو عُرضِ ما جاءه على عقول العامة.. لم يصدقوه؛ للجهل بحقيقة الكرامة الخاصة، ولهذا استحب الفقهاء إخفاء الكرامات؛ لأنَّ ذلك أدنى من الإخلاص، وأبعد عن تشويش عقول العامة.

أما عن شواهد ما تقرر من أنَّ الله يحمل عباده عقب استفراغ الأخذ بالأسباب؛ فإنَّها كثيرةٌ جدًّا يمكن لي أن أجعل منها كتابًا مستقلًّا، وأكتفي هنا بمثالين في الجيل الأول، ومثالين في هذا الجيل.
وأول الأمثلة ما كان من النبي صلى الله عليه وسلم لما استفرغ الوسع في التدابير الأمنية ليلة الهجرة، وقد عددتها مرة فبلغت أربعة عشر تدبيرًا، ومع ذلك؛ فقد تمكن الكفار من الوصول إلى الغار، فهنا تعطل العقل البشري عن التدبير، فجاءت الكرامة أنَّ الكفار ما دخلوا الغار ولا نظروا تحت أقدامهم أصلًا، مع أنَّ الصعودَ للغار يستغرق ساعتين ونصفًا، وهم ما خرجوا إلا لدخوله، لكن الله حال بينهم وبين قلوبهم!.

وفي يوم الأحزاب استنفذ المسلمون قوتهم في حفر الخندق، وحراسة الثغور، وما قصَّروا في شيء، وفجأة خان بنو قريظة العهد، ووافقوا للكفرة المشركين على دخول المدينة من جهتهم، واغتم المسلمون لذلك غمًّا قلَّ أن تجد مثله في أحداث السيرة كلها.
وفي هذه اللحظة؛ حيث قمةُ الضعف ومظنةُ الهزيمة وضياع الجهد.. يأتي المدد من الله بأن قلَّبَ سبحانه قلْب رجلٍ واحد من جيش الكفار، صاحِبُهُ على علاقة حميمة مع قادة قريش وقادة بني قريظة، وأسلم، مع الاستبعاد الشديد في هذا الوقت لإسلام رجل هو من الجيش القوي المتوقع انتصاره ودخوله في الجيش الضعيف المتوقع هزيمته، ألا وهو نُعَيمُ بن مسعود، وكان آية في الدهاء والخديعة، واستطاع أن ينزع الثقة المتبادلة بين قريش وبني قريظة، حتى رد الله الذين كفروا بغيظهم لم ينالوا خيرًا.

أما عن أمثلة هذا الجيل؛ ففي الحروب الثلاثة الماضية على غزة سمعنا عددًا لا بأس به من كرامات المجاهدين، وكان القاسم المشترك بينها أنَّ الإخوة المجاهدين، بعد أن يستفرغوا الوسع والجهد والجهاد، ثم يصلوا إلى مفترق طرق مسدود، حتى ليكاد اليأس أن يُقعِدَ قلوبهم.. وإذ بفتح الله يتنزل عليهم، والآفاق تُفتح لهم.
ومن ذلك أن بعض المجاهدين ما استطاعوا فتح عين أحد الأنفـاق على مدار يومين للخروج لقتال العدو، ولما حصل اليأس وارتفعت الأيدي تضج إلى الله بالدعاء.. فتح الله العين من غير اجتهادٍ منهم، ولكن بفعل الدبابة الصهيونية نفسها؛ إذ مرَّت بضع مرات فوق النفـق حتى لانت الأرض وفُتحت العين، ثم اكتوى من فيها بنار من فيه!.

وكان بعض المجاهدين في منطقة حدودية، وتنقلوا من بيتٍ إلى بيتٍ لمصلحةٍ أمنية، حتى صاروا في بيتٍ لا يجدون غيره، لكنهم تفاجأوا لما دخلوه أنه موصد الأبواب من الداخل، وهذا يعطل المهمة التي جاءوا من أجلها، للحاجة إلى تغيير الموضع بحسب التكتيك وحركة العدو، فقلبوا الآراء وحاولوا فتحه بكل سبيل، ولما كاد اليأس أن يدب فيهم، ويفكروا في الانسحاب.. أخرج أحدهم مِفتاح بيته هو، ووضعه في القفل من غير تقصدٍ لذلك، وإذ بالله يفتح على أيديهم، وفتحوا أبواب البيت جميعًا الداخلية بنفس المفتاح!.
وشاء الله أن يثخن هؤلاء الشباب في العدو ويوقعوا فيهم مقتلةً عظيمة.

وبعد الذي تقرر؛ فإنَّ الإخوة المجاهدين هنا استفرغوا الوسع والجهد إلى آخر حد، واتخذوا في إيصال السلاح للبلد وتصنيعه كلَّ سبيل، وحُفرت الأنفاق ودُفعت الأموال، فلما حصلت الخيانة من بعض الأنظمة العربية، وسارعوا في العدو الصهيوني يبتغون عندهم العزة، وظن العدو أنه حاصر البلد حتى ما يقدر المجاهدون أن يدخلوا قذيفة.. أخرج الله لهم في هذا التوقيت مخزنًا من الذخيرة من بطن البحر، ويشاء الله تعالى أن يكون من سلاح القوات البريطانية التي أعطت الصهاينة وعدًا باحتلال أرضنا ثم أقامته فيها.
وكان من الممكن كشف السفينتين من عقودٍ بعيدة، سواءٌ من العدو الصهيوني نفسه لما كان محتلًّا لغزة، أو من الصيادين، أو من غيرهم، إلا أنَّ الله جل وعلا حفظ هذا الكنز أكثر من قرنٍ من الزمان، حيث أمجاد الخلافة العثمانية؛ لنرى فضل الله وإعانته وغوثه لعباده، وصدق سبحانه إذ قال: {ومن يتق الله يجعل له مخرجًا، ويرزقه من حيث لا يحتسب، ومن يتوكل على الله فهو حسبه، إن الله بالغ أمره، قد جعل الله لكل شيءٍ قدرًا} [الطلاق : 2 ، 3].

هذه هي المعاملة مع الله؛ إذا أغلق الله بابًا بعدله.. فتح أبوابًا بفضله، ولا يخسر على الله أحد كما قال الإمام الرازي، وقد يُعِدُّ سبحانه الشيءَ لأجيالٍ لم تُخلق بعد.
ومن المعروف في قصة نفـق منطقة القرارة في الحرب الماضية أن عدد المجاهدين فيه تسعة وعشرون، ولما حوصروا فيه تخوف الناس في الخارج أن يكونوا بدون ماء، فإن سلموا من العدو.. هلكوا عطشًا، غير أنَّ المجاهدين لما عانوا العطش كان أحدهم بقدر الله ممن شارك في العمل فيه، فتذكر أنهم أثناء حفره اعترض طريقهم عينُ ماء، وشوشت عملهم، وما استطاع أحد أن يوقف سيلها أو أن يعرف مصدرها، فتم معالجة الأمر بصرفها عن مسار النفـق وتخفيف تدفقها، فرجع هذا المجاهد إلى العين، وحرَّكها، وإذ بالماء يخرج منها، واقتاتوا عليها، وخرج المجاهدون سالمين بعد واحدٍ وعشرين يومًا إلا من استشهد منهم في منازلة العدو!.
والعجيب أن المجاهد الذي كشف الماء استشهد قبل خروجهم من النفق بيومٍ واحد، وما فاضت روحه حتى أحيا الله به إخوانه، وهو الأخ إياد الفرا رحمة الله عليه.
وهكذا عجز المجاهدون عن حلٍّ جذريٍّ للماء؛ ليبقى مدخرًا لقومٍ يأتون بعد بضع سنين.

وهذا موسى والخضر عليهما السلام يتحركان بأمر الله لمعالجة جدار تحته كنز لغلامين يتيمين، ليُحفظ لهما إلى ساعة بلوغهما الأشد، ليتمكنا حينئذٍ من حفظه بقوة الساعد من أهل قرية لئام وصل بهم الشح أن بخلوا بضيافة رجلين اثنين غريبين.
وربما خرج الغلامان من الدنيا ولم يعلما كيف حُفظ الكنز لهما، ومن الذي سعى في مصلحتهما؟.

فآمن يا أخي بالله واليوم الآخر، وتشبع باليقين بآيات الله ووعده، ومهما تخلى عنك الناس.. فإنَّ الله سيكرمك كما أكرم المجاهدين بسلاحٍ من بطن البحر مر عليه أكثر من قرن، وقد يستعملك ربك في حوائج قومٍ لم يخلقوا بعد من حيث لا تدري، فاصنع الخير، وإن لم تستطع أن تصنعه فخذ بوصية الإمام أحمد إذ قال لولده: يا بني؛ انو الخير؛ فإنك لا تزال بخير ما نويت الخير.
والحمد لله رب العالمين.