هيا نشتر شاعراً .. رواية ساخرة تتحدث عن عبيد المال

توضيحية
توضيحية

قراءة -رولا فريد درويش

بدايتي مع اسم الرواية المضحك والمستفز؟ مقترح غريب من نوعه هل الشعراء يباعون ويشترون؟

رغم سهولة كلماتها الا أنها عميقة لا تفهم من أول قراءة عشر صفحات.

قرار العائلة المدهش بشراء شاعر، وكأنما أصبح الانسان يشترى كأي سلعة منها الرخيص ومنها الغالي، وإنه ليس كأي انسان انه شاعر، في مجتمع لا يهمه من الإنسان الا الشكليات فقط، وأهمية المال فيه فاقت كل شيء.

المجتمع المالي الجديد المال اولا ومن ثم الانسان، ربطه بالماركات العالمية، وقياس قيمته بالأرقام الدقيقة بل وبالوحدات أيضاً، انعدام العاطفة حتى بتحيات السلام لك أن تتخيل يا عزيزي التحية الخاصة بهم "نموٌ وازدهار"!!

الرواية التي كتبها أفونسوكروشو صدرت عن دار مسكيلياني للنشر والتوزيع في تونس، وترجمها عن البرتغالية عبد الجليل العربي تبدأ أحداثها بعائلة برتغالية من الطبقة الأرستقراطية، قررت أن تبتاع شاعراً بناءً على رغبة ابنتهم صاحبة الاثني عشر ربيعاً، ليكن واجهة لهم أمام العائلات الأخرى، حيث لا يكلف ماليا كما لا يترك أوساخاً مثل غيره من الفنانين الآخرين كالرسامين والنحاتين.

بأسلوبه الساخر يهجو الكاتب ما توصلنا له من اختلاف في الحياة مع التقدم التكنولوجي الذي أقحمنا الآونة الأخيرة، عندما أصبحنا عبيداً للمال، نعيش لكي نستهلك فقط، جسّد مجتمعاتنا الجشعة كلها بخمسة أبطال في عائلة صغيرة.

الأب في الرواية يمثل الطبقة الغنية، الأم تشكل الطبقة الجاهلة أو التابعة للقطيع، الابن الكبير وهو من الفئة المتعلمة ولكن التافهة بالوقت ذاته، أما عن الصغيرة فهي التي شكلت رأس الحربة في إلحاحها على أبويها لاقتناء شاعر.

يغوص بنا الكاتب في أحداث العائلة اليومية لتتكشف لنا صفات الشخصيات من خلال الحوار، لكن ما هو غريب فعلاً تحفظه على أسماء هؤلاء الشخصيات سواء الأساسية أم الثانوية واعتماده فقط على الرموز كما لم يذكر أنواع الجنس ولم يصف حتى ملامحهم أو ديكورات البيت والطرقات ومدرسة الطفلة ولا حتى مصنع الوالد.

تكمن المشكلة في الاستهانة بالضيف الجديد الا وهو "الشاعر"، بدايةً من اختياره من بين مجموعة من الشعراء بالمحال التجارية، وإعطائه جزءًا محسوباً بالسنتمتر المربع من أرضية درج البيت، وصولاً بمواقفه مع أهل البيت والزوار من الأصدقاء، وعدم فهم هؤلاء ما يدوّنه الشاعر ويرويه لهم.

 وجه  الكاتب نبّالة قلمه على أهمية الشعر في حياتنا، وتأثير أبيات هذا الضيف على العائلة، كتبسيط لمشاكلهم المادية بعدما كانوا لا يريدون سماعها منه، من البطل الأول وهو الأب الذي استفاد من الأبيات الشعرية في تحسين أداء مصنعه، انتقالاً الى زوجه التي أخيرا أفاقت لنفسها قبل فوات الأوان وعرفت أنها ليست آلة ومن حقها أن تعترض على أي أمر لا يعجبها، وختم بالولدين حيث ساعدت الابن في كسب حب زميلته في المدرسة بفضل قصيدة كتبها له، والطفلة التي أصبحت فتاة ناضجة مهتمة بالشعر الأمر الذ زاد ثقتها بنفسها.

ويحاول الكاتب عبر سطور الرواية اثبات أن العقل والعاطفة يكملان بعضهما ولا يختلفان والتأكيد على أهمية الخيال في حياتنا بجانب الحقاق والبحوث العلمية، تلك المعلمات زادت من دهشتي فمن صغري اعتدت على سماع دوي الناس حول سلبيات الخيال والى أين يأخذنا و أنه بعيد كل البعد عن واقعنا، ولكن الرواية تؤكد أنه لولا وجود الخيال لما توصلنا الى كل الاختراعات والأجهزة.

فلنقل نجح الكاتب في تعزيز أهمية القراءة والثقافة من خلال اثنتين وثمانين صفحة مثبتا أن القصيدة هي سند الإنسان للحفاظ على كينونته ووجوده ويجب الاهتمام بما تبقى منه، كالحرب تماماً تشبه هذه الرواية كل ما كُتب فيها مباح.. وبين دفتي روايته لك أيها القارئ مجموعة من الأسئلة، عليك أن تدركها على الأقل:

هل هناك مكان للشعراء في مجتمع كهذا؟ نعم يوجد، ولكن على الشعراء ان يقوموا بدور المصلح فيصنعوا مكانا لهم بجانبنا، لأنه حتما ليس كل فئات المجتمع مثل العينة التي ذكرها الكاتب بروايته.

هل انتهى زمن الشعر وآن الأوان لكي نشيع القصيدة الى مثواها الأخير؟ لا ينته يطالما هناك حب للأدب واللغات المختلفة ومن بينها اللغة العربية برغم تطور وظهور الشبكة العنكبوتية تزامنا مع وجود أجيال شغفها اتجاه دراسة اللغة والشعر رغم سيطرة التخصصات التكنولوجية و المالية عليها..

اقتباساتي :

"التجاعيد هي ندوب العواطف التي تجتاحنا في الحياة"

"الثقافة لا تستهلك فكلما استخدمتها زادت أملاكك"

أخبرني هل ستقرأها؟