# استهتارك_سيقتل_احبابك

الشهيدة داليا سمودي: "ماما لا تغلقي النافذة"

صوة من وداع الشهيدة داليا سمودي
صوة من وداع الشهيدة داليا سمودي

الرسالة نت-رشا فرحات

خلف النافذة جهنم، النافذة نفسها التي تشرق منها الشمس كل صباح، خلف النافذة محتل لا يعرف الرحمة، خلف النافذة مدينة حزينة يقاوم أهلها العزّل كل ليلة جرافات وسيارات (إسرائيلية) تقتحم عليهم صمت ليلهم الطويل، وتعيث فسادا في البيوت وتوقظ الأمهات فزعات على أصوات وابل الرصاص.

خلف النافذة جنين الحزينة التي لم تعتد بعد كل هذه العقود الطويلة من الأسى مشهد القتل، أو الظلم، فتفتح نوافذها بكل قوة لتواجه المحتل في ظلمة الليل الحالكة.

وقفت داليا سمودي، أم في الثالثة والعشرين، جسد كريحانة يانعة ما زال لديه كثير من الحب لأطفال ثلاثة، كان إلياس أصغرهم، ممددا على السرير بعد أن أعطته زجاجة الحليب.

ساعات الليل متأخرة، متجاوزة منتصفه حينما وصلها تردد أصوات الرعب لسيارات المحتل التي تقتحم جنين كعادة اللصوص في ظلمة الليل الحالك.

لم تكن الشمس قد قررت أن تشرق، ولكن السماء مضيئة بالرصاص وملوثة بدخان قنابل الغاز، ذهبت مسرعة وعيون رضيعها تلاحقها من بعيد، ركضت لتغلق النافذة خوفا عليه من الاختناق.

 كان الوقوف جريئا وسط أصوات الرصاص المتناثر في مدينة جنين، لا أجرأ من خطوات أم وقفت لتحمي طفلها، ولكن جسد داليا الذي لم يفكر سوى برضيعها خر فور أن مدت يدها إلى النافذة لتغلقها.

برصاصة واحدة، تقطعت كل أوردة البيت الذي كان ينبض قبل دقائق بضحكات أم وأطفالها الثلاثة، نقلت داليا فورا على عجالة، والدماء تنزف على وجه المحتل الذي لا زال يطلق رصاصه مقتحما المخيم الذي لا محصنين فيه.

الجسد ينزف، والقلب والكبد والبنكرياس في حالة تهتك، فكيف تنقذ اللحظة الأخيرة من الموت؟!

الشيخ أحمد السمودي والد الشهيدة عاش تفاصيل رحيل ابنته: "غرقت داليا بالدماء وبدأ كل من في البناية بالصراخ، واتصل الجيران على سيارة الإسعاف وما إن وصلت حتى أطلق الاحتلال عليها وابلا من رصاصه وأصيب هيكل السيارة بخمس رصاصات قبل أن تنسحب دون أن تستطيع نقلها، وبعدها حاولت سيارة أخرى الدخول حتى نجحت بنقل ابنتي الى المستشفى"

ويكمل الأب الذي لم يتجرع بعد صدمته من رحيل ابنته "لم نكن نعلم في بداية الأمر بأن إصابتها خطيرة إلى هذا الحد وخصوصا أنها قد بادلتنا الحديث قبل أن تدخل العناية المكثفة ليتبين لنا بأنها أصيبت بإصابات بالغة هشمت أحشاءها الداخلية، ورحلت بعد ثلاث ساعات من المحاولات في غرفة العمليات".

رحلت داليا سمودي بعد ساعات قليلة بهدوء أقل، وبوجع يقتل، وبنظرة سريعة إلى الجسد الممزق برصاصة وثلاثة أطفال! ثم عادت بسيارة الإسعاف نفسها التي أقلت الجسد ببعض أمل قبل سويعات.

وانطلق موكب التشييع الذي شارك فيه آلاف المواطنين، أصحاب داليا، أهلها وأحبتها المكلومون، حاملين الجسد من أمام مستشفى الشهيد خليل سليمان في المدينة وصولا إلى مخيم جنين، مسقط الرأس ونقطة الرحيل، ثم على الأكتاف حملت، ودار بها المشيعون وكأنها عروس في يوم حنتها، في شوارع المدينة التي تكتب كل يوم قصة موت جديدة على جدار جديد، ثم إلى قبر دافئ في مقبرة المخيم!

ألقى الكثيرون كلمات منمقة في يوم رحيل داليا، ووعد آخرون بكلماتهم المكتوبة بإتقان على مواصلة المسيرة، والثأر للجسد الصغير ولدمعات الأب وصرخاته، وبقي طفلها إلياس المحمول إلى جانب نعشها على كتف جده، ينظر اليها متذكرا ما قاله لها من بعيد بينما كانت تضع زجاجة الحليب إلى جانبه قبل ساعات "ماما لا تغلقي النافذة".

# استهتارك_سيقتل_احبابك