واقع العمل المهني الفلسطيني في قطاع غزة بين الاحتلال والكورونا

د: فضل نعيم
د: فضل نعيم

د. فضل نعيم// نقيب الأطباء في المحافظات الجنوبية// مقدمة في الندوة الاعلامية الدولية

يعيش قطاع غزة ومنذ سنوات حالة معقدة متشابكة تتداخل فيها عدة عوامل مؤثرة على واقع الحياة بحيث أصبح قطاع غزة يمثل حالة فريدة في العالم أولها احتلال انسحب من الارض الى خارج حدود القطاع وتحلل أمام العالم من مسئوليته القانونية والاخلاقية عن كونه محتلا يفرض سيطرته الكاملة من خلال حصار مشدد على الحدود البرية والبحرية والجوية مما جعل قطاع غزة يمثل اكبر معتقل في العالم يعاني فيه سكان القطاع أوضاعاً معيشية واقتصادية صعبة متفاقمة نتيجة هذا الحصار وثانيا الانقسام الفلسطيني الداخلي الذي تفاقمت آثاره على حياة السكان بعد اتفاق الشاطئ واعلان حكومة الوفاق الوطنية التي تخلت عن مسئولياتها نحو القطاع وخاصة الموظفين وعدم الإعلان عن وظائف جديدة لتغطية احتياج الوزارات المختلفة وتوفير المستهلكات واللوازم للوزارات المختلفة الذي ظهر بوضوح في تأخير وصول المساعدات العينية والمادية لمواجهة جائحة كورونا او عدم وصولها بالكامل

أن الاقتصاد في قطاع غزة يعاني من سياسة الحصار التي يفرضها الاحتلال للعام الثالث عشر على التوالي، بالإضافة إلى الحروب والاعتداءات العسكرية الإسرائيلية المتكررة والتي عمقت من الأزمة الاقتصادية نتيجة للدمار الهائل الذي خلفته في البنية التحتية وكافة القطاعات الاقتصادية.

كما حذرت العديد من المؤسسات الدولية من تداعيات إبقاء الحصار المفروض على القطاع وتأخر عملية إعادة الإعمار على كافة النواحي الاقتصادية والاجتماعية والصحية والبيئية، حيث ذكر تقرير صادر من الأمم المتحدة في عام ٢٠١٢ أن قطاع غزة لن يكون «ملائما للعيش» بحلول عام 2020 ما لم تتخذ إجراءات عاجلة لتحسين إمدادات المياه والكهرباء وخدمات الصحة والتعليم

كما يعاني قطاع غزة من أزمات عديدة على رأسها ارتفاع معدلات البطالة التي تتجاوز 50% ، والتي تصل 69%، بين فئة الشباب والخريجين في الفئة العمرية من 20-29 سنة الحاصلين على مؤهل دبلوم متوسط أو بكالوريوس والتي تعتبر الأعلى عالميا. كما ارتفعت نسبة الفقر لتصل إلى 53%، وبلغت نسبة انعدام الأمن الغذائي لدى الأسر 68% أو نحو 1.3 مليون نسمة، و80% من السكان يعتمدون على المساعدات الغذائية.

كما عبر ما نسبته41% من الجمهور الفلسطيني في قطاع غزة عن الرغبة في الهجرة بسبب الأوضاع السياسية والاجتماعية والاقتصادية بينما تصل الى 24% في الضفة الغربية (في دراسة أولية اعدت اثناء التحضير لهذه الورقة فأن ما يقارب 50 % من الأطباء خريجي جامعات الوطن منذ 2014 قد غادروا قطاع غزة ) .

في ظل هذه العوامل كلها جاءت جائحة كورونا لتزيد من معاناة الناس في قطاع غزة فإن كان قطاع غزة فإنه من من حيث البعد الصحي للجائحة حيث لم يسجل حتى اللحظة أية أصابات داخل القطاع وبين السكان وذلك بسبب تضافر الجهود المبذولة من الحكومة والتعاون المؤسسات الأهلية والمجتمع المدني وإمكانية السيطرة على الحدود والمعابر وحجر كل العائدين إلا أن قطاع غزة تأثر بكل الاثار الاقتصادية الناجمة عن الجائحة في كل مناحي الحياة فما بين الشلل التام، والتعطيل الجزئي، ضربت جائحة كورونا مختلف القطاعات الأساسية في قطاع غزة لتفاقم الأوضاع الاقتصادية المتردية أساسا في القطاع

فقد كان لإعلان حالة الطوارئ في قطاع غزة بسبب جائحة كورونا أثر كبير على واقع العمال حيث فقد عدد كبير منهم فرصة عمله ودخله الوحيد فالكثير منهم يعملون بنظام المياومة وسوق العمل غير المنظم ويعيشون على قوت يومهم. مما سبب في تعطل ما يزيد على 45 ألف عامل ليصل عدد العمال المتعطلين عن العمل في غزة نحو 350 ألفا بسبب الإجراءات الوقائية التي اتخذتها الجهات الرسمية لمواجهة كورونا، بالإضافة لإجراءات الاحتلال المتواصلة منذ سنوات طويلة.

ويعتبر القطاع السياحي من أكبر القطاعات المتضررة وبلغت نسبة توقفه 100%، ويبلغ عدد العاملين في الأنشطة ذات العلاقة بالقطاع السياحي في قطاع غزة نحو 8,700 عامل.

كما تضرر قطاع النقل والمواصلات حيث توقف بنسبة 80% مما تسبب الضرر لما يزيد على 3000 عامل ممن يعملون في هذا القطاع.

وشهد القطاع الصناعي تراجعاً ملحوظاً في الإنتاجية في كافة القطاعات الصناعية في ظل الإجراءات الاحترازية لمواجهة تفشي فيروس كورونا، إذ فقد نحو 10آلالاف عامل وظائفهم، وتمثلت القطاعات الأكثر تضرراً بقطاعات الصناعات الإنشائية والورقية والهندسية والمعدنية والخشبية والألومنيوم.

كما شهدت القطاعات التجارية المختلفة تراجعا ملحوظاً، حيث انخفضت قدرتها الإنتاجية بنسبة تتراوح بين 60% إلى 70% وذلك بسبب انعدام القدرة الشرائية.

وشهد قطاع تكنولوجيا المعلومات تراجعاً حاداً في الإنتاجية يعود الى انخفاض القدرة الشرائية الناتج عن قيود الحركة في قطاع غزة وتضرر ما يزيد على 3000 عامل ممن يعملون في هذا القطاع.

وأدت جائحة كورونا لوقف شركات المقاولات أعمالها إلاّ في المشاريع الطارئة وتعطلت نحو 200 شركة مقاولات بغزة يعمل بها نحو 10 آلاف عامل توقفوا عن العمل منذ بداية إجراءات الوقاية من كورونا

كما تأثرت كافة المؤسسات التعليمية الأهلية والخاصة حيث تم إغلاق كافة رياض الأطفال والذي يبلغ عددها 700 روضة، وإغلاق 53 مدرسة خاصة، وإغلاق 365 مركزاً تعليمياً خاصاً، ويبلغ عدد العاملين في الأنشطة ذات العلاقة بالقطاع التعليمي الخاص في قطاع غزة ما يزيد على 5000 عامل.

كما أثر الوضع الاقتصادي المتدهور على قدرة طلبة الجامعات الأهلية والخاصة دفع رسوم الدراسة مما انعكس على قدرة هذه المؤسسات على استمرار عملها وتغطية المصاريف الجارية بما في ذلك عدم التمكن من دفع رواتب الموظفين أو تأخيرها

كما أدى تراجع العجلة الاقتصادية في ظل جائحة كورونا بالذات استيراد البضائع من خارج القطاع سواء بسبب تراجع القدرة الشرائية للمستهلكين أو أغلاق المصانع إلى نقص الايرادات الحكومية و تحصيل الضرائب على هذه الاصناف والتي تمثل اهم المصادر لتوفير رواتب موظفي غزة. فأصبح الراتب الذي يحصل الموظف تحت بند الوظيفة الذي لا يمكنه من إشباع حاجاته الأسرية أساسا غير مضمون التوفر مع نهاية كل شهر. مما يفرض ضغطًا هائلًا على الأسر، مما يدفع بالأسر الضعيفة أصلًا إلى هاوية الفقر هذا ما جعل كثير من الخبراء يحذرون من أن استمرار الوباء في العالم يهدد بإنهاء الطبقة الوسطى تماما من غزة، وإذا حدث ذلك فان المجتمع سيشهد تحولات كبيرة في قيمه المجتمعية والسلوكية.

كما حدد تقييم سابق أجرته وزارة الأشغال العامة والإسكان 9,500 منزل متداعٍ أو دون المستوى المطلوب. وتحتاج الفئات الأكثر ضعفًا من بين أصحاب هذه المنازل، وعلى وجه الاستعجال، مواد النظافة الصحية والتعقيم المناسبة، إلى جانب مواد التوعية بممارسات النظافة الصحية والتدابير التخفيفية.

في البعد الصحي يمثل التعامل مع المرض واتخاذ الإجراءات الاحترازية الصحية اللازمة في ظل عدم توفر الكم الكافي من المستهلكات و لوازم المختبرات الضرورية لإجراء فحوصات الإصابة بفيروس كورونا والنقص في بعض المعدات الأساسية لإدارة الحالات، ولا سيما الحالات الحرجة ولوازم مكافحة العدوى والحماية تحديا كبيرا لوزارة الصحة . وان كان الامر حتى اللحظة تحت السيطرة بسبب العدد القليل من الاصابات وبقائها في مراكز الحجر الصحي لكن ذلك لا يعني انتهاء الخطر الذي حظرت منه كثير من المؤسسات الدولية لأن النظام الصحي المنهك بالفعل لن يكون قادراً على التعامل مع تفشّي فيروس كورونا بالذات بسبب الكثافة السكانية الأكثر عالميا والاكتظاظ الذي يجعل امكانية محاصرة الفيروس ومنع انتشاره أمرا غاية في التعقيد بالذات في ظل نقص الإمكانات وعدم توفر احتياجات اللازمة لعمل الفحوصات الخاصة بالفيروس ومواد التقديم وأجهزة التنفس.

كما فاقمت اجراءات وزارة الصحة ووكالة الغوث والمؤسسات الاهلية الاحترازية من تراكم قوائم الانتظار على الخدمات الصحية و بالذات الجراحات المجدولة التي كانت في الاصل مؤجلة بسبب حالة الطوارئ المعلنة اثناء مسيرا العودة

 

كما ادى إغلاق المعابر وصعوبة التنقل من وإلى القطاع الى صعوبة انتقال المرضى الذين يحتاجون علاج بالخارج وبالذات مرضى السرطان مما أثر سلبا على علاجهم وشكل خطر على حياتهم

كما يواجه القطاع الاهلي ضعف في التمويل من المنح والمساعدات الخارجية بسبب انشغال كثير من الدول بهمومها الخاصة واعادة تخصيص كثير من المساعدات لمشاريع متعلقة بالجائحة مما اضطر كثير من هذه المؤسسات الى تسريح العاملين فيها او تخفيض رواتبهم

كما لابد في نهاية هذه الكلمة من التنويه على قضية متعلقة في الوطني من حيث استغلال الاحتلال الانشغال العالم بمكافحة الجائحة لتنفيذ مخططاتها وفي مقدمتها تهويد القدس وضم الأراضي وشطب ملف اللاجئين

 

التوصيات:

أولا لابد من التأكيد على أن أزمة كورونا لن تنتهي بالقريب، وأن هذا يحتاج لتعزيز الصمود والتعاون الدولي والمحلي ووضع خطة وطنية واضحة في كل مراحلها حتى انتهاء الازمة .

العمل على انهاء الانقسام المقيت و تخطي تداعياته، والعمل بشكل وحدوي لمواجهة جائحة كورونا وتداعياتها الصحية والاقتصادية والاجتماعية ومواجهة مخططات الاحتلال

لابد من وضع خطط حكومية تستجيب لتداعيات خطورة وباء كورونا المستجد على الاقتصاد المحلي، ووضعها موضع التنفيذ من خلال حزمة من الإجراءات الموازية للقيود المفروضة في إطار المسئولية القانونية للجهات الحكومية في مواجهة الآثار السلبية على الاقتصاد المحلي

ضرورة وقوف المجتمع الدولي أمام مسؤولياته الإنسانية والإغاثية تجاه العمال العاطلين عن العمل و الذين تضرروا بفعل الجرائم الإسرائيلية وجائحة كورونا "باعتبار قطاع غزة منطقة متضررة ومنكوبة"، وتفتقر لأدنى مقومات الحياة

تأسيس صندوق خاص لدعم وإسناد عمال فلسطين، وتعويضهم عن سنوات الحصار والعدوان وخسائرهم الفادحة الناتجة عن إجراءات التعامل مع جائحة كورونا

التنسيق بين الوزارات الحكومية والجمعيات والأطر النقابية ذات العلاقة ، من أجل حصر الفئات المتضررة في كافة القطاعات الاقتصادية، وتخصيص موازنة طارئة تقدم على شكل معونات لحماية الفئات الأكثر تضرراً.

تعزيز الاستفادة من التكنولوجيا الرقمية من خلال دعم مبادرات ومشاريع "العمل عن بعد" و"التعليم عن بعد "و تقديم الرعاية الصحية من خلال "الطب عن بعد" مما يساهم في كسر الحصار و التخفيف من البطالة بين الخريجين ويجسر الفجوة في الإمكانات ويسد النقص الناتج عن الحصار.

دعم النقابات المهنية والعمالية بالاستفادة من التكنولوجيا الرقمية والتدريب عن بعد كل في مجال تخصصه من أجل تطوير أداء النقابات في مجال التنمية المهنية المستدامة للمنتسبين

دعم مشاريع توطين الخدمات الصحية المختلفة سعيا نحو التقليص من التحويلات الخارجية من خلال الابتعاث طواقم صحية في التخصصات الدقيقة ودعم مشاريع لافتتاح خدمات غير متوفرة في القطاع

ضرورة العمل تعزيز سبل السلامة المهنية في بيئة العمل والوقاية من فايروس كورونا بما يكفل استمرار عمل الفرق العاملة في الميدان

بالذات الطواقم الصحية الذين يمثلون خط الدفاع الاول .