ماذا لو لم يعد فيسبوك مجانا؟

محمد ابو قمر
محمد ابو قمر

بقلم | محمد أبو قمر

 أظهرت جائحة كورونا التي أجبرت معظم سكان العالم على الحجر المنزلي، انعكاس وسائل التواصل الاجتماعي بشقيها الإيجابي والسلبي على حالة المحجورين.

ففي الوقت الذي انقطع فيه التواصل الاجتماعي بين الناس الذين إلتزموا منازلهم بإرادتهم أو رغما عنهم، برزت إيجابيات تلك الوسائل كبديل جيد للتواصل وتقريب المسافات، والاطمئنان على الحالات المصابة بشكل آمن.

وظهرت الكثير من التطبيقات المخصصة للعمل والدراسة عن بعد والاجتماعات الالكترونية على الواجهة، ونشطت المعاملات الحكومية والبنكية المحوسبة للتسهيل على العملاء، والغالبية انتبه لتلك الفوائد التي لم يكن يولي لها اهتماما مقارنة بالظروف الاعتيادية.

الانعكاس السلبي لتلك الوسائل أيضا كان حاضرا، وربما طغى على الإيجابية السابقة عندما ظهرت بعض الاستخدامات السيئة لوسائل التواصل الاجتماعي، وكيف لها أن اشغلت الطواقم المختصة بدحض ما ينشر عليها دون حسيب أو رقيب، وأخذت جزءا كبيرا من وقتهم الذي من المفترض أن يستغلوه لمواجهة الجائحة.

هنا سنتحدث عن منصة فيسبوك في فلسطين المحتلة لتكون مثالا مبسطا لبقية المنصات ويندرج ذلك على معظم الدول العربية.

يقدر عدد مستخدمي الانترنت في فلسطين 4.2 مليون مستخدم، وفق تقرير وسائل التواصل الاجتماعي لفلسطين 2019 الصادر عن شركة ايبوك المختصصة في مجال مواقع التواصل الاجتماعي.

وبلغت نسبة استخدام فيسبوك في فلسطين 93.4 بالمائة، وهي بذلك أعلى نسبة استخدام لأدوات التواصل الاجتماعي، 69 بالمائة منهم تتراوح أعمارهم بين ثمانية عشر وخمسة وثلاثين عاما.

تبرز أهمية الإحصاءات السابقة عند الحديث عن حجم تداول مستخدمي المنصة الزرقاء للمنشورات اليومية، التي كثرت بشكل غير مسبوق في أوقات الحجر الصحي، وأظهر ما كان باطنا في أوقات سابقة، بسبب زيادة وقت الفراغ، وانحسار الانشغالات وخيارات قضاء الوقت.

المراقب للفترة الماضية التي بدأت مطلع مارس، يظهر له جليا زيادة حجم الاشاعات المتداولة حول كورونا سواء عند الحديث عن أعداد الإصابات وتكاثرها دون الاعتماد على مصدر صحي، أو التطرق لمعلومات وأدوية يمكن أن تساعد في الشفاء من المرض، دون دليل علمي.

وطالت الاشاعات تفاصيل الحياة اليومية، وحركة الأجهزة المختصة في مواجهة الجائحة، وأنهكت العديد من الجهات الرسمية الملقى على عاتقها متابعة انضباط المواطنين والتزامهم بالتعليمات، حتى وصل الأمر بوزارة الداخلية في غزة اصدارها قرارا بإلقاء القبض على كل من يروج الاشاعات عبر وسائل التواصل الاجتماعي.

عبر الفضاء الأزرق برزت أصواتا نشازا، اتخذت من وجودها خلف لوحة مفاتيح أجهزة الكمبيوتر والهواتف الخاصة بهم منبرا للدلو برأيهم في كل التفاصيل حتى المتخصص منها الذي لا يعلم عنها شيئا، وكأنه متخصص فقط للقول افعل كذا، ولا تفعل كذا، ويغض نظره على كل الجهود التي تبذلها الأطقم الطبية والخدماتية والأمنية لمحاصرة الفايروس اللعين.

من مساوئ فيسبوك أنه سمح لقلة لا يستطيعون ترتيب أقوالهم عند الحديث الوجاهي المباشر، ولكنهم أبدعوا في اظهار أنفسهم افتراضيا أنه بإمكانهم أن يقودوا الرأي العام، ويحركوا الجمهور تجاه تفاصيل غير دقيقة، لأنهم يتمتعون بكم من المعجبين والمتابعين عبر عالمهم الافتراضي.

في عالم فيسبوك المجاني، لم يكترث البعض لتبعات ما يكتبه، ومخاطر ما ينقله، عندما يكشف معلومات وأسماء، أو ينشر صورة تتعلق بأزمة كورونا، لأنه يعتقد أن حساباته الشخصية ممكن أن تعطيه حظا للوصول، وسيجني من ورائها المزيد من المشجعين الافتراضيين.

في الواقع يجافي النوم عيون الأطباء والممرضين الذين يقدمون خدمتهم للمصابين بكورونا والمحجورين، وفي العالم الافتراضي عندما يستيقظ بعض الفيسبوكيون بعد نوم طويل يرسلون بملاحظاتهم وتعليقاتهم المحبطة من بعيد.

منشورات فيسبوك المتدفقة بشكل لم يسبق له مثيل بسبب استمرار الأزمة التي لا يٌعرف متى ستنتهي، كشفت عن سطحية كبيرة أصابت جيلا بأكمله، وأثرت على أفكاره التي لم تنمو بسبب عزوفه البحث عن المعرفة، وتفرغه لمتابعة التعليقات والرد عليها.

متابعة فيسبوك تكشف كم من الحسابات والصفحات الهابطة التي تقدم محتوى فارغا بات يتابعها الملايين، بينما الصفحات التي تقدم المعرفة، يبتعد عنها الجمهور شيئا فشيئا.

طفُو السطحيين، والمعلقين، والمستهزئين بالآخرين، وعدم الاكتراث لعدد المنشورات التي يمكن أن تصدر عن شخص واحد في كل دقيقة دون النظر الى محتواها، بات يدفعنا للتساؤل ماذا لو أن كل منشور يمكن أن تدفع ثمنا مقابله، ولم يعد فيسبوك مجانا؟ فهل سنرى هذا العدد من المنشورات والتعليقات؟