"إياد حمد" دفع الثمن

الصحفي أحمد الكومي
الصحفي أحمد الكومي

بقلم: أحمد الكومي

مرّة أخرى، يتجدد تضامننا مع زميل صحفي فلسطيني تعرّض هذه المرة لانتهاك فلسطيني جديد في طريقته، لكن ليس غريبًا كفكر وسلوك سلطوي.

ترفع الصحافة الفلسطينية هذه الأيام لافتات التضامن مع المصوّر الصحفي "إياد حمد" من بيت لحم جنوبي الضفة المحتلة، الذي فصل من عمله في وكالة "أسوشيتد برس" الأمريكية (AP)؛ بناءً على شكوى تقدم بها جهاز الشرطة الفلسطينية بالضفة لإدارة الوكالة، لتضامنه مع الزميل الصحفي "أنس حواري"، الذي اعتقلته السلطة واعتدت عليه على أحد الحواجز، قبل الإفراج عنه بكفالة مالية.

حاول جهاز الشرطة دفع التهمة عنه من خلال نفي الشكوى، لكن رسالة بريدية من إدارة الوكالة قطعت عليهم الطريق، وأكدت أن فصل "حمد" كان لشكوى تقدّموا بها.

تكشف هذه القضية عن مجموعة حقائق أصبحت ثابتة لدينا، بعدما تطوّر عمل الأمن في تقييد الصحافيين وملاحقتهم، إلى مستوى التحريض ضدهم لدى إدارات العمل ومرجعياته:

1-  تحمل شكوى السلطة اعتراف منها بما يملكه "الإعلام" من قوة تفوقها، وقدرته على كسر جدار الصمت وتوجيه الأحداث والإفصاح عن المعلومات بما لا ترغب به، خصوصًا في القضايا المتعلقة باستعداء الصحفيين واعتقالهم.

وهي بذلك تثبت أن الإعلام أصبح جزءًا من معاركها مع الخصوم، بدليل مصادقتها على قانون الجرائم الإلكترونية المثير للجدل والمرفوض فلسطينيًا، وما تبعه من حجب 59 موقعًا إلكترونيًا فلسطينيًا وعربيًا في أكتوبر 2019، إلى جانب الاعتقالات والاستدعاءات وحالات الإيقاف المستمرة عن العمل.

2-  تحاول السلطة بتسببها بفصل "إياد حمد" أن تؤسس لـ "قاعدة محرّمات" يحظر على الصحفيين ومراسلي وكالات الإعلام الاقتراب منها أو اللمز بها أو تخطّي عتباتها، وأن أي نقد أو خروج عن هذه القواعد، سيكون ثمنه ما حصل مع حمد. وهذا التصرف سيزيد الحيطة والقيود على عمل زملاءه، وسيضيّق كادر الصورة التلفزيونية إلى الحدود التي لا تظهر فيها انتهاكات السلطة.

3-  تحمل هذه القضية إشارة على استمرار التفرد وعدم الرغبة بوجود جهات أو أصوات تجبر السلطة على القيام بواجباتها تجاه الشعب، ولا التدخل في أعمالها. وهذا السلوك يعكس عدم فهم ودراية لأهمية وجود صحافة حرّة تحقق التوازن الداخلي، وتحمل رواية المظلومية، خاصة في ظل الخطر القريب منّا جدًا، والذي قد يحدد استمرار وجود السلطة من عدمه.

فحين سئل "توماس جفرسون" الرئيس الثالث للولايات المتحدة عن أهمية الصحافة للدول، قال: "إذا طلب مني أن أختار لأميركا واحدًا من اثنين: حكومة أو صحافة حرة، فلن أتردد في اختيار الثانية".

4-  تسعى السلطة لسلب وظيفة الصحافة في تمثيل مصالح شعبنا؛ لأنها تدّعي أنها تعمل من أجله، وتعتبر نفسها الأكثر دراية بذلك، والأهم أن "التمثيل" أصبح مسألة حياة لدى السلطة لا يجب الاقتراب منها أو المنازعة عليها. ويمكن ملاحظة أن كل خلافات السلطة مع الآخرين، أصبحت على التمثيل!

5-  يكشف حدث فصل "حمد" عن محاولات السلطة المستمرة لهدم ركن أساسي من أركان الديمقراطية، ورغبتها في ترويض الإعلام وجعله بوقًا لديها، مما يؤكد النظريات التي تقول إن "السلطة الرابعة" هي نتائج أنظمة ديمقراطية. وهذا يفسر عدم رغبة السلطة بوجود الإعلام.

ومما قيل أيضًا، أنّ المجتمعات التي صنَّفت الصحافة سلطةً رابعة هي مجتمعات نجحت في تركيز مؤسساتها التنفيذية والبرلمانية والقضائية. وهذا يثبت أن ما جرى مع "حمد" وزملاءه الصحفيين هو انعكاس لواقع مؤسسات السلطة بالضفة، وتفسير آخر لعدائها في ظل وفرة مواضيع الفساد والانتهاكات، والعلاقات المحرّمة مع الإسرائيليين.

نعبّر عن تضامننا الكامل والصادق مع الزميل "إياد حمد" الذي دفع ثمن الكلمة، وما استعرضناه قد يكون جزءًا من تفصيلات أو إجراءات قادمة أكثر خطورة، تعني لنا في المحصلة أن "حمد" لن يكون آخر ضحايا الطغيان السياسي والأمني.