المرحلة السابعة: النصر المبين

بقلم: د. ابراهيم صقر الزعيم  

 

في العام الثامن للهجرة تَمَّ فتح مكة، فعاد المهجَّرون إلى ديارهم، وظهر الإسلام في بلد رزح دهراً تحت أغلال الشرك، قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ (الفتح:28). 

كان ظنُّ المشركين والمنافقين، بل ما كان يحسبونه يقيناً، أن المدينة ستخضع عاجلاً أم آجلاً للاحتلال، ويتمُّ التخلص من جيشها وقيادتها، وإذا بها تَقدُمُ عليهم بما لا يطيقونه، ولا يتوقعونه، فيهزمون وتنتصر مكة، وتسقط أصنامهم، ويعلو ذكر الله فوق بيته، ويُعَظَّمُ البلد الحرام، مع البيت الحرام.  

ارتفعت كلمة التوحيد من فوق الكعبة المشرفة، وطُهِّرَ البيت العتيق من رجس الأوثان، وطُرحت قوانين الجاهلية، وكذلك يكون عندما تعود بيت المقدس إلى حكم الإسلام، فيعلو الأذان، وتطهر المدينة من آثارهم، وتطرح قوانين الظلم، فلا يحكم إلا بما شرع الله. 

كان نصراً مبيناً؛ لأنه ظهر للمؤمن والكافر، والمجاهد والقاعد، والواثق والمتردد، ولم يكن هذا النصر المبين ليكون؛ لو لم تكن الجماعة المؤمنة تعيش انتصاراتٍ متتابعةً، في كل محنةٍ تمرُّ بها، فالفتح غالٍ عزيزٌ، لن يظفر به إلا مؤمن عزيز، عزيز بإيمانه، وعزيز بسلاحه. 

وكما كان ذلك النصر للنبي في حياته، سيكون لمنهج النبي بعد مماته، ومن ظنَّ غير ذلك؛ فليحاول أن يمنع ذلك النصر، أو فَليَمُت غيظاً، وفي ذلك يقول سبحانه وتعالى:﴿مَنْ كَانَ يَظُنُّ أَنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاءِ ثُمَّ لْيَقْطَعْ فَلْيَنْظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ مَا يَغِيظُ﴾ (الحج:15).  

ورد في تفسير هذه الآية معنيان، كما في فتح القدير للشوكاني، الأول: من كان يظن أن الله لن ينصر محمداً ﷺ، وأنه يتهيأ له أن يقطع النصر الذي أوتيه ﴿فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السماء﴾، أي فليطلب حيلة يصل بها إلى السماء، ﴿ثُمَّ لْيَقْطَعْ﴾؛ أي ثم ليقطع النصر إن تهيأ له، ﴿فَلْيَنْظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ﴾ وحيلته ﴿مَا يَغِيظُ﴾ من نصر النبيّ ﷺ. والثاني: من كان يظن أن الله لن ينصر محمداً ﷺ، حتى يظهره على الدين كله؛ فليمت غيظاً، ثم فسره بقوله: ﴿فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السماء﴾، أي فليشدد حبلاً في سقف بيته ﴿ثُمَّ لْيَقْطَعْ﴾، أي ثم ليمد الحبل حتى ينقطع فيموت مختنقاً. 

لقد جاء الحديث عن رحلة الإسراء، وانتهاء وجود بني إسرائيل من الأرض المقدسة، في سورةٍ واحدةٍ، تتحدث الآية الأولى عن الإسراء، والسابعة عن هلاك بني إسرائيل، وزوال ظلمهم، وهذا يعني أنه كما كانت رحلة الإسراء أمراً عجيباً وغيرَ متوقَّعٍ؛ فإن تحرير فلسطين سيكون عجيباً مدهشا حتى للمؤمنين، من حيثُ الظروف والأسباب، التي يسخرها الله لذلك اليوم المشهود. 

ويوم تحرر فلسطين سيكون النصر مبينا؛ لأنه سيظهر للثابت على المبادئ، والخائن لدينه وأمته، بالتطبيع مع العدو. 

أهداف المرحلة: 

إن غاية هذه المرحلة هي الانتشار نحو العالمية، ففتح مكة ليس نهايةَ المطاف، وإنما التمهيد ليعمَّ السلام بالإسلام أقطار الدنيا، إنه السلام القائم على حفظ الحقوق للناس جميعاً، على اختلاف الدين، والعرق، واللغة، أما ما يزعمه الغرب سلاماً، فهو استسلام يفرضه القوي على الضعيف. 

وعليه؛ فإن تحرير فلسطين، سيكون تحولاً عظيماً في التاريخ، ينطلق بعدها المؤمنون لينقذوا البشرية من الظلم العظيم، الذي فرضته القوى العظمى، فتحوَّلت به الأمم والشعوب، إلى خدمٍ تلبي من حيثُ تعلم، أو لا تعلم، مصالحَ امبراطوريات، قد أُسِّست وتعاظمت بأموال الشعوب المغلوب على أمرها وعذاباتها، ويوم يعلو الحقُّ في القدس؛ فإن الطواغيت التي أَلَّهت نفسها من دون الله، ستبوءُ بخزي الدنيا والآخرة، ولن تجد لها من دون الله ولياً ولا نصيراً. 

وما إقامة شريعة الله، بعد تحقُّقِ التمكين، إلا خطوة على طريق تلك السيادة، ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ﴾ (الحج:41).