دريد لحام ..أضحك جماهير وبكى في غزة

لحام : المقاومة أشعلت لدي شمعة أمل جديدة

غزة- فادي الحسني

دخل الفنان السوري "دريد لحام" إلى قلوب الغزيين عبر مسرحية "كأسك يا وطن" التي مثلها عام 1979، لكنه دخل إلى قطاعهم المحاصر بعد ثلاثين عاماً من تاريخ عرض المسرحية.

غنى "دريد" قبل ثلاثة عقود ضاحكا وسط تصفيق جمهوره الدمشقي "لكتب أسمك يا بلادي على الشمس الما بتغيب..لا مالي ولا أولادي عن حبك مالي حبيب"، وكرر مساء الجمعة الماضية ذات المقطع باكيا وسط جمهوره الغزي.

واجتاز الفنان السبعيني حدود غزة، قبل يومين، في سابقة هي الأولى من نوعها لفنانين عرب، لاسيما عقب الحرب الضروس التي ضربت أطناب القطاع في الثامن والعشرين من ديسمبر الماضي.

واعتاد الغزيون على مقابلة المتضامنين سواء كانوا سياسيين أو ناشطين في مجال حقوق الإنسان، إلا أن زيارة الفنان "دريد" مثلت بالنسبة لهم حدثاً هاماً.

وبينما كانت السيارة ذات اللون الأسود التي تقل دريد وزجته "هالة بيطار" تتجول وسط ركام المنازل المدمرة في غزة، كان صبية ورجال يتهافتون لملاقاته، وبعضهم أخذ ينادي "غوار ..غوار".

ويعرف الفنان السوري بين الفلسطينيين على وجه الخصوص بـ"غوار الطوشة" وهو الاسم المستعار الذي قدم نفسه به في أحد مسلسلاته القديمة.

وتبدو الابتسامة هذه المرة غائبة عن ملامح الفنان الكوميدي، خاصة وأنه استمع لروايات أطفال عاصروا الحرب وفقدوا بعضا من أسرهم.

وعندما تحدث الطفل مصعب بشير عما أحل بعائلته من مأساة خلال الحرب، كان دريد ينظر في عينيه ويقلب في حبات مسبحته البنية ويقول "لا إله إلا الله"، وتارة أخرى يغمض عيناه حابسا دموعه.

وخاطب دريد وهو من مواليد 1934، جملة من الأطفال الضحايا "أحبائي أعلم أن ما من طفل في هذا العام قد عاني مثلما عانيتم بسبب الحصار والعدوان المجرم ..لكنني أقول إني أشعر أنني أقوى بقوتكم، وبصمودكم".

أما زوجته "بيطار" حنطية البشرة كادت تختنق حزناً وتقول وحول عنقها شال مطرز يحمل في خيوطه عبق التراث الفلسطيني -"ما عم يطلع معي حكي ..فقط أقول لكم الله يقويكم ويحفظكم وأبقوا مع بعضكم البعض".

وبالطبع لم يحمل دريد الصفة الفنية فقط، إذ اختير منذ العام 1997 سفير النوايا الحسنة في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا لليونيسيف.

ورغم صفته الاعتبارية إلا أنه هاجم منظمة الأمم المتحدة ومجلس الأمن، متهما إياهم بظلم الشعب الفلسطيني والإجحاف بحقوقه التي كفلتها كل القوانين والأعراف الدولية.

واستثمر "غوار" زيارته القصيرة (24 ساعة) في حضور مسرحية "نساء غزة وصبر أيوب"  التي أخرجها مستضيفه "سعيد البيطار" كما زار ضحايا الحرب، بالإضافة إلى  الالتقاء بالمسؤولين في غزة.

وانتفض الفنان الكوميدي صاعدا إلى خشبة المسرح خلال العرض الفني- الذي قدم مساء الجمعة- منحيا التمثيل جانبا، ليعيش الأجواء الفلسطينية المشحونة بالمقاومة بتراتيل صوته الهرم "لكتب أسمك يا بلادي على الشمس الما بتغيب....".

ولم تثني شمس تموز الحارقة صباح السبت الفنان "دريد" عن تحسس آلام ومآسي الضحايا، وأخذ يتجول على أنقاض منزل عائلة السموني التي سقط منها ثمانية وعشرون شهيدا خلال الحرب، ناظرا في أعين راويها وعباءة الصمت تلف فاه.

واتضح أن الأجواء الرسمية لم تخلو من بعض الضحكات التي تبادلها "دريد" مع رئيس الحكومة الفلسطينية إسماعيل هنية وبعض وزراءه.

وقال عقب لقاءه هنية في مقر مجلس الوزراء بغزة: "سررت لملاقاتي السيد إسماعيل هنية الذي أسرنا بتواضعه وطيبته وصموده".

وكان قد ضيع دريد أوراقة الثبوتية في مشهد تمثيلي، في فيلمه "الحدود"، مما افقده هويته، لكنه دعا الفرقاء الفلسطينيين في مشهد واقعي ، ألا يضيعوا ما تبقى من وطنهم.

وقال "التأخر في أنجاز توحيد الصف الفلسطيني، أخشى أن يفقدكم بقايا الوطن المسلوب..نحن نقف اليوم على بقايا فلسطين".  

وكانت قد اتهمت صحيفة "يديعوت أحرونوت" العبرية الفنان "دريد" بالإرهاب، لتصريحه بأنه يقف بجانب المقاومة اللبنانية في أعقاب الحرب التي شنتها إسرائيل على لبنان في العام 2006.

وكرر ذات التصريح من غزة، قائلا "أنا بجانب المقاومة ..المقاومة أشعلت بداخلي شمعة أمل جديدة، وأقول لكم أن الإرادة هي التي تحقق التوازن الاستراتيجي".

وخلال مؤتمر صحفي عقده دريد قبل مغادرته لغزة، قال فيه "البعض قد رآني مجنونا أن جئت لغزة لحضور عمل مسرحي، ولكن الأمر ليس فقط عمل مسرحي، لأن هذا العمل يعبر عن صفحات من تاريخ غزة والأهم من ذلك رؤية غزة"، شاكرا المخرج البيطار على دعوته للقدوم لغزة.

وأكد الفنان السوري أنه المحاصرون ليسوا الغزيون وحدهم، وإنما "كل فلسطينيي العالم تحت حصار..لكن الحصار الأقصى والأكثر إيلاما هو حصار الخلاف الفلسطيني" كما قال.

وردا على سؤال "الرسالة نت" "هل تبادر لذهنك المشاركة أو الشروع في عمل فني يتحدث عن واقع الحصار الذي تعيشه غزة، قال "إن شاء الله .. بالتأكيد هذه الأمور تأخذ وقتا، خاصة أن العمل الدرامي لا نستطيع أن نعبر عنه في ذات اللحظة، وبعض الأعمال يبدأ العمل بها بعد مرور ثلاث سنوات أو أكثر".

وأضاف دريد "أنا أتمنى ذلك بمشاركة الأستاذ سعيد البيطار الذي عشقت صوته قبل أن أراه".

وغادر دريد غزة عبر معبر رفح الحدودي الموصد في وجه الغزيين، مساء أول أمس، متوجها للقاهرة، ومن ثم إلى دمشق.

وهكذا حاز دريد لحام على بطولة قصة درامية حقيقية، في رحلة ملأتها المغامرة، تصلح لأن تكون عنوانا لفيلم جديد يحمل عنوان (24 ساعة في غزة).