رؤوس الأموال تفرض أجندة العمل السياسي للسلطة

صورة أرشيفية
صورة أرشيفية

الرسالة- شيماء مرزوق

لا يخفى على أحد الدور البارز لرجال الأعمال أصحاب رؤوس الأموال في تحديد أجندة العمل السياسي للسلطة الفلسطينية التي تمر بمرحلة قد تكون الأصعب منذ نشأتها وبحاجة لاتخاذ قرارات مصيرية أكثر من أي وقت مضى، في ظل التطبيق الفعلي التدريجي لعملية ضم الضفة الغربية لدولة الاحتلال الاسرائيلي.

ويتضح قوة تأثير أصحاب رؤوس الأموال ومنهم مسؤولين في السلطة ومنظمة التحرير من ضعف وبهتان الموقف الفلسطيني اتجاه الخطوات المصيرية التي يتخذها الاحتلال لتصفية القضية.

وقد اكتفت السلطة بتصدير مواقف لفظية والابتعاد عن أي خطوات عملية على الأرض قد تفتح مواجهة مع الاحتلال لا ترغب بها حفاظاً على العلاقات الاقتصادية مع الاحتلال والامتيازات المالية وغيرها التي يتمتع بها المسؤولين.

نفوذ رجال الأعمال الفلسطينيون كان حاضراً في المجال السياسي منذ ما قبل إنشاء منظمة التحرير الفلسطينية، وبعد تأسيسها، حيث لعبوا أدوارًا متنوعة في حركة التحرر الوطني، واهتمت بهم الفصائل وخاصة حركة فتح التي اعتبرت أن الطبقة الرأسمالية الفلسطينية "برجوازيةً وطنية" وجزء لا غنى عنه في النضال ضد الاستعمار، وتعاملت معها وفقًا لذلك.

لكن في مرحلة ما بعد أوسلو تصاعد نفوذ الرأسماليين الفلسطينيين وتنامي بشكل لافت جداً وغير مسبوق في الأراضي المحتلة، ولا سيما في السنوات الأخيرة، ويصنف الخبراء الرأسماليين الفلسطينيين إلى ثلاث فئات رئيسية:

الفئة الأولى، الرأسماليون "العائدون" المنتمون إلى الطبقة البرجوازية الفلسطينية التي برزت في البلدان العربية، وبخاصة دول الخليج، وفي أمريكا الشمالية وأوروبا، وقد ارتبط العديد من رجال الأعمال هؤلاء بعلاقات وطيدة مع السلطة الفلسطينية الوليدة.

الفئة الثانية، الرأسماليون المحليون، وينقسمون إلى فئتين فرعيتين: كبار مُلاّك الأراضي المتمتعون بنفوذ سياسي واجتماعي كبير في الهياكل الاجتماعية التقليدية؛ والوسطاء المحليون الذين جمعوا ثروتهم بالعمل كمتعاقدين من الباطن لحساب شركات إسرائيلية في أعقاب احتلال أراضي 1967.

أما الفئة الثالثة، حديثو الثراء، الذين اكتسبوا ثروتهم في الآونة الأخيرة مستفيدين بوجه خاص من عملية أوسلو بطرقٍ مختلفة، وجميعهم استفادوا من وجود السلطة وكان لهم تأثيرا كبيرا في قراراها السياسي بدرجات متفاوتة.

طارق دعنا المستشار السياساتي لشبكة السياسات الفلسطينية أعد ورقة سياسات حول الرأسمالية الفلسطينية المتمادية قال خلالها بأن هناك رأسمالية قائمة على المحسوبية والشِللية في إطار السلطة الفلسطينية.

وتجلت المحسوبية ضمن السلطة الفلسطينية منذ تأسيسها في نشوء علاقات خاصة بين رجال الأعمال ذوي النفوذ والنخبة السياسية والأمنية في السلطة الفلسطينية.

وكان لهذا الوضع بطبيعة الحال آثارٌ سلبية على الاقتصاد، إذ أعاقت السلطة الفلسطينية بمحاباتها جماعات سياسية واقتصادية معينة تنافسيةَ السوق واستبعدت غالبية الناس من الحصول على فرص اقتصادية مجدية, وتنامت قدرة الرأسماليين على التأثير في سياسات الحكومة وازداد السياسيون ثراءً.

واعتبر أن عملية الاصلاح المصرفي التي جرت في عهد سلام فياض أدت لزيادة النفوذ السياسي الرأسمالي.

تلك الإصلاحات مكَّنت الحكومةَ من توقيع عقودٍ طويلة الأجل بلغت نحو 4.2 مليار دولار في العام 2013، أي ما يصل إلى 50% من الناتج المحلي الإجمالي، بفائدة سنوية تبلغ 200 مليون دولار، وبلغت في العام 2019 لأكثر من 1.8 مليار دولار وهي بالنسبة لاقتصادٍ يعتمد إلى حدٍ كبير على المساعدات الدولية، تُشكِّل هذه المديونية العامة المرتفعة قلقًا حقيقيًا.

ولا يتضح إلى الآن كيف أُنفقت تلك الأموال وكيف ستسدد السلطة الفلسطينية ديونها.

ويشكل الدين العام للقطاع الخاص مدخل يستطيع الرأسماليون أن يضغطوا على السلطة الفلسطينية لكي تغير سياساتها بما يتفق ومصالح الشركات الخاصة الكبرى، حيث يهددون بسحب بعض الاستثمارات أو الامتناع عن الدخول في استثمارات أخرى.

ولم يكتف أصحاب رؤوس الأموال بالدين العام بل اتخذوا اجراءات مالية ومصرفية ساهمت في تقديم تسهيلات ائتمانية على القروض الاستهلاكية لفئات واسعة من صغار ومتوسطي الدخل ما جعل الجزء الاكبر من الموظفين العموميين وفئات واسعة من الشعب مكبلين بقروض وأعباء مالية.

ويزداد دور هؤلاء الرأسماليين الفلسطينيين بروزًا حتى على الصعيد السياسي الدولي، فقد ألقوا بثقلهم خلف جهود وزير الخارجية الأمريكي الأسبق جون كيري لوضع تسوية سلمية من خلال خطتهم الفلسطينية-الإسرائيلية المشتركة المسماة "كسر الجمود" في العام 2013 بالرغم من الأثر الوخيم الذي سيلحق بالحقوق الفلسطينية.

كما تحدثت تقارير بأن رجال أعمال فلسطينيون توسطوا بين الادارة الأمريكية والسلطة الفلسطينية في محاولة لإعادة العلاقات بعد الأزمة التي جرت نتيجة تبني الولايات المتحدة صفقة القرن.

من ناحية أخرى برز دور رجال الأعمال في ورشة المنامة التي عقدت كتمهيد للشق الاقتصادي لصفقة القرن في البحرين عام 2019، فرغم مقاطعة السلطة وطلبها من جميع رجال الاعمال الفلسطينيين مقاطعتها إلا أن عددا منهم حضر الورشة من بينهم رجل الأعمال الفلسطيني أشرف الجعبري الذي تربطه علاقات وثيقة بإدارة ترامب وبمستوطنين إسرائيليين, وهو ضابط أمن سابق في السلطة الفلسطينية.

وقد ساهم رجال الاعمال بشكل كبير في صندوق وقفة عز الذي تم تشكيله لمواجهة جائحة كورونا التي أصابت الأراضي الفلسطينية، إلا أن طريقة إنشاء وإدارة الصندوق التي سيطر عليها رجال أعمال رغم انه صندوق حكومي، والفساد الكبير الذي جرى في ألية توزيع المساعدات تعكس الطريقة التي تدير بها الفئة المسيطرة على الوضع الفلسطيني من السياسيين ورجال الاعمال في السلطة الشأن الفلسطيني.