العمل الخيري بين العذوبة والعذاب

مصطفى أبو السعود
مصطفى أبو السعود

مصطفى محمد أبو السعود

لا يخلو زمان أو مكان من أناسٍ لا يروقهم البقاء في صالة الانتظار، فيتقدمون الصفوف ويأخذون على عاتقهم إحداث ثغرة في الجدار الذي يحجب الشمس عن أجساد من اشتاقوا لها، لتدخلها، وتشعرهم بأن ثمة من يفكر بهم وبأنهم لا زالوا على قيد الحياة.

هذه الطائفة هم " رواد العمل الخيري" الذين سخرهم الله لخدمة غيرهم، وهم في هذه الطريق من السعداء انطلاقاً من إيمانهم العميق " بأن أسعد الناس؟  من أسعد الناس.

لكن إيمان هؤلاء الناس بما آمنوا به، لم يحجب عنهم الضوء، فهم كما آمنوا بأن العمل الخيري فيه عذوبة، آمنوا أن فيه عذاب، سأذكر لكم بعض أوجه العذوبة والعذاب من خلال تجربتي في هذا المجال قبل ومع انضمامي لتجمع مبادري رفح.

 فما أوجه العذوبة والعذاب؟

أوجه العذوبة:

1_ يخرج الانسان من دائرة القول للفعل، ويشعر بأهميته وقدرته على التغيير الإيجابي وإدخال الفرحة على قلوب من يفتقدها.

2_ يختبر أمانة ونزاهة العامل فيه فقد يقع في فتنة المال والنساء.

3_يشعر الإنسان أنه يسير وفق رؤية سيدنا شعيب حين قال" إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّه".

4_يشعر الانسان بأهمية العمل الجماعي، وهذا يقوي الثقة بين الفريق ويعزز مبدأ الشفافية والنزاهة ويبعد عنهم سوء الظن.

5_ العمل الخيري يعطيك صورة دقيقة عن حقيقة النظام السياسي وأكاذيبه، فزيادة الفقراء يؤكد انعدام الأخلاق والإنسانية في السياسة في غالب الأحيان.

أما أوجه العذاب:

1_العمل الخيري يستهلك وقتاً وجهداً وطاقة ومالاً كثيراً من العامل فيه، وهذا ليس مدعاة لليأس، فنحن نمارسه ولسان حالنا كما قال سيدنا ابراهيم " قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ"، وبأنه " حسبنا الله سيؤتيننا الله من فضله".

2_ اتهام العاملين فيه بما ليس فيهم، فالمنافقون والحاقدون يسلقونهم بألسنة حداد " فَإِنْ أُعْطُوا مِنْهَا رَضُوا وَإِن لَّمْ يُعْطَوْا مِنْهَا إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ"، وهنا أذكر ما قاله الإمام" إبن حزم الأندلسي "من تصدر لخدمة العامة لابد أن يتصدق ببعض من عرضه على الناس، لأنه لا محالة مشتوم، حتى وإن واصل الليل بالنهار"

3_ ستدخل في حيرة من أمركِ هل هذا فقير حقيقي أم يدعي الفقر؟ وهل ستمارس الواسطة والمحسوبية ـ ام أن شعارك سيكون " أنا مع الفقير والمحتاج؟"

4_ستسمع وترى حالات تؤلم القلب، وكل ما يمكنك تقديمه لها هو الدعاء ومناشدة أهل الخير، لأن حاجتهم تفوق امكانيات فريقك.

5_ إنك تتعامل مع حاجيات الناس التي لا تنتهي، وإنك مهما بذلت من جهد، فكأنك تزرع في صحراء قاحلة، هذا ليس احباطاً، بل رؤية واقعية لحال نعيشه، لأننا اعتمدنا رغماً عنا نمط الإغاثة أكثر من التنمية.

6_ يؤلمك رؤية بعض الناس يتعاملون مع العمل الخيري على أنه استكساب، فتراهم يرسلون ذات المناشدة لأكثر من فريق، بل ويكذبون وينكرون، ولتكتشف الأساليب التي يمارسها بعض مدعي الفقر.

ما سبق كانت بعض أوجه العذوبة والعذاب في العمل الخيري، وأختم برسالة لمن اختاره الله للعمل الخيري:

_أخلص النية لله.

_كًن صادقاً في نقل معاناة الفقراء لأهل الخير.

_كًن أميناً على المال وأوصله كما هو، فالمال فتنة، وأنصحك بتصوير من له مساعدة فيديو شكر لمدة نصف دقيقة وأرسل الفيديو للمتبرع فقط كي تطمئن القلوب.

_ لا تستغل حاجات الناس وخاصة أعراض النساء لتحقيق مصلحة أو شهوة خاصة، واعلم أن ما تفعله الآن من سوء بالسر سيكشفه الله ذات يوم وتصبح آية سيئة الذكر على ألسنة الأشهاد.

_ لا تعد أحد بما لا تستطيع تنفيذه، ف"الغريق يتعلق بقشة ".

_لا تنقل أسرار البيوت للآخرين، ولا تتفاخر بأنك خدمتهم.

واعلم أن ميدان العمل الخيري هو حقل ألغام، فخذ حذرك من أن تقع فريسة الشهوة والشهرة، وحذاري أن ما تبنيه في أعوامٍ من سمعٍة طيبةٍ وصدقٍ ينهار في لحظة، فالثقة لا تُعاد مرتين كما لوح الزجاج، يمكن إصلاحه لكن يبقى الشرخ فيه واضحاً.