أدلّة قبول السلطة بـ "الضم"

بقلم/ أحمد الكومي


صحفي وباحث سياسي- ماجستير "دراسات الشرق الأوسط"
أتيح للقيادة الفلسطينية أخيرًا عقد الاجتماع القيادي لبحث خيارات الردّ على قرار الضمّ الإسرائيلي، الذي كان مقررًا عقده السبت الماضي 16 مايو الجاري، بعد أن تمّ تأجيله لسبب عجيب.
إعلان تأجيل الاجتماع، المفترض أن يكون على مستوى قيادي وطني، كان عبر تغريدة لمتحدث باسم حركة فتح على حسابه الشخصي في مواقع التواصل، عَكَسَ العقلية التي تدار بها الحالة الوطنية.
هذا التصرف أثبت أن المشكلات العالقة لدينا سببها بدرجة أساسية عدم الاحترام المتبادل، وأنها لا تحلّ بدونه. 
هل يمكن استيعاب فكرة أن اجتماع القيادة الفلسطينية كان ينتظر محضر انعقاد الكنيست الإسرائيلي، كي ينتظم ويقرر خياراته للردّ على "الضمّ" الذي سيصل إلى ما هو أكثر من 30% من مساحة الضفة؟ وهو القرار الذي وصفه دبلوماسي فلسطيني بأنه "أخطر كثيرًا من وعد بلفور".
لكن رغم إعلان السلطة "عبر الإعلام" رفضها القرار، إلا أن معطيات عديدة تؤكد أنها تقبل به:
أولًا: لم تتخذ السلطة أي قرارات عملية مسبقًا للرد على تفشّي الاستيطان على أراضي الضفة المحتلة بمعدلات قياسية وخطيرة، ساعدت في أن تصبح اليوم أمرًا واقعًا وحقائق شجّعت إقرار الضم.
تكشف إحصائية حديثة لمركز رؤية للتنمية السياسية عن تنامي أعداد المستوطنين في الضفة بعد اتفاق أوسلو إلى ضعفي عددهم ما قبله، بواقع 700 ألف مستوطن حتى نهاية العام 2019.
وتبلغ مساحة نفوذ المستوطنات في الضفة 2.2 مليون دونم، تضم 298 بؤرة استيطانية بالضفة والقدس.
وبالتالي، فإن هذه الأرقام تؤكد أن القرار الإسرائيلي بالضم هو استكمال لمشروع قائم على أنظار السلطة، التي قررت أن تستيقظ عندما حان رفع السارية الإسرائيلية! 
ثانيًا: لم نشهد تحرّكًا فلسطينيًا حقيقيًا على محاولات أو إجراءات "إسرائيل" لقوننة الاستيطان وليس الاكتفاء بانتشاره وتوسّعه فحسب، فقد أقرّت في السنوات الأخيرة قوانين عديدة للاستيطان، أبرزها "قانون تبييض البؤر الاستيطانية" أو بمسماه الآخر "قانون تنظيم الاستيطان في يهودا والسامرة" وغيره.
وهذه القوانين أسست لمبادئ السيادة الإسرائيلية في الأراضي المحتلة، ومهدت لقرار الضمّ الحالي. حتى إن الحكومات الإسرائيلية كانت تردّ على التماسات عديدة بهذا الخصوص بأن "الاستيطان اليهودي في أراضي الضفة يحقق القيم الصهيونية"!
وعمليًا، كانت السلطة منشغلة بتشريعات تقيّد بها الفلسطيني الذي يحاول أن يقاوم محاولات إحلال هذه القيم، مثل قانون الجرائم الإلكترونية. فصمتت السلطة وألزمت الفلسطينيين باعتناق الصمت، أو الندم على الكلام. 
ثالثًا: عطّلت السلطة تنفيذ قرارات وطنية صادرة عن المجلسين المركزي والوطني في أكثر من دورة، كانت كفيلة بتعطيل مراحل المشروع الإسرائيلي، بل أبعد من ذلك بفرض مطلب إنهاء الاحتلال. لكنها تجاهلت المطالب الوطنية بذلك، 
يمكن إحصاء 11 مرّة أعلن فيها الرئيس أبو مازن وقف التنسيق الأمني منذ تاريخ 5 مارس/آذار 2015، لكن دون تنفيذه، آخرها في اجتماع القيادة الأخير في 18 مايو؛ ردًّا على قرار الضم.
رابعًا: تتمسّك السلطة باتفاق أوسلو وملحقاته رغم أنه تأكد لها تحلّل الاحتلال منه، ولا يمثل تصريح أبو مازن في اجتماع القيادة أن منظمة التحرير في حلٍّ من الاتفاقات الموقّعة مع "إسرائيل"، إعلانًا صريحًا من مهندس أوسلو بالتخلّي عنه بعد 27 عامًا أصبحت فيه العودة غير ممكنة، بل مكلفة وثمنها حياته.
ويعزز ذلك أن هذا التهديد تكرر في مناسبات سابقة بصيغ مختلفة، ولم يكن لمرّة محط قلق لدى الإسرائيليين، الذين كانوا يعالجون ذلك بترضية مالية أو اقتصادية، ضمن نهج "السلام الاقتصادي" الذي يتبنّاه نتنياهو ويسلكه مع السلطة.
كما أن السلوك السياسي لأبي مازن لا ينبئ بإمكانية أن يستسلم الرجل الثمانيني بسهولة، فهو من نمط الأشخاص الذين لا يُعلمهم الفشل، ولا يغيّر أفكارهم.
فبعد حصوله على البكالوريوس في القانون عام 1958، قرر محمود عباس أن يحمل سلاحًا بمعسكرات الفدائيين الفلسطينيين السورية، لكنه سرعان ما طُرد بعد شهرين فقط، فلم يكن على أتم الاستعداد لهذه المهمة، أو هكذا أخبروه. وهو الطرد الذي تسبب بفراق بينه وبين السلاح للأبد.
سيناور أبو مازن مجددًا، ولا أستبعد أن تشهد المرحلة المقبلة ولادة أفكار جديدة للتسوية أو نشوء قنوات اتصال خلفية للتفاهم في مطلبين غالبًا: التأجيل أو البدائل.
خامسًا: لم تتحرك السلطة بجدّية في ملف الجنائية الدولية، ولا مواصلة النضال الدبلوماسي المكمّل لإحالة ملف الاستيطان إلى المحكمة، بعد حصول فلسطين على صفة "دولة مراقب غير عضو" في الأمم المتحدة.
ولم تستثمر السلطة الأهمية القانونية لهذا الحراك، باعتبار الاستيطان مرفوض دوليًا وغير شرعي، عدا عن أنه يعتبر "جريمة حرب" بنصّ القانون الدولي كاتفاقية جنيف الرابعة، وكذلك النظام الأساس للمحكمة نفسها التي لا تضم "إسرائيل" في عضويتها. ولا حتى البناء على قرارات أممية ذات صلة، وأهمها قرار مجلس الأمن 2334 الذي تم تبنيه في عام 2016، ويطالب "إسرائيل" بوقف الاستيطان في الضفة بما فيها القدس، وعدم شرعية إنشاء مستوطنات هناك.
لكن السلطة للأسف اكتفت بالتعامل مع الإحالة على أنها ردّ على جريمة الاستيطان. 
سادسًا: مثّل عدم معارضة السلطة لـ "مبدأ تبادل الأراضي" منذ 1998 حافزًا لدى الإسرائيليين لتوسيع رقعة الاحتلال لأراضي الضفة، على قاعدة أنه يمكن معالجة ذلك لاحقًا بطرح خيار التبادل على الطاولة، وإشغال القيادة الفلسطينية بالمسح الجغرافي لأراضٍ بديلة، ودوّامة النسب المئوية.
وتبدو السلطة في هذا الأمر متهمة بتقديم أفكار سياسية منحت إقرارًا بشرعية الاستيطان والكتل الاستيطانية الكبرى، وتجزئة الأرض الفلسطينية، حتى قيل إن مجرّد الحديث في التبادل يعتبر "تنازلًا كبيرًا" قبل أن تعترف "إسرائيل" بأنها دولة محتلة، وتوافق على الانسحاب إلى حدود 67.
ويتمسّك أبو مازن نفسه بهذه الفكرة، فسبق أن شدد على "مبدأ التبادلية بالقيمة والمثل"، دون أن يصل إلى نتيجة أو اتفاق من حينه.