المرحلة الرابعة: المقارعة

الكاتب
الكاتب

د. ابراهيم صقر الزعيم  

لم يكن الهدف أبداً من المرحلة السابقة هو القتالَ والالتحامَ المباشرَ مع العدو، فقد يؤدي إلى القضاء على الدعوة قضاءً تاماً، وفي أحسن الأحوال سيكبدها خسائرَ فادحةً، وهنا سيكون على الدعوة أن تعود إلى المربع الأول؛ حيثُ تعيد بناء القوة التربوية والجهادية، وبناء عليه رأينا أن عدد السرية محدودٌ، وقدَّر الله ألا يكون قتال في الأُولى والثالثة، إلا ما كان في الثانية من رمي السهام، وكان فيه رفع لمعنويات المؤمنين، وتخويف للمشركين، وتشريف خاصٌّ لسعد رضي الله عنه. 
أَمَا وقد مرت مرحلة المناوشة وفق المخطط النبوي، فكان ذلك نجاحا للداعية الأول محمد ﷺ، ولجنود الدعوة المنضبطين؛ فإن هذه المرحلة ستنتقل بهم نقلة نوعية وخطيرة، فسيبدأ القتال المباشر مع العدو، وذلك في غزوتي بدر وأُحُد. 
بعد عامٍ واحدٍ من الهجرة، تَأَهَّلت فيه الجماعة المؤمنة تأهيلاً عسكرياً؛ نشهد تطور قدراتها القتالية في فترة قياسية، فتنتقل من تشكيلات تنفذ مهماتٍ خاصةً وخاطفةً، إلى جيش يدخل في مواجهة مباشرة، فكانت المعركة الأولى في بدرٍ من العام الثاني للهجرة، وأُحُدٍ في العام الثالث، ينتصر الجيش الإسلامي في الأولى، وينتصر جيش الطاغوت في الجولة الثانية من المعركة الثانية. 
والعجيب في هذه المرحلة هو مقارعةُ الباطل بجرأةٍ عالية، رغم عدم تكافؤ القوى، وتحقيقُ انتصارٍ في أول معركة بين القوتين، ومن رحمته سبحانه أن تكون الهزيمة في المعركة الثانية، وربما لو كانت في الأولى؛ لكان شأنٌ آخرُ، فربما كان ذلك مقدمةً للقضاء على الجماعة المؤمنة، وذهاب رِيحِها، وربما أغرى ذلك قريشاً بالتوجه نحو المدينة. 
أهداف المرحلة: 
لم يكن هدف هذه المرحلة هو القضاء على قريش، فالتحرير والعودة والتمكين في الأرض أمورٌ عظيمةٌ، لا تأتي بجولة أو اثنتين، وإنما يحتاج ذلك إلى عديد الجولات، لكن هدف هذه المرحلة، هو إسقاط خرافة الجيش الذي لا يقهر، وقد كان. 
نجحت المعركة الأولى في تحطيم تلك الخرافة، وَمَّرغت أنوفهم في التراب، فهزموا شَرَّ هزيمة أمام جيش ناشئ، فعلها شباب ذوو خبرة محدودة في فنون القتال، يهزمون جيشاً ذا تاريخ، وفيه نخبة مدربة تدريباً عالياً، هزم الباطل في بدر، وبدل أن يعودوا بقادة الدعوة في السلاسل كما كانوا يحلمون، عاد بعضهم تاركاً خلفه أئمة الضلال بين قتيلٍ وأسير. 
أما غزوة أُحُدٍ، وما كان فيها من مقتلة للجماعة المؤمنة، فكانت نصراً عسكرياً محدوداً لقريش، وذلك أنها لم تَقضِ على الدعوة الإسلامية، ولم تفككِ الجيش الإسلامي، وجيشها لم يدخل المدينة المنورة. 
وهو كذلك بالنسبة لأهل الإيمان في فلسطين، فالعدوان الأول والثاني على قطاع غزة، لم ينزع الإيمان من الصدور، والمجاهدون لم يرفعوا الراية البيضاء، وفشل جيش المعتدين في اقتحام غزة.