مناورة أميركية - إسرائيلية

الطاهر
الطاهر

معين الطاهر

ثمّة مناورة أميركية - إسرائيلية مشتركة للالتفاف على الموقف العربي والدولي الباهت في رفضه ضم نحو 40% من مساحة الضفة الغربية إلى الكيان الصهيوني، وذلك عبر رمي الكرة، مرة أخرى، في ملعب السلطة الوطنية الفلسطينية، بذريعة أنّ الأخيرة ترفض الدخول في مفاوضات مع الجانب الإسرائيلي، وفقًا لرؤية الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، التي تزعم أنها، وللمرة الأولى، تتحدّث عن قيام دولة فلسطينية، بعد أن نصّت جميع المبادرات والاتفاقات السابقة، من اتفاق كامب ديفيد إلى مبادرة ريغان إلى اتفاق إعلان المبادئ (أوسلو)، على إقامة حكم ذاتي محدود.
توالت التصريحات الأميركية خلال الأسابيع الماضية، فالناطق باسم البيت الأبيض قال "إنّ الاعتراف بالإجراءات الإسرائيلية الرامية إلى بسط السيادة الإسرائيلية، وتطبيق القانون الإسرائيلي، على مناطق في الضفة الغربية تُعتبر جزءًا من دولة إسرائيل، سيأتي في سياق موافقة الحكومة الإسرائيلية على التفاوض مع الفلسطينيين، بشأن دولة فلسطينية على أساس الخطوط التي حدّدتها رؤية ترامب للسلام"، زاعمًا أنّ الولايات المتحدة "لن تدعم الضم في الضفة الغربية ما لم توافق إسرائيل" على ذلك. أما وزير الخارجية الأميركي، مايك بومبيو، فقد صرّح خلال جولته الأوروبية بأنّ "القرار النهائي بشأن ضم مناطق في الضفة الغربية يعود إلى الحكومة الإسرائيلية"، متناسيًا وجود لجنة أميركية - إسرائيلية مشتركة تصل الليل بالنهار، وهي تعمل على وضع خرائط الضم.
انتهى مفعول هذه التصريحات التي حاولت فيها الإدارة الأميركية الظهور بمظهر متوازن زائف وكاذب، بعد أن منح السفير الأميركي في إسرائيل، ديفيد فريدمان، في مقابلة له مع صحيفة
يسرائيل هيوم، صك براءة لبنيامين نتنياهو، وتخويلاً بإعلان الضم، حين أعلن موافقة الأخير "على بدء مفاوضات مع السلطة الفلسطينية، وفق مشروع ترامب (ونتنياهو)، لكنّ السلطة هي التي ترفض دولة فلسطينية"، مؤكدًا الاعتراف الأميركي بالضم بعد أن تعلنه إسرائيل. وربما ستمنح الولايات المتحدة الحكومة الإسرائيلية الضوء الأخضر لبدء تنفيذ تلك الإجراءات، في أثناء زيارة بومبيو المرتقبة اليوم الأربعاء (13 مايو/ أيار)، بعد أن شرّعت الضم، ورسمت أدق تفصيلاته في رؤية ترامب - نتنياهو، ولم تُبقِ شيئًا للسلطة الفلسطينية للتفاوض حوله.
لا توجد أي خيارات تفاوضية أمام السلطة الفلسطينية، إذ إنّ صفقة ترامب - نتنياهو قد أحكمت الطوق حول عنقها، ولم يعد ثمّة ما تفاوض عليه. تم في "أوسلو" تأجيل بعض القضايا لتُبحث في مفاوضات الحل النهائي، مثل القدس واللاجئين والحدود، والتي كان من المفترض أن تبدأ بعد خمسة أعوام من توقيع الاتفاق، واستمرت أكثر من ربع قرن، لتنهي صفقة ترامب - نتنياهو هذا المسار البائس، ولعلها الإيجابية الوحيدة في الصفقة، إذ ستريحنا من ماراثون المفاوضات العبثية التي لا تنتهي.
وقد قرّرت رؤية ترامب أدق التفاصيل، فحسمت مسألة القدس بالاعتراف بها عاصمة أبدية لدولة إسرائيل، على اعتبار أنها وردت في التوراة سبعين مرّة، ولم تُذكر في القرآن الكريم ولا مرّة. وحسمت مسألة اللاجئين بتوطينهم في الدول الإسلامية، ورفضت بشكل مطلق حقهم في العودة، حتى إلى البانتوستانات التي ستخصص للفلسطينيين الذين سيستهدفهم تهجير لاحق، لذا لن يُسمح بزيادة أعداد الفلسطينيين فيها. أما الأسرى في سجون الاحتلال، فسيُفرج عنهم بعد انتهاء مدة المفاوضات الجديدة، وعلى مراحل، وبعد توقيعهم تعهدات مذلّة، ويسري ذلك على كبار السن، وأولئك الذين أمضوا أكثر من نصف المدة التي حُكموا بها، علمًا أنّ المحاكم الصهيونية سخية في أحكامها، فكان من الأسرى من حُكم بعشرات المؤبدات، ومع ذلك كله، استُثني أولئك الذين نجمت عن عملياتهم قتلى صهاينة. أما مسألة الحدود والانسحاب من الأراضي المحتلة، فهي أيضًا ليست موضع مفاوضات، فقد رسمت رؤية ترامب - نتنياهو أدق تفصيلاتها، وحوّلت ما تبقى من الأرض الفلسطينية إلى أرخبيل من الجزر المتناثرة، تربط بينها جسور وأنفاق، إذا ما تم تنفيذها، ما يحوّلها إلى معازل كاملة للفلسطينيين، تتحكّم القوات الإسرائيلية بتحرّكاتهم فيها، وتسيطر على معابرها وأجوائها ومياهها ويرتبط كل ما فيها بما يلائم أمن الصهاينة وحياتهم، وبمجرد موافقة السلطة الفلسطينية على المفاوضات تكون قد وافقت على الضم، إذ إنه هو أساس هذه المفاوضات، ولتُسم بعدها معازلها كما تشاء، دولة أو إمبراطورية، لكنها من ورق وغبار.
إذن، على ماذا ستجرى المفاوضات في هذه الحالة، وقد أحكمت رؤية ترامب - نتنياهو جميع تفصيلاتها، واشترطت القبول بها قبل البدء فيها؟ فهي بمثابة عقد إذعان، بل إنّ جميع ما يخص اليهود فيها يطبق فورًا، بدءًا من الضم، وما يخص الفلسطينيين مؤجل إلى ما بعد أربعة أعوام، عليهم خلالها أن يحوزوا شهادة حسن السلوك الصهيوني. ومحاور المفاوضات كافة تدور حول ذلك، فهي ليست أكثر من فترة انتقالية جديدة في المشروع الصهيوني، ليتمكّن بعد

ها وخلالها من ابتلاع مزيد من الأرض، تمامًا كما استفاد من اتفاق أوسلو الذي تضاعف الاستيطان خلاله مرّات. ولا يخفي العدو ذلك، فالصفقة - الرؤية تجمّد الاستيطان بعد الضم في المناطق الفلسطينية التي لن يشملها هذا الضم أربعة أعوام فحسب.
ثمّة مناورة أخرى يتم فيها التلاعب بالصيغ القانونية التي ستستخدمها الحكومة الإسرائيلية في
إعلان الضم، فبدلًا من القول بالضم الذي لا يمكن التراجع عنه، يُستخدم تعبير "فرض السيادة الإسرائيلية". وتستهدف هذه المناورة إبقاء وهم التسوية والمفاوضات قائمًا، في تكرار لقرار فرض السيادة الإسرائيلية على الجولان، حيث لم يغلق هذا القرار الباب أمام التلويح بالتسوية والمفاوضات، وشهدنا في حينه ما عُرفت بوديعة رابين، حين حاولت إسرائيل استغلال الخلافات العربية والتلويح لسورية بمفاوضات معها بديلاً عن مفاوضات مع الفلسطينيين. تحاول الصيغة المرجّحة للقرار الصهيوني أن تُبقي نافذة مفتوحة، تظل تتلاعب بها أمام المجتمع الدولي والأنظمة العربية، خصوصًا التي ترتبط باتفاقات مع العدو، أو تلك اللاهثة وراء التطبيع معه، لتبرّر لها استمرار تلك العلاقات، في حين أن صيغة الضم تغلق الباب تمامًا.
مهما اختلفت الصيغ القانونية لقرار الضم، فهي لن تغيّر من الواقع شيئًا، فالواقع المرّ الذي نعيشه أنّ الأرض كلها تحت الاحتلال الصهيوني، وقد تمكّن من قضمها شيئًا فشيئًا. وفي كل يوم يمرّ تصدر قرارات استيطانية جديدة، لعل أحدثها قرار مصادرة الأراضي المحيطة بالحرم الإبراهيمي الشريف في الخليل، وقرار إقامة سبعة آلاف وحدة استيطانية جديدة في مستوطنة أفرات، جنوب بيت لحم. يحدث هذا في وقت تعلن فيه السلطة الفلسطينية، على لسان عضو اللجنة المركزية في حركة فتح، عزام الأحمد، أنها "تراقب عن كثب تحركات نتنياهو"، وتتوعد بإنهاء الاتفاقات كافة، إذا أقدمت إسرائيل على ضم المناطق، وكأنّ الضم لا يشكّل فعلًا حاصلًا في كل يوم، ما دامت فلسطين تحت الاحتلال، وما دام وهم المفاوضات والسلام المزعوم حاضرًا، فهي معادلة قائمة، أَصَدَرَ قرار الضم أم تأخر، ولا طريق للخلاص منها سوى بالنضال من أجل دحر الاحتلال، وضد نظام الأبارتايد والتمييز العنصري الصهيوني في فلسطين كلها، فقد ولّى زمن أنصاف الحلول واللهاث وراءها.
العربي الجديد