مآذن المساجد حزينة.. والأقصى حزنها أعظم

مآذن المساجد حزينة.. والأقصى حزنها أعظم
مآذن المساجد حزينة.. والأقصى حزنها أعظم

الرسالة- رشا فرحات

قُطع الطريق الطويل المؤدي إلى باب العامود، قطعته يد المحتل التي جاءتها حجة انتشار الوباء على طبق من فضة لتتمادى في تطبيق مخططاتها.

رمضان كريم، وصلواته كريمة، ولكنه في هذا العام مر حزينا على كل مآذن المسلمين، وحزن مآذن القدس أعظم، ففي القدس تقف عربات الباعة المتجولين على البوابات خاوية إلا من انارة زينتها التي تذكرهم بأن رمضان قد هل، فلا أطفال يتزاحمون على شراء الحلوى، ولا عمال للأقصى يوزعون الماء على المصلين مع ارتفاع الآذان، ويتناولون من أقداحهم النحاسية بضع تمرات لإفطار من تجمعوا لقضاء العشر الأواخر من الشهر الفضيل.

مآذن القدس حزينة وحدتها القديمة زادت وحشة، حيث كانت في مثل هذا اليوم تستقبل عشاقها من كل المدن والقرى الفلسطينية، ليقفوا صفوفا متراصة أمام عدو واحد وينشرون هيبة المرابطين في الباحات المسلوبة، منهم من جاء على قدميه سيرا، ومنهم من اخترق عشرات الحواجز ومنهم من قفز مخاطرا بحياته من فوق الجدار الحاجز.

اليوم قطعت الصلوات، منعت عن اقتناع، وخوف من الوباء، وحدها البيوت مطلة النوافذ على الأقصى تعرف وصف المشهد بجدارة، الأماكن فارغة والجدران باهتة، ولا عزاء للأذنة وخدام الأقصى وأحبابه، فالكل ممنوع من الوقوف تبعا لكل القوانين الدولية.

وحدهم من لا يقدرون على نار العشق فرشوا سجاجيدهم أمام البوابات العريضة، وفي الأزقة المخفية القريبة من الأقصى، يسمعون نبض المكان في كل سجدة هناك، بينما يواري السجود دمعتين سقطتا شوقا.

هذا رضوان عمرو أحد حراس الأقصى يتسلل إلى باحات الأقصى ما قبل صلاة العشاء لينقل لنا صورة عن وحشة المكان، الذي رغم هجرانه ما زالت قبابه مضيئة تلفها السكينة والطمأنينة.

 

صوت لهاث عمرو يقطع القلوب بينما يسمع في خلفيته ما قبل الآذان أصوات قرع الكنائس القريبة المجاورة للأقصى.

كل المشهد يلفه الحزن والوحدة، ففي مثل هذه الأيام كان الأذنة بكل طاقتهم يستعدون في الخامس عشر من رمضان ليستقبلوا العشر الأواخر، شادين الأحزمة ومشمرين عن سواعدهم استقبالا لأشواق المصلين.

ما قبل الآذان، بوابات الأقصى فارغة من الأقدام، وحدهم قلائل من يتسللون عبر الشدة، ليؤنسوا وحدة الجدران القديمة متحدين الألم، ومتحدين خطط المحتل التي انتهزت الفرصة لتفرض سياسة اغلاق البوابات كاملة بينما يتسلل مستوطنوها في موعدهم مقتحمين كل يوم مطبقين سياسة اقتطاع المكان والزمان، ورغم كل شيء، ينطلق الآذان، ليزلزل الجدران الوحيدة ويتحدى خطة المحتل القديمة الجديدة.

وفي خلفية الصورة، يعمل جنود المحتل بالخفاء، فينسلون لنصب حواجز معدنية متحركة وكاميرات مراقبة وسط طريق المجاهدين الواقع شمال الأقصى، والذي يعتبر مدخلا رئيسيا لكل المداخل الأخرى الغربية للأقصى، وهناك على تلك الحواجز تفتش في بطاقات المواطنين لتفرض سياسة الدخول ببطاقات وتصاريح.

وفي الخفاء أيضا بدأ العمل مسبقا على باب العامود بنفس السياسة، وكأنهم يعيدون سياسة فرض كاميرات المراقبة على البوابات أثناء انشغال الإعلام بتغطية أخبار كورونا.

الباحث في شؤون القدس زياد ابحيص شدد على خطورة هذا الاجراء قائلا إن المحتل يبدأ من باب الاسباط وقبله باب العامود، لأنهما الأكثر حيوية في منطقة الأقصى ويدخل منه كل المصلين إلى الأقصى وهناك تحلو المراقبة للمحتل.

وقد يمنع المحتل المصلين لكنه لا يمنع مقتحميه، ففي ظل منع التحضيرات لاستقبال العشر الأواخر، يتحضر جماعات المعبد لاقتحام في الثاني والعشرين من هذا الشهر أو في ذكرى ما يسمونه احتلال القدس بالتقويم العبري.

ووفقا لما يقوله عبد الله معروف المختص بشؤون القدس :"اليوم تتطلع هذه الجماعات لأن يكون أعضاؤها أول من يدخلون الأقصى بعد إغلاقه، وأن تكون الشرطة هي من تفتح الأقصى لهم، وأن يقتحموا الأقصى في يوم جمعة بخلاف ما تسمح لهم الحكومة الإسرائيلية به في العادة، فيضربون ثلاثة عصافير بحجر".

الجدير بالذكر أن هذه الجماعات قد لجأت مسبقا للمحكمة الإسرائيلية العليا لعلها تنتزع قراراً بالسماح بدخول أعضائها مقابل دخول موظفي الأوقاف، وقد انتزعت فعلا قرار بذلك استخدمته الحكومة الإسرائيلية كذريعة للسماح لهم بممارسة طقوسهم.

لذلك قد لا تبدو صورة الآذن اليوم معزولة عن محبيها فحسب، بل هي حزينة لما تتعرض له من خطة محبوكة لتهويد أهلها دون أن تمنعهم قدسية الشهر الكريم، أو خطورة كورنا.