المرحلة الثانية: تأسيس كيان

د. إبراهيم صقر الزعيم
د. إبراهيم صقر الزعيم

د. إبراهيم صقر الزعيم

 من كان يحسب أن الهجرة إلى المدينة، ستحمل ذلك الخير كلَّه؟ ليس للجيل الأول من المؤمنين فحسب، وإنما للبشرية جميعا، من كان يعلم أنها ستتحول من تجربة مريرة، إلى فكرة ملهمة تقود المستضعفين إلى الخلاص على مدار التاريخ؟ كانت في ظاهرها شراً، وفي باطنها خيراً، والله يعلم وأنتم لا تعلمون، قال تعالى: ﴿فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ (النساء:19).

إنها رحلة الصراع الأبدي، الذي يطارد فيه الباطل همساتِ الحق، فيسعى أهله مكرهين إلى البحث عن موطن يسمح للأصوات المكبوتة أن تعلو، وللأحلام المحرومة أن تزهو، فيخرج جلُّهم كرهاً وبعضهم طوعاً، فكيف لهم أن يبقوا في مكان لا يقيمون فيه دينهم؟!، يذهب المهجَّرون الأُوَلُ إلى المدينة، فيؤسِّسون دولة مسلمة، يقيمون فيها شرائع الإسلام، لكن ذلك ليس كلَّ الحلم، فهذا بعض منه، فالحلم الكبير أن تدين هذه الأرض لله، بما فيه مكة المكرمة، ثم تنفِّذ دولة الإسلام مهمتها الثانية، وهي انطلاق الجيوش، التي ستحارب الظالمين نصرة للمظلومين.

أما شعبنا فيذهب إلى بقاع شتى، داخل الوطن وخارجه، كلُّ مكان منها له دور في نصرة القضية، غير أن موقعا منها كان له حظ وافر من ذلك (قطاع غزة)، فأقام الناس فيه شرائع دينهم، أما ما يميزه عن غيره، فهو أن تألفت فيه الكتائب، التي ستحارب المعتدين انتصارا للمؤمنين، وهذا ما يميزها عن غيرها من أجزاء فلسطين، التي تعمل كلَّها في أدوار متكاملة؛ لتحرير الإنسان والأرض. 

إنَّ تشكيل قوة مناصرة للحق، ومدافعة عنه، هي الحكمة الأعظم من الهجرة، فكيف يمكن لهذه القوة أن تتشكل لولا الهجرة؟!، وكيف سيقبل الباطل بتأسيس عصائب الحق بين ظهراني الشرك؟

من الممكن أن تؤسس تلك القوة في ظل وجود الأذرع الخبيثة، كما كان من تأسيس التشكيلات المجاهدة في غزة أثناء وجود الاحتلال الإسرائيلي، لكن ما أعنيه هو أن تلك القوة شكلت بعيدا عن مركز العدو وتجمعاته العسكرية والشعبية، وهذا أتاح لها الانتشار في مناحي الحياة كافة، من خلال العمل المؤسسي، فنجحت في صياغة الوعي بإمكانية استرداد الأرض.

إن معاني الهجرة غاية في العظمة، فهي هجرة من جزء من الوطن لا تستطيع فيه إقامة شرائع الإسلام، إلى جزءٍ آخرَ تعلن فيه شرائع الإسلام بحرية مطلقة، هي هجر العجز والكسل، إلى القوة والعمل، وهجر ما نهى الله عنه؛ لتعمير الآخرة والدنيا.

 

إنَّ الخروج إلى موطنٍ يُؤمِنُ فيه على الكليات الخمس، بما فيها الدين، ليس نهاية المطاف، فقوى الضلال لن تترك أهل الإيمان وشأنَهم، لذلك على الجماعة المؤمنة أن تطلب الباطل قبل أن يطلبها، وتسعى إليه مقاتلة، قبل أن يأتي إليها، فإن لها وطنا مسلوبا، ينتظر أن يقام فيه الدين، كما أقيم في الموطن الجديد، والمستضعفون فيه يتطلعون إلى يوم الخلاص، وليس لهذه المهمة الإنسانية إلا أتباع الشريعة المحمدية، ولذلك فإنهم يساهمون في تحقيق قدر الله من حيثُ لا يشعرون.

حذارِ من التيه:

أمر موسى عليه الصلاة والسلام بني إسرائيل، بأن يستجيبوا لأمر الله تعالى بدخول الأرض المقدسة، لكن ذلك الدخول كان يتطلب منهم الدخول أولا في مرحلة الجهاد، جهادِ النفس، وجهادِ العدو، ومع أن ذلك الجهاد كان نصرة لدين الله، إلا أنه كان أيضاً تحسيناً لمعاشهم، بحيث ينتقلون من حالة الذلة إلى القوة، ومن التشرذم إلى التجمع، ومن الجماعة إلى الدولة، ومن الاستضعاف إلى الاستخلاف، لكنهم اختاروا حياة الدعة، فعوقبوا بالتيه؛ حتى يموت ذلك الجيل، ويأتي جيلٌ جديدٌ تتجافى جنوبهم عن الخور، ويدخلون على عدوهم الباب.

خذل بنو إسرائيل رسولهم، واستكبروا على أمر الله تعالى، فكان جزاؤهم التيه، لذلك فإن على طالبي الحرية ألا يحيدوا عن المنهج؛ لأن ذلك يعني تيها عن الطريق، وبالتالي تأخرا عن بلوغ الغاية، أما القعود عن الجهاد فنقمته الحرمان من شرف الفتح، فمن قعد عن العمل لتحرير الأرض المقدسة، كان مَثَلُهُ مَثَلَ بني إسرائيل، وكانت عقوبته مِثلَهم تماماً، التيه في شقاء الدنيا، حتى لو رُزق المن والسلوى.

هدف هذه المرحلة، هو الحفاظ على الدعوة وأنصارها، وهذا يتأتَّى من خلال إيجاد مكانٍ يأمن فيه المؤمنون على إقامة الشعائر، والبرامج التربوية والجهادية، دون التعرض للأذى والتضييق والملاحقة، وهذا ما كان لقطاع غزة.