فضاء القمع والتطبيع

الكاتب
الكاتب

خالد النجار

في الوقت الذي تنفذ به بعض وسائل الإعلام العربي التطبيع على أعلى مستوياته وبصورة تعكس مدى الانحطاط الثقافي والأدبي الذي يجسد صورة الخنوع والخضوع والتماهي مع أدوات وسياسات الاحتلال الاسرائيلي في المنطقة، وسعيه الدؤوب لتغيير مركبات ومفاهيم القضية الفلسطينية من خلال المشاهد التي تُعرض على بعض شاشات التلفزة العربية، في محاولة لسحق تلك المفاهيم والثوابت الوطنية والقيم الإنسانية، وتحدٍ واضح وبلا حدود لكل المناهضين للمشروع الصهيوني في المنطقة، ودون أي اعتبار لأي قوانين كابحة تمنعهم من القيام بهذه الجرائم التي تنهك القضية الفلسطينية بأنماط وأدوات تقمع ثورة الشعوب الملتهبة والتي لم تنطفئ شعلتها في وجه الاحتلال يوماً، يعرض أحد البرامج الكوميدية "مقلب على الماشي" على شاشة تلفزيون فلسطين مشاهد لا إنسانية ولا أخلاقية، ولا تعبر إلا عن إساءة صارخة لحقوق المعاقين وخرقاً للقيم الإنسانية الذي كفلها القانون الدولي وكفلتها كافة الأعراف الدولية، دون رقيب أو حسيب في ظل غياب سلطة القانون الناظمة لأداء تلفزيون فلسطين الذي يسوق أجندات كابحة للنضال وللمقاومة الفلسطينية، وما هو إلا انعكاس حقيق للتنسيق الأمني وجزء من مخططات كي الوعي العربي والفلسطيني على وجه الخصوص.
ولعل المتتبع لما يُعرض عبر هذه الشاشة، يدرك تماماً أن سياسات الفصل بين الضفة والقطاع هي أحد أبرز أوجه وملامح البرامج الإعلامية التي يتم عرضها بين الفينة والأخرى.
وفي سياق متصل لا أرى البتة أن سلطة القانون التي تلاحق بعض الوكالات الإعلامية الحرة في الضفة الغربية، تمتلك نوعاً من النزاهة الوطنية، فمن غير المعقول الصمت أمام جرائم إعلامية تطبع مع الاحتلال وتعرض ما يمكن أن يضرب الصورة الذهنية للمقاومة الفلسطينية وصمودها الباسل في قطاع غزة والضفة الغربية، وتقوم بإغلاق مكاتب الإعلام الفلسطيني المنتشرة بالضفة والتي تدعم صمود الشعب الفلسطيني وتساند مقاومته بما يمكنها أن تعرضه في سبيل الحرص على بنية ونسيج المجتمع الفلسطيني والحفاظ على مقدراته الوطنية.
هذه الفجوة وهذا الفارق الكبير هو جزء من الأدوات والسياسات والمخططات الإسرائيلية التي تنفذها أجهزة الأمن الفلسطينية بالضفة من خلال قمع حرية الرأي وحرية العمل الصحفي الذي كفله القانون، وملاحقة المحتوى الإعلامي المقاوم والوطني والذي يعكس الصورة الحقيقية للواقع الفلسطيني الذي يرزح تحت الاحتلال، ويعرض جرائم الاحتلال ويكشف أباطيل وزيف الرواية الاسرائيلية التي يسوقها الاسرائيليين بين أروقة الاعلام الغربي والعربي وفي المحافل الدولية.
من هنا كان لزاماً على وزارة الإعلام الفلسطيني في الضفة الغربية أن تعيد التفكير من جديد وتدرس الواقع الاعلامي الذي أحدث صخب كبير بين المجتمع الفلسطيني وأحدث التهاباً لدى الرأي العام الفلسطيني نتيجة تعدٍ صارخ على أبسط حقوق ذوي الإعاقة، وعرضه لبعض البرامج الهابطة التي تسيء للقضية الفلسطينية وللشعب الفلسطيني ككل، وأن تضمن للجميع حق الحرية عن التعبير والرأي وفق المساحة التي تسمح للجميع بالحفاظ على تماسك المجتمع الفلسطيني وقضيته العادلة ومواصلة الدور النضالي للإعلام الفلسطيني كجزء لا يتجزأ من أدوات النضال الفلسطيني والحفاظ على صورته الحقيقية والمتماسكة لمواجهة اعلام الاحتلال ضمن معركة مفتوحة لا يمكن إنهائها إلا بزوال الاحتلال عن أرض فلسطين.