قلمٌ فيه روح المِدْفع

جبريل جبريل

للحرب كلمات لا تُلفظ إلاّ ويُسمع مع لفظها ضَرب مِدفع أو أَزيز رصاص أَو صُراخ جرحى أو تكبيرات انتصار أَو كل تلك الأشياء مُجْتمعة. فكَلمات الحرب لها وَقع القوة، القتل، العنف، الصدمة، والحسم فالحرب لا تَقبل كلمات فيها تردد أو مُلاطفة أو مُهادنة، فللحرب لغة وللسلم لغة أخرى.

إن كُتّاب وإعلاميي الشعوب المُقاومة للاحتلال، عليهم أن يُهيّئوا شعوبهم للقتال من خلال رَفع المعنويات، وأيضا شحذهم للاستعداد للتضحية، *وهذا يتطلب اختيار كلمات لها وقعٌ مثل وقع المعارك ومن فَرْط قوتها تشمّ رائحة البارود منها*، وكما قال نابغة الادب العربي مصطفى صادق الرافعي: "وَإِنَّ الكَلِمَةَ لَتَبْكِي بُكَاءً يُرَى .. وَإِنّ الحَرْفَ لَيَئِنّ أَنِينًا يُسْمَعُ".

فانتقاء الكلمات التي تصلح لصياغة الجُمل التَحريضيّة والشعارات وصحتها، من حيث النحو والصرف ليست كافيةً لتصلح بأن تكون جزءًا من المعركة، بل يجب اختيار كلمات قادرة على أن تستفزّ الشعب وخاصة المقاتلين منهم.    

عند إسهابنا في انتقاء كلمات الحرب فنحن لا نحتفي بها؛ بل لأنها تعالج جبهتنا الداخلية وترفع الروح المعنوية، وتُبقي الروح مُتيقظة من دسائس الكلمات الانهزامية التي يصنعها العدو وأعوانه وبعض "النخب"، والتي تتغلغل في النفس فتميل بالشعور ومن ثَمّ تميل بالجسد الى الرُكون والدّعة ومُسالمة العدو.

قال نابليون بونابرت: "إن عماد الحرب هو الروح المعنوية، أي معنويات الجماهير لأن أهم ما في الحروب هو يتصل بالمعنويات *إذ ان القنابل والآلات لا تغير فكر الناس وسلوكهم، وإنما الذي يفعل هذا هو الكلمات والأفكار والرسومات والأناشيد التي تجسم الشعارات، وترفع المعنويات وتحقق وحدة الأُمة".

لم يمر احتلال على البشرية إلا واختار كلماته بعناية؛ أكان بخصوص تزوير الحقائق أو الدعاية الحربية (الحرب النفسية) ضد الشعب المُحتل، أو بهدف سلخه عن لغته ليسقط ثقافياً ونفسياً ومن ثم وطنياً. والناظر في صفحات التاريخ وحتى الحاضر يَرى كيف عملت كل الاحتلالات على هذا الشكل من الحروب الناعمة ضد النفوس البشرية، ومحاولة قتلها من غير استخدام النار. فهذا الاحتلال الفرنسي للجزائر نَهَج على إطلاق ألقاب مُشينة تُسمى بها العائلات الجزائرية، من أجل نزعهم من صلتهم الدينية والعربية الكريمة وبالتالي تدمير نفسيتهم، فأطلقوا على الكثير من العائلات أسماء مثل عائلة "أبو ذنب" و"أبو تيس" وغيرها من ألقاب مُسيئة، ومازالت إلى الآن بعض العائلات الجزائرية تعاني من هذا الإرهاب النفسي الفرنسي. وهنا في فلسطين غيّر كيان العدو اليافطات التي تدل على أسماء القرى والمدن والأماكن، وزوروا التاريخ وسرقوا معجم اللغة الكنعانية ليقولوا انهم كانوا أصحاب حضارة في فلسطين فنسبوا كثيرا من اسماء المدن والقرى الكنعانية الى لغتهم البتراء (العبرية). _إنه التطهير اللغوي الذي يُفضي إلى التطهير العرقي_.

_لن أطرح في هذا المقال اسلوب العمليات والحرب النفسية بشكلها الواسع، لكن أركز هنا قدر الإمكان على موضوع انتقاء الكلمات المُناسبة لاستخدامها في بعض أساليب الحرب والعمليات النفسية، ومبدأ أن كل إعلامي وكاتب وقائد يجب أن يأخذ بعين الاعتبار انتقاء كلماته، من مُنطلق أننا في حالة حرب وفي أعناقنا أمانه الدخول لعقول الشعب والمقاتلين، فلا نخذلهم ونخذل لغتنا باختيار كلمات لا ترفع الهمم وتَشُد العزم وتُرهب العدو، وقد يتساءل البعض عن أهمية هذا الموضوع وهل للكلمة كل هذا القدر أم أننا نبالغ؟!_

 إن للكلمات سحر، خاصة في لغتنا العربية فالكلمات تَتَغلغل الى النفوس وعملها أشد من تأثير الرصاص والقذائف، فقد قال الله عز وجل "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انظُرْنَا وَاسْمَعُوا ۗ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ"، أنزل الله تعالى هذه الآية خاصة من أجل نهي المسلمين عن استخدام كلمة "راعنا" وهي كلمة كان اليهود يستخدمونها على سبيل الاستهزاء بالنبي (ص) مع أن العرب كانوا أصلا يستخدمونها قبل الاسلام، إلاّ أن الله تعالى نهاهم عن استخدامها لئلا يقعوا في مُشابهة اليهود.

قال الإمام ابن تيمية: "اعلم أنّ اعتياد اللغة يؤثر في العقلِ والخلقِ والدينِ تأثيراً قويّاً بيّناً، ويؤثر أيضاً في مشابهةِ صدرِ هذه اﻷمة من الصحابةِ والتابعين، ومشابهتهم تزيد العقلَ والدينَ والخلقَ...".

وقال علماء النفس: "إن اللُّغة تُبرمج العقل الباطن وتتحكم في السلوك".

فاذا تعودت النفس على لغة المُمْكن، فان اللُّغة التي نستخدمها يومياً تُصبح مع التكرار أفكاراً واعتقادات تُحرك سُلوكنا، وتتحكم في نتائجنا وتبرمج العقل الباطن، لذلك فاننا عندما نستخدم لغة وكلمات الانتصار أو ما شابه، فإن ذلك يُشكل محفزاً نفسياً يدفعنا إلى نبذ ومقاومة الاحتلال وانجاز التحرير، أما عندما نستخدم كلمات التردد والتشكيك في قدرتنا فسيكون العكس.

منذ القِدم برز اُسلوب الخطب الحماسية قبل نُشوب المعارك لرفع المعنويات، وتعزيز الروح القتالية عند الجنود، وهذا ما فعله الإغريق والروم والمسلمين وغيرهم، وقد ذكر ميكافللي في كتابه "الأمير" كيف كان يستخدم الإغريق هذا الأسلوب، وهذا الهرثمي صاحب الخليفة العباسي المأمون في كتابه "مختصر سياسة الحروب"، قد عدد فضائل القائد في الحرب وذكر منها ميزة وفضيلة "التَّحضيض" أي حَض الجُند على القتال، وهذا طبعا لا يتأتى إلاّ بمدى قُدرة القائد على اختيار الكلمات المناسبة للموقف مذكرةً بالشهادة والشهداء ومُستفزّةً للدماء.

‏قد سئل أعرابي: ما بال المراثي أجود أشعاركم؟ قال: *لأنا نقول وأكبادنا تحترق.

وهذا جورج واشنطن الذي قاد الحرب الأمريكية الثورية ضد بريطانيا عام 1775م، حيث أمر بأن تُقرأ كتابات توم بينين -المُشرف على تحرير مجلة بنسلفينيا جورنال- على جنوده بسبب ما في كلمات بينين من قوة مُلهمة وقدرة على إثارة الانفعال والحماسة للقتال.

كان تشرشل - رئيس وزراء بريطانيا ابان الحرب العالمية الثانية- قائداً مُفوهاً ألهب الجماهير في خطاباته التي كان يُلقيها على الشعب البريطاني أثناء الحرب العالمية الثانية، حيث كانت هذه الخطابات من أهم العناصر التي أدت إلى صمود بريطانيا أمام الألمان، حيث كان تشرشل يُحْسن اختيار الكلمات في صياغة خطاباته وهو رئيس الوزراء الوحيد الذي حصل على جائزة نوبل في الأدب.

إذاً إن الحروب لا تُحسم فقط بالمعارك الصاخبة، ولو كان ذلك لما وضعت الجيوش مبدأ الدعاية أو العمليات النفسية ضمن مبادئ الحرب عندها. ومبدأ الحرب هذا حتى يكون فعالاً يجب اختيار وانتقاء الكلمات المناسبة له وأيضا محاربة الكلمات التي تُؤثر سَلبا على المجهود الوطني المُقاوم. فمثلا عندما تَلَفّظ القائد يحيى السنوار بكلمة "خاوة" مُهدداً بها (وزير الدفاع) في كيان العدو، رأينا كيف أثرت هذه الكلمة في نفوس الشعب وكيف أصبحت مثلا شعبيا نقولها كناية عن القوة وفرض الارادة، وكم أشعرتنا هذه الكلمة بقرب زوال هذا الكيان، لقد عملت هذه الكلمة عمل المدفع... لن تكون بلاغة الأقلام إلاّ إذا مرَّ حبرها بفوهات البنادق، و"كلما ازداد الصراع صعوبة ازداد الانتصار مجدا".