حمى التطبيع تجاوزت خطوطها السياسية

بقلم: خالد النجار

التطبيع العربي خيانة للأمانة والقيم والأخلاق والدين، خيانة لأقدس قضية عربية إسلامية في عالمنا المعاصر. فلا أحد ينكر أن التطبيع مرّ بالعديد من المراحل التاريخية والتي شكلت مساراً استراتيجياً لدولة الاحتلال، وعبّدت خلالها طريقها نحو تصفية القضية الفلسطينية، وجعل العواصم العربية ملاذاً آمناً لمخابرات العدو وممراً أساسياً لملاحقة الفلسطينيين في كل مكان يتواجدون به بحثاً عن الحرية ومستقبل قضيتهم العادلة.
لقد عمد الإحتلال على إحداث خرقاً لإغراق الشعوب العربية في وحل الثقافات الهابطة من خلال ما يُعرف بالتطبيع الثقافي، ونشر قيم وسلوك لا تنسجم مع الواقع العربي.
التغير الفعلي والنوعي في العديد من السلوك المجتمعي أصبح أمراً أكثر خطراً على مستقبل الشعوب العربية، والتي ترزح تحت تهديد التطبيع الإسرائيلي- العربي، مما ينعكس فعلاً على الواقع الفلسطيني الذي يتأثر بشكل مباشر نتيجة تلك الممارسات والتي تعبر عن ضعف واضمحلال في الإرادة وعدم قدرة الشعوب العربية على مواجهة ومكافحة التطبيع أمام سلطة الأنظمة التي عززت من الوجود الاسرائيلي، بل جعلته شريكاً قومياً استراتيجياً في رسم سياساتها وتحديد معالم مستقبلها، دون الوقوف على تداعيات ومخاطر التطبيع الذي أغرق المنطقة في آتون الضياع والفقر والجهل والأزمات...إلخ.
أم هارون أحد الشواهد التاريخية على أعمال الدراما العربية والتي سلطت الضوء على أخطر ما يهدد المنطقة العربية بأكملها – دولة الاحتلال، واتخذت من تاريخ الحركة الصهيونية أنموذجاً لرسم لوحة اعلامية لا تعبر في حقيقتها سوى عن زيف وأباطيل، وساهمت في كي الوعي العربي بين الأجيال الشابة والتي يعمل الموساد الاسرائيلي على استهدافهم. القصة والسيناريو تحاكي نوعاً من أنواع التطبيع الثقافي مع دولة الاحتلال، باعتباره جزءاً من الدبلوماسية والعلاقات التي تؤسس لروابط حميمة بين الاحتلال وبعض البلدان العربية.
حمى التطبيع أصابت النسيج المجتمعي العربي، وعززت من وجود الاحتلال بعيداً عن السياسة، وبعيداً عن الخلافات والصراع العربي- الاسرائيلي الذي انتهى بأول مراحل التطبيع، ومن هذا المنطلق يمكننا طرح تساؤلاً قد يكون أكثر أهمية من الوقوف على قراءة مراحل التطبيع وصولاً إلى تعزيز هذا المفهوم لدى كل مواطن عربي، ما الدور الذي يسلكه الاحتلال تجاه الشعوب العربية؟ وهل للتطبيع دوراً في حماية مشروع الاحتلال على أرض فلسطين وفي المنطقة العربية بأسرها؟
للوقوف على الدور يجب قراءة المشهد العربي بشكله الصحيح والذي لا يخفى على أحد، فالحالة التي يعيشها المواطن العربي تُعد من أسوأ المراحل التاريخية في ظل انعدام الأمن والاستقرار بالمنطقة، تزامناً مع سياسات الولايات المتحدة الداعمة للاحتلال من خلال تصفية القضية الفلسطينية، وتهويد المقدسات الإسلامية على أرض فلسطين، وعدم القدرة على بناء استراتيجية تحفظ للمواطن العربي حقه في الحياة العامة والحياة السياسية، من خلال حقه في الانتخاب واختيار من يمثلونه في المجالس النيابية والتشريعية، وحقه في المعارضة وفق القانون الذي يكفل الحماية التامة لفصائل المعارضة في سياق الحفاظ على كيان الدولة ومستقبلها من أي مهددات أو مخاطر خارجية وداخلية.
حالة الانعدام التي تمر بها الشعوب العربية منحت الضوء الأخضر لدولة الاحتلال بالتحكم في المحرك الأساسي الذي يوجه الشعوب نحو إدراك حقيقة التطبيع من الناحية الإنسانية كما تعرضها الدراما العربية والأخرى الهابطة والتي تشكل محوراً معادياً للفلسطينيين ولكل أحرار العالم المناهضين لسياسات الاحتلال ولحركة التطبيع التي تفشت وسط بعض المجتمعات العربية، كقوة تساعد على حماية المشروع الصهيوني في المنطقة تحت مظلة التطبيع الذي ينتشر بين الشعوب العربية كالنار في الهشيم، ليأكل ضعافها وينكسر أمام عظمائها.