الصحافية بريكة تروي تجربة 21 يوما في الحجر

الرسالة نت - مها شهوان

"سلبية.. سلبية" هكذا صدحت حناجر المحجورين في مدرسة "فالتر" بدير البلح حين جاء ضابط الأمن يخبرهم بنتيجة فحوصاتهم الأخيرة من فايروس كورونا، حتى دوت الزغاريد في المدارس الأربعة المجاورة وفيها حوالي 450 شخصا، فجميعهم سيغادرون بيوتهم بعد 21 يوما من الحجر الصحي عقب عودتهم إلى قطاع غزة عبر معبر رفح.

السادس من إبريل كان موعد عودة الصحافية "أمل بريكة" إلى بيتها في مدينة رفح جنوب قطاع غزة، بعدما قضت 21 يوما بصحبة والدها وشقيقها "أحمد" في مدرسة "فالتر" وتحديدا في الصف "الرابع 1" كما تخبر "الرسالة" ضاحكة.

الصحافية بريكة عاشت 21 ليلة في الحجر الصحي وكل نهار كانت تفتح عينيها على سقف غرفتها بدلا من السابورة الخضراء وعليها بعض الجمل الفعلية والإسمية كما تقول، وتمضي بالقول:" تلك الايام كانت تجربة كبيرة بالنسبة لي (..) عشت مع أشخاص لم أعرفهم بجو أسري رغم وجود بعض المنغصات في اليوم الأول".

وتحكي عن اللحظات الأولى حين تم ابلاغهم من قبل الجانب المصري أنهم سيوضعون في الحجر الصحي، وهنا تعلق "امتعض جميع الناس، لاسيما بعد وصولنا إلى الصالة الفلسطينية وكان الامن يبتعد عنا ويرتدي الكمامات حينئذ شعرنا بالرعب الذي زاد أكثر وقت سقوط أحد العائدين بسبب الضغط النفسي والعصبي فالجميع ظن أنه مصاب بكورونا خاصة بعدما تأخروا في اسعافه".

وذكرت بريكة أن البعض عبر مواقع التواصل الاجتماعي كانوا يرسلون لها ولكل الذين سيضعون بالحجر " يلا ع الحجر" بدلا من "حمدلله على السلامة"، فهي تدرك أنهم يمزحون لكن كان ذلك صعبا على نفسيتهم، خاصة وأنهم لم يعرفوا أين سيحجرون.

وتقول عبر الهاتف وهي تجلس بين عائلتها:" اليوم الأول في الحجر كان صعبا حيث الظروف الصحية والبيئية السيئة، لكن تدارك الأمر من قبل الجهات المختصة وتم توفير سرير وأغطيه وأدوات تعقييم لكل فرد محجور، عدا عن الوجبات الغذائية والمياه التي كانت متوفرة طيلة الوقت".

بعد تنظيم الأمور داخل المدرسة في اليوم الأول، امتعض المحجورين لاسيما السيدات بسبب ابتعاد دورات المياه عن الفصول، لكن سرعان ما استجاب لهم المسئولين هناك، كما توضح بريكة، فكلامها يدحض ما كان يروج عبر وسائل التواصل الاجتماعي بوجود اهمال وتقاعس من قبل الجهات المسئولة.

ولم تنف الصحافية من وجود انتهاك للخصوصية من قبل بعض الأشخاص المحجورين حيث الازعاج الذي كان من حين لآخر، لكن بعد أيام قليلة كل شخص إلتزم مكانه، مبررة أن ما حدث كان نتيجة الضغوط التي وقعت على الجميع.

ما هون على بريكة وجود صديقات لها في ذات المدرسة يقضين الكثير من الوقت مع بعضهن، لكن في نطاق المحدود ومراعاة الإجراءات الوقائية، وتعلق" نسجت علاقات اجتماعية مع الكثيرين، وكنا نخاف على بعضنا، فدوما نوزع "الهاي جيل" عند خروجنا إلى الساحة ونرتدي الكمامات حفاظا على أنفسنا".

وتستذكر موقفا كان صعبا حين عطست في ساحة المدرسة وهرب الجميع وتقول: كان الأمر صعبا لكنني تفهمت ما حدث كون الفايروس خطير".

ومن ضمن المواقف التي عاشتها حين كانت تجلس ومن معها في الغرف يتعلمن دروس الصف الرابع وسط جو من الضحك والمزاح، فقد كان بينهم طفلا محجورا مع والدته وهو بالصف الرابع فعلا، كان يراجع معهن الدروس ويرددن من خلفه.

وكانت دوما تذهب بريكة إلى والدها الذي يرقد في الصف الثاني لتطمئن عليه بالقول " ها كيف حالك يابا"، ومن ثم تغيظه ضاحكة " أنا أكبر منك بالصف الرابع وأنت بالثاني" يمتعض قليلا ثم يمضي في لعب الكوتشينه مع أصدقائه، بينما هي تردد على مسامعه "دير بالك على حالك يابا".

شعرت بريكة بالخوف عند أخذ عينة منها لأول مرة، تقول:" عند قياس درجة حرارتي شعرت بخوف شديد وخشيت أن يؤثر على حرارتي فترتفع، وشعرت بألم بالرأس يصاحبه الكحة والعطس"، متابعة: ما حدث معي هو إرهاق نفسي لا أكثر (..) فمن يعاني الجيوب الأنفية ويأتي أحد يلمس أنفه سرعان ما يتعرض لما حدث معي، لكن الحمدلله كانت النتيجة سلبية".

ولم تتوان بريكة طيلة المقابلة عن ذكر الدور الذي قام به رجال الأمن والنظافة هناك، تذكر أن معهم بالحجر رجال شرطة يحملون رتبا عالية كاللواء والملازم لكنهم طيلة الوقت كانوا يتعاملون معهم كعائلة فالملازم "عطية وجلال" ينادوهم بأسمائهم، معقبة بالقول "ليتني أجد كلمة لأصف رجال الأمن وتعاملهم معنا في المدرسة (..) خلعوا بدلاتهم العسكرية وارتدوا الملابس المدنية لخدمتنا".

حديث الصحافية ربما يظن البعض أنه مبالغ فيه، لكن عند سؤالها عن الدور الذي قاموا به تقول:" تركوا بيوتهم وحجروا في المدراس من أجل خدمتنا (..) منذ ساعات الفجر نجد عدد من رجال الشرطة يملؤون البراميل بالمياه".

وتمضي بقولها:" كان رجل أمن واحد يحمل الوجبات الغذائية ويجرها بالعربة لتوزيعها على الأربع مدارس وكل واحدة ثلاثة طوابق الأمر الذي كان يرهق من عليه الدور لكنهم كانوا يحاولون ارضاءنا وتلبية احتياجاتنا دون تذمر".

وتضيف:" دوما كنت أرى رجل الشرطة بغزة أنه سيء كما يشاع عبر الاعلام، لكن عند التعامل معهم يستحقون أكثر، فهم يعملون برواتب بسيطة، أثبتوا أنهم في خدمة الشعب فعلا".

ولفتت إلى موقف حدث مع أحد أفراد الشرطة أنه حين توفي خاله لم يترك المدرسة وبقي، وكذلك الحال حين رزق بطفل، والأسوأ من ذلك حين انتهى الحجر وعاد لعائلته مجروحا بقدمه بسبب مساعدته للمحجورين".

أما عن عمال النظافة، فأشارت إلى أنها كثيرا ما كانت تتشاجر معهم بسبب عملهم المتواصل، موضحة أنها وكثير من المحجورين كانوا يشفقون عليهم بسبب إفراغهم لسلات القمامة وتعقيم الممرات ودورات المياه والفصول دون راحة.

وكثيرا ما كانت تردد بريكة على مسامع رجال الأمن " حاسة بتدرب معكم على الإنسانية"، واصفة العلاقة بين المحجورين ورجال الأمن بالأخوية، حيث تستذكر موقفا حدث معها حين جاءها أحد رجال الشرطة وقدم لها الطعام الذي أرسلته له زوجته بعدما علم أن الوجبة التي وزعت ذاك اليوم لم ترق لها.

ولم ينته دور رجال الشرطة مع المحجورين عند اعلامهم بأن النتيجة سلبية، بل قاموا بمساعدتهم بنقل حقائبهم إلى الباصات وتوديعهم، وتتساءل بريكة " ايش جابرهم على التعب رغم الانتقادات التي طالتهم عبر مواقع التواصل الاجتماعي".

وختمت الصحافية بريكة حديثها بالقول "وصلت أهلي وعانقتهم بالدموع لدرجة أنني نسيت رحلة سفري إلى مصر قبل شهر (..) قابلتني أمي بالأطعمة التي أحبها".