فيروس الأخبار الكاذبة لا يقل خطرًا عن "كورونا"

أحمد يونس حمودة
أحمد يونس حمودة

أحمد يونس حمودة

 طالب دكتوراه مستوى ثالث بمعهد الصحافة وعلوم الإخبار بتونس

وضع فيروس كورونا المستجد العالم أمام سيناريو "كارثي" إذ تسبّب تعطّل بعض مناحي الحياة إثر انتشار الوباء حالة من الذعر والخوف مردّها الأرقام اليومية المتصاعدة بنسق سريع في دول مختلفة من العالم لعلّ من أبرزها إيطاليا والولايات المتحدة الأمريكية وفرنسا واسبانيا.

الأمر الذّي تناولته وسائل الإعلام بالمتابعة الفورية وخصّته منصات الميديا الاجتماعيّة بتدفق معلوماتي شديد من المعلومات والرسائل حول الجائحة المنتشرة، والتي ساهمت في تنشيط مستقبلات الذعر لدى المتلقين.

وفي عصر الميديا الجديدة أضحت المعلومات تنتشر بكثافة دون مصدرٍ حقيقي لها بواسطة صحافة صانع المحتوى، الأمر الذي جعل وسائل الإعلام الكلاسيكية تدقّق من جديد وتتثبت من صحة ومصداقيّة المضامين المنتشرة عبر طاقهما المهني.

إذ انتشرت في الآونة الأخيرة جملة من الأخبار المغلوطة والكاذبة Fake News عبر منصات الميديا الاجتماعيّة، كانت تروّج عمدا وتصّورُ على أنّها وقائع لا يمكن التحقّق منها وتزييفها بهدف نشر البلبلة وإثارة مشاعر العنف والكراهيّة، وهو ما شكّلَ خطرًا حقيقيا على الجهود الدولية في محاصرة تفشي المرض وضرب جهود الوقاية والسلامة المطلوبة.

ومن تلك المغالطات أو الأخبار الكاذبة ما نشر حول أنّ التواصل أو الاقتراب من الآسيويّ يعني الموت، وما ما لاحظناه من معلومات خاطئة عن كيفية انتقال عدوى الفيروس بلسعة البعوض أو سرعة انتقاله مع الهواء أو الغاز، أو ما نتشر من معلومات حول ضرورة استعمال الثوم والبصل والخل والغرغرة لقتل الفيروس. وتقديم معلومات خاطئة عن تشبيهه بمرض الأنفلونزا، الأمر الذي أدى إلى استهتار الناس وعدم التزامهم بالحجر الصحي، وهذا ما سبّب ارتفاعًا بأعداد الإصابات اليوميّة. إضافة إلى الأخبار المفبركة حول العثور على اللقاح والعلاجات واستخدام دواء CHLOROQUINE للقضاء عليه، وهو ما تسبب أيضًا بوفاة العديد من الأشخاص عند استعماله. ولاحظنا الأخبار حول وجود مؤامرات عالمية أو ظهور كائنات غريبة تشبه الخفاش في بعض عواصم الدول، لإثارة الهلع من قرب انتهاء الكون، وتداول مستخدمي منصات الميديا الاجتماعيّة منشورًا ينسب لرئيس الوزراء الإيطالي جوزيبي كونتي قوّله " انتهت حلول الأرض والأمر متروك للسماء" إثر فقدان السيطرة على انتشار فيروس كورونا المستجد في بلده، لكنّ هذه الادعاء ثبت عدم صحته.

ومن هذا المنطلق يظهر التأثير النفسي لتلك الأخبار الزائفة السلبية في المتلقي، إذ أنّ استخدام العناوين المثيرة والمصحوبة بصور الخوف والدهشة والغضب وتهويل المشاكل تجعل من المتقبّل للخبر بأنّ يتلقاه بإحساسه لا أنّ يفكر فيه بالعقل. فيصدّقها لأنّها تؤكد قناعاته النفسيّة المسبقة لها، ولا تجعله يتساءل عن موثوقيّة الموقع المنشور فيه؟ أو من صاحب الموقع؟ أو وقت خروج الخبر؟ مثل خبر انتشار صور أرفف الأسواق الفارغة التي ولّدت لديه شعور بأنه إذ لم يمت من الفيروس سيموت جوعًا.

وبعد كل هذه المقاربات، كيف يمكن التصدي للأخبار الزائفة؟

لا بدّ من الانطلاق بمرحلة رئيسية في تقصّي صحّة ودقّة الأخبار وهي مرحلة  البحث عن مصدر المعلومة وتقديم التساؤلات التاليّة: من أين جاءت هذه المعلومة؟، ومن الشخص الذي قام بإرسالها، والقيام بالبحث عنه، والتحرّي عن مالك الموقع الإلكتروني ومدى مصداقيّته، والسؤال، عن الطرف الثالث الذي أرسل لك المعلومة، وهل له مصلحة بأنّ يرسلها؟ وهل له علاقة مباشرة بالحدث؟. فسلسلة تداول الأخبار من شخص عن شخص إلى شخص هي مدّعاة للشك لزرع الأخبار الزائفة. فغالبا تسيطر الخلفيات البيئية والمجتمعية والنفسية للمرسل في صياغة رسائله والفكرة من وراء نشرها.

ويمكن استخدام البرمجيات المتاحة للمطابقة من الصور المنتشرة عبر منصات الميديا الاجتماعية والتحقّق من مصداقيّة الأخبار ودقتها مثل موقع Tin eye)(Snopes) ، Hoaxy)Fact Checking)(Extract Meta Data). كما أنّ البحث عن المصادر المتخصصّة والتي لها علاقة مباشرة بالمعلومة يجنّبنا الوقوع في فخ نقل وتداول الأخبار الزائفة. فليس كل طبيب باستطاعته الحديث عن الفيروس وتطوّر مراحله، وهنا وجب التوجّه المباشر للأطباء المختصين والباحثين بالأمراض الجرثوميّة لإعطائنا المعلومة الصحيحة عن الفيروس وأثره على الصحة.

وفي السياق ذاته يجب الاستئناس بتجارب صحفيين من بلدان أخرى عاشوا نقل هذه التجارب مثل: الاستفادة من دروس الصحفيين الصينيين الذين غطوا فيروس في كيفيّة الوصول إلى المعلومة، والتعامل مع الإطار الطبي، وتغطيّة الظروف التي يعيشها المصاب والطبيب في المستشفيات، وكلّها مصادر مباشرة للمعلومة.

ختاما، لا يعدّ الشخص السياسي، هو الأفضل لأخذ معلومة ما منه في ظروف هذه الجائحة، كونه غير مختص، ولديه مصالح يدافع عليها سواء بتضخيم الأحداث أو التقليل منها، إذ يجب الحذر والتوجّه للأطباء الفاعلين في عين المكان والناطق الرسمي باسم وزارة الصحة، أو المكلفين  الرسميين بالاتصال من الوزارات والسلطات المعنيّة، للحصول على المعلومة الصحيحة.