ميدل إيست آي: خمسة أسابيع غيّرت الجزائر

صورة من التظاهرات
صورة من التظاهرات

الرسالة - وكالات

تسارعت الأحداث في الجزائر منذ 22 فبراير/شباط الماضي، وتحوّل الشارع خلال خمسة أسابيع إلى لاعب رئيسي في الحياة السياسية، غير أن السلطات وجدت صيغة لتتكيّف بها مع الوضع في محاولة لضمان بقائها.

هكذا لخّص الكاتب الجزائري عابد شرف في مقال بموقع ميدل إيست آي باللغة الفرنسية الوضع في الجزائر، مشيرا إلى أن الجزائريين أنفسهم في دهشة من مدى التغيير الذي وقع في شهر واحد، حيث تبدو الجزائر بصورة مختلفة جذريا عن الصورة التي كانت سائدة قبل منتصف فبراير/شباط الماضي.

ولقياس مدى هذا التغيير، يكتفي الكاتب بالتذكير بأنه قبل شهر ونصف الشهر من الآن كان رئيس الوزراء السابق عبد المالك سلال يعلن أمام حشد من الجماهير ترشيح الرئيس عبد العزيز بوتفليقة لولاية خامسة.

وحينها بدا البلد مستكينا -كما يقول الكاتب- والمعارضة عاجزة والمجتمع غير قادر على مواجهة السلطات المحيطة بالرئيس والمصرة على أن ينهي حياته في السلطة، وكـأنه لا شيء يمكن أن يمنع البلاد من هذه الإهانة.

غير أن هذا الحدث الذي أثّر في نفوس الجزائريين، تحوّل إلى مفجر بما أثاره من شعور قوي بالإهانة، واستنتج الكاتب أن ازدراء السلطة للشعب وغرور الطغمة المحيطة بالرئيس وفقدان بعض الشخصيات البارزة واستكانة الطبقة السياسية التي أصبحت مكروهة، كل ذلك شكّل خليطا أدى إلى ثورة هائلة.

استعادة كبرياء
وفي 22 فبراير/شباط الماضي، بعد تواصل على الشبكات الاجتماعية، بدأ تنظيم المسيرات في معظم المدن الرئيسية في البلاد، فيما يشبه المعجزة -حسب الكاتب- إذ خرج عشرات الآلاف من الجزائريين يتظاهرون في فرح وهدوء نادر، ومنذئذ لم تتوقف المظاهرات.

كان التغيير عملاقا على مستوى المتظاهرين، وكأن الجزائريين الذين كانوا يتحدثون عن أنفسهم باحتقار وازدراء، أصبحوا فجأة فخورين بانتمائهم لبلدهم الذي يحملون علمه في كل مكان، كما يقول الكاتب.

لقد حلّ الهدوء والانضباط والتضامن والرغبة في المساهمة محل العنف والجبن والاتكالية التي كانت سائدة، ونبّه الكاتب إلى أن المسيرات التي تكررت في كل مناطق البلاد لم يصاحبها العنف، بل صار الاستثناء بعد أن كان هو القاعدة، مما ينفي حجج الحكومة التي ظلت تدعي أن المظاهرات محظورة بسبب الخطر الذي تشكله.

قادة موهوبون
واليوم -يقول الكاتب- بدأت مفردات جديدة تظهر في الشارع، ثم تدريجيا في وسائل الإعلام مصحوبة بسلوكيات جديدة، إذ يجرى النقاش من دون محرمات، ويتحدث الناس عن الحق والدستور والتغيير وخريطة الطريق، في حين أنه في السابق كانت القاعدة هي وضع خطط للتقرب من الوزير أو الوالي، أو للاندماج في شبكة للظفر بموقع في الانتخابات المقبلة أو وظيفة في الدولة.

لقد اكتشفت البلاد مواهب جديدة ومنظمين فعالين ورجال مفوهين وقادة موهوبين يبدون حماسة فائقة وتفانيا نادرا، مما يظهر أن الفجوة كبيرة بين جودة من يظهرون اليوم ومن كان يشملهم نظام الاختيار المعمول به منذ سنوات، إذ يبدو الموظفون قبل 22 فبراير/شباط السابق وكأنهم اختيروا من أسفل اللائحة، كما لو كان النظام يختار الأقل كفاءة وأخلاقا والأقدر على خيانة ومتابعة سلطة اللحظة أيا كانت، كما يستنتج الكاتب.

انتصارات
يرى الكاتب أن الشارع حقّق انتصارات سياسية واضحة، إذ وصل للهدف الأول وهو "لا لولاية بوتفليقة الخامسة"، وعدّد انتصارات أخرى من بينها اختفاء الطبقة السياسية التي كانت متغطرسة، وإرغام رئيس أركان الجيش الفريق أحمد قايد صالح على طلب تطبيق المادة 102 من الدستور التي تتحدث عن شغور منصب الرئاسة.

ووفقا للكاتب فإن الشارع اكتشف قوته بعد الصورة المهيمنة التي كانت تظهره كحشد لا يملك المبادرة، وقد وجد في الشبكات الاجتماعية قوة هائلة، يتم من خلالها تنظيم التعبئة وتبادل الشعارات ونشر المعلومات.

بالإضافة إلى ذلك، تم رفع الحجر على الحراك، إذ إن الإسلام السياسي لم يظهر في الصورة، ولم يكن الإسلاميون وحدهم هم السبب في الدعوة لاختيار الاحتجاج بعد صلاة الجمعة، بل إنهم لم يلعبوا أي دور، كما يتضح من تنوع الأحداث والوجود القوي للمرأة في المظاهرات، خاصة في المدن الكبيرة، كما يقول الكاتب.

نقاط للسلطة
في المقابل، سجلت السلطة نقاطا أيضا، كما يقول الكاتب، إذ إن نهاية عهد بوتفليقة حدث كبير، يتيح للسلطة القضاء على مشكلة كبيرة تتعلق بصورة النظام وتسييره، حيث إن الحالة الصحية لرئيس الدولة كانت تعرقل عمل المؤسسات.

وفي هذه العملية استغلت السلطة، كالشارع، الفرصة أيضا، فاستطاعت -حسب الكاتب- القيام ببعض العمليات الدقيقة بنجاح كبير، كالتعليمات التي صدرت لقوات الأمن بمرافقة المحتجين وحمايتهم والتي أعطت نتيجة مدهشة، إذ تمت إعادة تأهيل الشرطة إلى حد كبير في نظر الجمهور، وترميم صورة القضاء -المتهم في السابق بالفساد- بعد مشاركة أعضائه في الاحتجاجات.

وأشار الكاتب إلى أن الجيش -وهو العمود الفقري للسلطة- يعمل بشكل جيد نسبيا هو الآخر، على الرغم من تورط رئيسه في شراكة طويلة مع الرئيس بوتفليقة، ولكنه أخذ المبادرة برفع العوائق، مما يسمح للجيش بلعب دور جيد.

وبعد هذا العرض، تساءل الكاتب هل هذه القدرة على إدارة الأزمة تكفي للقول بأن ما يحدث ليس مجرد عملية مدبرة؟ وقال إن أي شخص لم يجرؤ بعد على الحديث بشكل صريح عن وجود "مؤامرة" والقول إن الاحتجاجات عملية مدبرة، ولكن أصواتا قد ارتفعت للتحذير من وجود مندسين في المسيرات من دائرة الاستعلام والأمن، أي جهاز المخابرات المنحل في عام 2015.

ويخلص عابد شرف إلى أن الجزائر على أي حال قد تغيرت بشكل كبير وإيجابي خلال الأسابيع الخمسة الأخيرة التي استغلت السلطة والشارع ما حدث فيها من تطورات مثيرة.

المصدر : مواقع إلكترونية