في رحاب آية

( هلْ تحتَ الرَّمادِ جَمْرة بفتحِ الوَصِيدِ للعمرة؟! )

السماح لسكان قطاع غزة بأداء العمرة بعد سنوات من الحرمان
السماح لسكان قطاع غزة بأداء العمرة بعد سنوات من الحرمان

بقلم: د. يونس الأسطل

] وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ ... [

                                                               البقرة (196)

انسلخ أربعُ سنين وسكانُ قطاع غزة محرومون من العمرة؛ تكريساً للحصار، وزيادة في الضغط على أهله؛ إضافة إلى الصور الإجرامية الأُخرى، لا سيَّما في لقمة العيش؛ بهدف إكراهنا للركوع أمام المطلب المشترك للاحتلال، والسلطة العباسية، ومن يمنحها الشرعية من الشرذمة الحاكمة في كثير من الدول العربية، وهو الاعتراف بالاحتلال، ومباركة تهويده لفلسطين، والتعهد بأمنه، بعد التوقف عن جميع أنواع المقاومة التي يصفها أولئك الأطراف بالإرهابية، أسوةً بأزلام أوسلو، أو أقزام السلطة.

وفجأةً وجدنا الأبواب مشرعة أمام الآلاف الراغبين في شدِّ الرِّحال إلى البيت العتيق، مع رفع تكلفة هذه الرحلة؛ لتصل ضعف ما كانت عليه من قبل؛ بل وإغراء المفلسين بفرصة العمرة بالتقسيط بنظام ما يسمى بالمرابحة للواعد بالشراء وعداً ملزماً؛ حيثُ يوفِّر البنك هذه الخدمة بالتنسيق مع شركات الحج والعمرة؛ بأن يقوم البنك بدفع مبلغ من المال لتلك الشركات عاجلاً، ويسترده مع ما يُسَمَّى بأرباحه بالتقسيط، ويجري التوقيع على عقود ورقية مع البنك، مع أن المسؤول عن الرحلة من أولها إلى آخرها أمام المعتمرين هم أصحاب تلك الشركات.

ولمناقشة مدى مشروعية العمرة بعامةٍ هذه الأيام، والعمرة بالتقسيط على وجه الخصوص أقول مستعيناً بالله في ثماني نقاطٍ سواءً للسائلين:

  1. يبدو أن رفع الحظر عن الخروج للعمرة جاء في إطار زيادة الحصار تحت شعار زيارة البلد الحرام، وقد خطَّط له أولاد الحرام رغبةً في امتصاص ملايين الدنانير شهرياً من القطاع؛ تكريساً للجوع، ونقصِ الأموال والثمرات، في الوقت الذي يجري فيه قرصنة رواتب آلاف الموظفين كلياً أو جزئياً، مع حجب مخصصات الأسرى، والجرحى، وذوي الشهداء، وكذا المساكين والفقراء المكفولون بأدنى من رمق الحياة من خلال وزارة الشؤون الاجتماعية.
  2. إن العمرة ذاتها سُنَّةٌ عند أكثر الفقهاء، ومن صرَّح بوجوبها؛ فلأنه يعتقد أن الوجوب دون الفرض؛ أيْ في منزلة السنة المؤكدة، وذلك في حقِّ من لم يعتمر من قبلُ، وأما من اعتمر من قبلُ، ولو مرةً واحدةً؛ فهي في حقِّه سُنَّةٌ بالإجماع.
  3. وإذا كان ركن الحج لا يجب إلا على مَنِ استطاع إليه سبيلاً، وعلى التراخي؛ فإن العمرة كذلك من بابٍ أَوْلى، فما الداعي أن تُنِفقوا مالاً لُبَداً في ساعة العُسْرة؛ لتحصيل سُنَّةٍ، أَمَا تَرَوْنَ الخير في نَظِرةٍ إلى مَيْسَرة.
  4. وإذا صحَّتِ النية في أن المعتمر يريد وجه الله والدار الآخرة، وعظيم الأجر والثواب؛ فإن الإفاضة بهذا المال على الفقراء، والمساكين، والسائلين، والمعتقلين، وعلى الجرحى، والطلبة، وذوي الشهداء من المعوزين، أعظمُ أجراً عند الله؛ إذْ يُوضع في فريضة، بينما يضعه في نافلة مَنْ أصرَّ على العمرة، والفرق بين النافلة والفريضة، كالفرق بين الأرنب والذِّبْحِ العظيم، وهو الكبش الضخم السمين.
  5. فإذا اختار المعتمر حرمان أولئك المحتاجين، ومن على شاكلتهم، والمُضِيَّ في قرار العمرة؛ فأخشى أن يكون إخلاصه مدخولاً؛ لأن مَنْ تجرَّد لله كان حريصاً على نَيْلِ أعلى الدرجات في رضاه، وما عُبِدَ اللهُ عزوجل بشيءٍ أحبَّ إليه مما افترضه على عباده.
  6. إن الطريق إلى الحجاز محفوف بالمتاعب والمصاعب والمصائب؛ فقد يكون مصير بعض الشباب كمصير أولئك الأربعة الذين اختفت آثاراهم قبل أكثر من عامين، ولا زالوا رهن الأسر، لكننا لن نيأس من رَوْحِ الله، وعسى الله أن يأتينا بهم جميعاً.

أضف إلى ذلك أن هناك هَوَساً أمنياً في بلاد الحرمين، ويمكن أن يأخذوا الإنسان بالظِّنَّة؛ فكيف لو كانوا إنما فتحوا باب العمرة لحاجتهم، أو حاجة الصهاينة؛ لمزيد من الأسرار، وهم اليوم حِلْفٌ واحدٌ في صفقة القرن، وتصفية القضية الفلسطينية لصالح الصهاينة.

  1. فإذا جئنا لحكم تقسيط العمرة وجدنا أن الذين يطلبونها هم الذين لا يستطيعون إلى البيت العتيق سبيلاً؛ فلا تكون مشروعةً في حقهم، فيذهبون إلى التقسيط الذي لا يخلو من شبهة الربا، أو حتى الربا الصريح؛ ذلك أن جوهر هذا العقد أن يُسَدِّدَ البنك ديون المعتمرين، ويأخذ عليها أرباحاً، وكان الأصل في البنك أن يُدَشِّنَ شركةَ حجٍّ وعمرةٍ تابعةً له، أو أن يدخل شريكاً مع إحدى الشركات القائمة حتى يكون مستثمراً، لا وسيطاً مُموِّلاً، ومهما حاول بعض المفتين أن يفلسفَ هذا العقد بأنه شراء للمنافع؛ فإن عقد المرابحة في الأعيان عليه علامة استفهام كبيرة؛ من حيثُ أصلُ المشروعية، ومن حيثُ التطبيق؛ بل إنه يعارض حكمة الاقتصاد القائمة على منع أن يكون المال دُولةً بين الأغنياء منكم، وعقد المرابحة – لا سيما في العقود الاستهلاكية- يأخذ الأموال من الفقراء، ويضعها في رصيد الأغنياء، في مقابل شيءٍ من الرفاهية التي تُحيل الأكثرين إلى جيشٍ من المَدِينيِنَ، وتحت ذريعة الأقساط يُقَتِّرون في النفقة على أهليهم، ويتوقفون عن زيارة الأرحام والأصدقاء ممن يليهم، ويمتنعون من دعم المشاريع الخيرية، وكلما انتهى أحدهم من مرابحةٍ دخل في أخرى، حتى يأتيه اليقينُ وهو مدين.
  2. ولا يفهمَنَّ أحدٌ من آية المقال دلالتها على وجوب الحج والعمرة ابتداءً؛ لأن غاية ما فيها وجوب الإتمام للنُسُكَينِ لمن دخل فيهما أحدِهما أو كليهما، وأنه إذا أحرم بأيٍّ منهما، ثم حِيلَ بينهم وبين المسجد الحرام؛ لحصار، أو مرضٍ شديد، أو غير ذلك؛ جاز أن يفسخ الإحرام ويعود، وأن يكفِّرَ عن ذلك بذبح هَدْيٍ في مكان إحصاره.

 

 

واللهُ تعالى أعلم، وهو أحكمُ وأكرم.