# استهتارك_سيقتل_احبابك

الفتوى ومكانتها في النظام السياسي "الإسرائيلي"

صالح النعامي   

الفتوى التي أصدرها الحاخام إسحاق شابيرا مدير إحدى المدارس الدينية اليهودية في الضفة الغربية والتي تتضمن " مسوغات فقهية "، " تسمح بقتل غير اليهود سواءً كانوا رجالاً أو نساءً أو أطفالاً وفق الشريعة اليهودية، سلطت الأضواء على صناعة الفتاوى ومكانتها في "إسرائيل"، في ظل المؤشرات الواضحة على الدور الذي تلعبه هذه الفتاوى ليس فقط في إضفاء شرعية دينية على ذبح الفلسطينيين والمس بكرامتهم، بل أيضاً تأثيرها على المجتمع الإسرائيلي ومساهمتها في دفعه نحو مزيد من التطرف الديني و السياسي، علاوة على أن المكانة التي تحظى بها هذه الفتاوى باتت تهدد طابع "إسرائيل" العلماني، وتكشف زيف إدعاء نخبها الحاكمة وجود فصل بين الدين والدولة.

ومن نافلة القول أن هذه الفتاوى تدلل بشكل لا يقبل التأويل على نفاق العالم الذي يكيل بمكيالين، فهو من جهة يغض الطرف عن هذه الفتاوى ومروجيها، وفي ذات الوقت فإن كل من يتعرض لليهود يوسم بالعنصرية ومعاداة السامية.

فتاوى قاتلة

كانت الفتوى التي أصدرها الحاخام شابيرا حلقة صغيرة في سلسلة طويلة من الفتاوى التي أصدرها كبار الحاخامات والمرجعيات الدينية اليهودية في العقد الأخيرين والتي توفر المسوغات الدينية للمس بالمدنيين الفلسطينيين فقط لكونهم فلسطينيين وعرباً ومسلمين. ولعل أخطر الفتاوى كانت تلك التي صدرت بتاريخ 6-3-2008، ووقع عليها عدد من كبار الحاخامات اليهود الذين يشكلون ما يعرف بـ " رابطة حاخامات أرض "إسرائيل" " برئاسة الحاخام دوف ليئور والتي أباحت للجيش الاسرائيلي قصف التجمعات السكانية الفلسطينية بدون تمييز، والتي استند إليها عدد من الوزراء المتدينين في حكومة أولمرت السابقة لإبداء حماسهم إزاء تعمد المس بالمدنيين الفلسطينيين أثناء الحرب الإجرامية الأخيرة التي شنتها "إسرائيل" على غزة. وجاء في هذه الفتوى أن " الشريعة اليهودية تبيح قصف التجمعات السكانية المدنية الفلسطينية، والتوراة تجيز اطلاق قذائف على مصدر النيران حتى لو كان يتواجد فيه سكان مدنيون ". ولم يفت الموقعون على الفتوى التأكيد على أنه لا يتوجب على الجيش تحذير المدنيين قبل عملية القصف. وفي هذا السياق لا يمكن أيضاً إغفال الفتوى التي أصدرها الحاخام مردخاي إلياهو زعيم التيار الديني الصهيوني، أهم مرجعيات الإفتاء في "إسرائيل" على  الإطلاق والتي لا تبيح فقط المس بالرجال والنساء والأطفال الفلسطينيين، بل أيضاً تدعو إلى قتل " بهائمهم "  . وتنص الفتوى على وجوب قتل حتى الأطفال الرضع.  وقام إلياهو بـ " التأصيل الفقهي " لفتواه عبر المقارنة بين الفلسطينيين الحاليين والعمالقة الذين كانوا يقطنون فلسطين عندما دخل يوشع بن نون أريحا عام 1190 ق.م، حيث يدعي إلياهو أن الرب أنزل على يوشع بن نون حكماً يقضي بوجوب قتل العمالقة رجالاً ونساءً وأطفالاً رضع، وحتى البهائم. واعتبر إلياهو أن الفلسطينيين هم " عمالقة هذا العصر "، وبالتالي يتوجب معاملتهم مثلما تمت معاملة العمالقة القدماء. وحرص إلياهو على تضمين الفتوى نص الحكم الذي يزعم أنه نزل على يوشع بن نون، حيث جاء في هذا الحكم المزعوم " اقضوا على عملاق من البداية حتى النهاية..اقتلوهم وجردوهم من ممتلكاتهم، لا تأخذكم بهم رأفه، فليكن القتل متواصلاً، شخص يتبعه شخص، لا تتركوا طفلاً، لا تتركوا زرعاً أو شجراً، اقتلوا بهائمهم من الجمل حتى الحمار ".

مكانة الفتاوى

من ناحية نظرية تدعي "إسرائيل" أن نظامها السياسي علماني، يقوم على فصل الدين عن الدولة، وبالتالي يفترض ألا تتمتع الفتاوى بمكانة قانونية. لكن الفتاوى تحظى بمكانة قانونية في كل ما يتعلق بقضايا الأحوال الشخصية، حيث  يقوم قضاة المحاكم التوراتية التي فوضها القانون حسم الخلافات بشأن هذه القضايا إصدار الأحكام وفق الفتاوى التي أصدرتها المرجعيات الدينية التي عاشت في الزمن الغابر والمعاصر. ومن ناحية عملية تؤثر الفتاوى على الكثير من مناحي الحياة التي يفترض ألا يكون لرأي الدين فيها وزن في الأنظمة العلمانية. فمثلاً يتم احباط الكثير من مشاريع القوانين في الكنيست التي تتناقض بشكل صريح مع تعاليم التوارة، حيث تصر الكتل البرلمانية للأحزاب الدينية على افشال أي قانون يتعارض مع نصوص، الأمر الذي يضطر معه أصحاب مشاريع القوانين إلى اللهث خلف المرجعيات الدينية لاقناعها بضرورة تأييد هذه المشاريع. فعلى سبيل المثال لم يحدث في "إسرائيل" اختراق في قضية التبرع بأعضاء الموتى إلا بعد أن أصدرت المرجعيات الدينية في "إسرائيل" فتوى تعتبر فيه أن الموت الدماغي يعتبر موت، وأسهمت هذه الفتوى في زيادة عمليات التبرع بالأعضاء، بعد أن كانت هذه المرجعيات ترفض ذلك. وفي كثير من الأحيان يتم تضمين الاتفاقيات الإئتلافية التي على أساسها يتم تشكيل الحكومات في "إسرائيل" نصوصاً واضحة تقضي العمل بموجب الكثير من الفتاوى الدينية. فعلى سبيل المثال نص الإتفاق الإئتلافي بين حزب الليكود وحركة شاس على ضرورة أن تحترم حكومة بنيامين نتنياهو الحالية الفتوى التي أصدرها زعيم الحركة الروحي الحاخام عفوديا يوسيف بشأن ضرورة الإلتزام بشروط التهود التي وضعتها المرجعيات الأرثوذكسية، والتي تعني اعتبار الكثير من المهاجرين الذين هاجروا من روسيا والدول التي كانت تشكل الاتحاد السوفياتي غير يهود.

أما الفتاوى المتعلقة بالتسوية السياسية للصراع مع الفلسطينيين والعرب فتكتسب احترامها من حقيقة أن جميع الأحزاب الدينية وبعض الأحزاب العلمانية اليمينية تعتبرها المصدر الأساسي الذي تستند إليه هذه الأحزاب في تحديد مواقفها من الصراع. وإن كان من الطبيعي أن تستند الأحزاب الدينية لفتاوى كبار الحاخامات في تحديد مواقفها السياسية والأيدلوجية، فإنه - لأول وهلة -يبدو غريباً أن يعير حزب الليكود العلماني هذه الفتاوى أهمية ما. لكن كل من يمعن النظر في تركيبة حزب الليكود الحاكم يدرك أن إيلاء أهمية لفتاوى الحاخامات ينسجم مع التطورات التي حدثت على هذا الحزب. فأكثر المعسكرات أهمية ونشاطاً داخل هذا الحزب هو معسكر " القيادة اليهودية " برئاسة موشيه فايغلين، وهي مجموعة تضم المئات من أعضاء اللجنة المركزية للحزب، جميعهم من أتباع التيار الديني الصهيوني الذين يتباهون باستنداهم إلى فتاوى الحاخامات في تحديد مواقفهم الأيدلوجية من الصراع.

تهديد النظام السياسي

ولا يقتصر تأثير الفتاوى على تشريع المس بالفلسطينيين والاعتداء عليهم، بل أنها تسهم بشكل واضح في المس بالنظام السياسي الإسرائيلي. فقد اعترف يغآل عامير الذي اغتال رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق اسحاق رابين أنه أقدم على ما قام به بناءً على عدة فتاوى أصدرها الحاخامات وأباحت قتل رابين. وبعد 14 عاماً على اغتيال رابين، فإنه يبدو بشكل واضح أن فتاوى الحاخامات التي تحرض على الاغتيالات السياسية قد ازدادت فقط. ففي 5-1-2008 عرض الحاخام شالوم دوف فولفا فتوى أمام مؤتمر للحاخامات عقد في تل أبيب تبيح قتل كلاً من رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق ايهود أولمرت، ونائبه حاييم رامون ووزيرة خارجيته تسيفي ليفني ووزير حربه ايهود براك لأنهم " يفكرون بالتنازل عن أراضي " للفلسطينيين في اطار اتفاق للتسوية مع السلطة الفلسطينية ". وأفتى الحاخام هيرشل شيختر رئيس معهد تخريج الحاخامات في نيويورك فتوى تبيح إطلاق النار بقصد القتل على أي رئيس وزراء إسرائيلي يبدي استعداداً " للتنازل " عن القدس.

خلاصة

من المضحك المبكي أنه في الوقت الذي يواصل الحاخامات إصدار فتاويهم العنصرية القاتلة، يعكف المجلس الأمن القومي الإسرائيلي التابع مباشرة لمكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي حالياً على إعداد حملة دبلوماسية وإعلامية ضد عدد من علماء الدين المسلمين بدعوى " التحريض على القتل ومعاداة السامية ". وتهدف الخطة المتبلورة إلى إشراك مجلسي النواب والشيوخ في تفعيل هذه الحملة والضغط على حكومات العالم وتحديداً الدول العربية والإسلامية للتضييق على هؤلاء العلماء وتقييد قدرتهم على الحركة، علاوة على حرمانهم من أي منابر إعلامية تضمن لهم التواصل مع الجمهور العربي والإسلامي.

أن الذي يثير الاحباط في نفس كل عربي ومسلم هو حقيقة أن دوائر صنع القرار في العالم العربي لا تحرك ساكناً ولو من أجل تسجيل موقف ضد التحريض على القتل الذي يعبر عنه هذا السيل من الفتاوى، بل على العكس تماماً فقد سبق للرئيس المصري حسني مبارك إن استقبل الحاخام عفوديا يوسيف الذي يصف العرب بـ " الصراصير والثعابين  "، في حين أن أبواب الرئيس توصد أمام الكثير من العلماء الإجلاء.

# استهتارك_سيقتل_احبابك